07 - 07 - 2026

250 عاما من الشر والإبداع!

250 عاما من الشر والإبداع!

تعد الثورة الأمريكية التي احتفلت أمريكا 4 يوليو الحالي بمرور 250 عام على قيامها، الثانية في العالم من حيث الترتيب الزمني للثورات الكبرى، بعد الثورة الإنجليزية. سبقت الثورة الفرنسية بسنوات قليلة وسبقت الروسية بما يقارب قرن ونصف. الحديث عن ثورة بحجم الثورة الأمريكية يتطلب مجلدات وندوات وأبحاث ودراسات، فهي الثورة التي طردت الإمبراطورية البريطانية من قارة بأكملها وعملت على أن تصبح قوة عظمى، حتى جاءتها الفرصة خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، لتخرج بعدهما القوى العظمى وواكبها في مكانتها الاتحاد السوفييتي وإن تغلبت عليه فيما بعد لتتربع على النظام العالمي بمفردها. المفارقة ان أمريكا خلال القرنين ونصف كانت أكثر الدول خوضا للحروب وللقتل، قتلت عشرات الملايين مستخدمة قدرتها على إنتاج أحدث الأسلحة في العالم، قهرت وغزت وقتلت شعوبا ودمرت دولا بأكملها، وصار أسطولها البحري يعتبر المحيطات والبحار الدولية، بحيرة داخلية تمرح فيها السفن والبوارج الأمريكية ولا ينافسها في ذلك أحد. وهي الدولة الوحيدة التي استخدمت القنبلة الذرية لضرب دولة أخرى وتدمير مدينتين بالكامل وقتل ما يقارب 400 ألف مواطن ياباني في الحرب العالمية الثانية. 

إذا كان هذا جانب الشر في الإمبراطورية الأمريكية، فإن الجانب الآخر هو جانب الإبداع والابتكار وضخامة الإنتاج. لا شك أن أمريكا طليعة التقدم العلمي والاقتصادي في العالم وربما طليعة الديمقراطية فيما يتعلق بشعبها وليس بالدول الأخرى. كانت أمريكا ومازالت صاحبة أكبر إنتاج في العالم وصاحبة أكبر ناتج محلي إجمالي، وأيضا صاحبة أكبر ديون في العالم. هي صاحبة أكبر عدد من الاختراعات والاكتشافات وصاحبة أكبر عدد من جوائز نوبل التي نالها علماؤها، وهي صاحبة أكبر إنتاج سينمائي والأكثر تأثيرا. تتكون أمريكا من خمسين ولاية تعد كل منها دولة كاملة الملامح، وتطل شواطئها على محيطين، الأطلنطي والهادي.

في ذكرى الثورة الأمريكية نقف أمام حدث تاريخي لا يزال يثير الجدل، فهو ليس ماضي انطوى، بل حاضر يتجدد في كل مرة نحاول فيها فهم مسار الحداثة ومصير الحريات. ثورة قامت في بقعة من العالم الجديد، هزت أركان العالم القديم، فتحت بابا على عصر لم يكن لأحد أن يتنبأ بمعالمه، عصر دخلت فيه البشرية في متاهة الحرية التي لا تنتهي، ومتاهة السلطة والحروب والهيمنة التي لا تهدأ ولا تستقر. هل كانت الثورة الأمريكية وليدة حتمية تاريخية، أم بتدبير من قوى دولية رأت في إضعاف بريطانيا سبيلا لتحقيق التوازن؟ السؤال يحمل إشكالية كبيرة، لأنه يفترض أن التاريخ يسير بإرادة واعية، وأن الأحداث الكبرى يمكن ردها إلى مؤامرات أو ترتيبات سرية. لكن الثورة الأمريكية في جوهرها العميق، كانت نتاج تناقض عضوي بين مستعمرات نضجت وأحست بذاتها، وبين إمبراطورية بدأت ترهقها أعباء الهيمنة.

لعب التنافس الدولي دورا في نجاح الثورة، رأت فرنسا وإسبانيا في تمرد المستعمرات فرصة لإلحاق الضرر بالعدو التقليدي. كانت نظرية توازن القوى حاضرة في الوجدان الأوروبي، تلك النظرية التي قامت عليها السياسة الأوروبية قرونا، والتي ترتكز على أن الدول تسعى إلى منع أي قوة من السيطرة المطلقة، فتتشكل التحالفات وتتفكك وفقا لمقتضيات التهديد. لكن الثورة لم تكن نتاج لعبة دولية، لأن هذا معناه تجاهل ما كان يفور في أعماق المجتمع الاستعماري من وعي متنام بالحقوق، ومن ثقافة سياسية استلهمت أفكار التنوير، ومن إرادة في التحرر لم تكن مجرد رد فعل على ضرائب جائرة، بل كانت تعبيرا عن ميلاد أمة جديدة في رحم التاريخ.

الثورات تولد من رحم الأوضاع القائمة، لا من رحم المؤامرات. الثورة الأمريكية كانت ابنة عصرها، ابنة تنوير أسكتلندي وفرنسي، ابنة صراع بين الملكية والبرلمانية، ابنة تجربة استعمارية فريدة جعلت من المستعمرين أنفسهم ثوارا ضد وطنهم الأم. أما الثورة الفرنسية فقد جاءت بعدها بما يزيد على عقد، وكانت أكثر عنفا وأعمق تجذرا، واجهت نظاما إقطاعيا متغلغلا، بينما واجهت الثورة الأمريكية نظاما استعماريا لم تكن الإقطاعية فيه متجذرة بنفس الدرجة. 

لم تؤثر الثورة الأمريكية على أوروبا كثيرا، نظرا للبعد الجغرافي في ذلك الزمان، وكان همها الأول الاستقلال السياسي، بينما الثورة الفرنسية كانت في قلب القارة، هزت عروش ممالكها وأسقطت أنظمة الإقطاع التي ظلت قائمة قرونا. الثورة الأمريكية لم تقضِ على الإقطاع في أوروبا، لأنها لم تخض فيه، لكنها قدمت نموذجاً جمهوريا ألهم الأوروبيين، أعلنت مبادئ كانت بمثابة قنبلة موقوتة تحت أنظمة الملكية المطلقة. إعلان الاستقلال الذي صاغه توماس جيفرسون بمقولته الخالدة عن أن "جميع الناس خلقوا متساوين"، كان أكثر من مجرد وثيقة قانونية، كان بيانا تجاوز نطاق المستعمرات وأصبح مرجعية للنضال ضد الظلم في كل مكان.

التناقض الأعمق في الثورة الأمريكية كان في أنها أعلنت وتمسكت بالمساواة، بينما كانت العبودية قائمة في بلادها، تحدثت عن حرية الإنسان بينما النساء والهنود الحمر والعبيد محرومون من الحرية. هذا التناقض كان انعكاسا لجدلية التاريخ، الجدلية التي لا تتحقق فيها المبادئ دفعة واحدة، بل تنمو في رحم الزمن وتأخذ طريقها نحو التحقق عبر صراعات لاحقة، كما حدث في الحرب الأهلية التي أنهت العبودية وأعادت طرح أسئلة الثورة الأولى. في المقابل كانت الثورة الفرنسية أكثر تطرفا في محاولتها اقتلاع جذور النظام القديم، لكنها دفعت ثمنا باهظا من العنف والاستبداد، حملت في أحشائها بذور إرهاب جعل الحقوق الاجتماعية مسألة مثيرة للجدل حتى اليوم، إذ رأى فيها البعض مدخلا للسلطوية. بعد قرنين ونصف تقف أمريكا على قمة الهرم العالمي، قوة عظمى لا يضاهيها أحد، ليس فقط بقوتها العسكرية والاقتصادية بل بقوتها الناعمة أيضا، التي تجسدت في جامعاتها ومختبراتها وإبداعها العلمي الذي لا ينضب. علماؤها الأبرز والأكثر تأثيرا، مؤسساتها الأكاديمية قبلة الطلاب من كل العالم، إنتاجها الثقافي والمعرفي يهيمن على الفضاء العام لكوكب الأرض. هذا الوجه الإيجابي لأمريكا، وجه الإبداع والابتكار، لا يمكن تجاهله، فهو حقيقة قائمة لا تنكر، ولا يمكن اختزال الهيمنة الأمريكية في مجرد شر أو إمبريالية، هذه الهيمنة قامت على قدرة استثنائية على جذب العقول وتمويل العلوم واستقطاب المواهب. 

توصف أمريكا بأنها الشيطان الأعظم، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، خاضت أمريكا عشرات الحروب، من فيتنام إلى العراق وأفغانستان، في سعي لبسط نفوذها وتأمين مصالحها وثرواتها، خلفت هذه الحروب دمارا ومعاناة لا تبررها الدوافع المعلنة. ومنذ تفكك الاتحاد السوفييتي أصبحت أمريكا القوة العظمى الوحيدة، استخدمت مكانتها ليس فقط لنشر ما تراه قيما، بل أيضا لفرض إرادتها على دول لا تملك القدرة على مقاومتها. هذا التناقض بين الوجهين جوهر الإشكالية الأمريكية في نظر العالم، أمة تقدم للبشرية أعظم إبداعاتها العلمية، وفي الوقت نفسه تمد لها أطول سياط حروبها.

بعد قرنين ونصف من الزمان، تبقى أمريكا، التناقض المجسد، شر يُدان وإبداع يُحتذى، قوة مخيفة وأخرى جاذبة، تاريخ من الاستعباد والإبادة، وصفحات من التحرر والابتكار. هذا التناقض مرآة التاريخ نفسه، تاريخ البشرية الذي لا يمشي في خط مستقيم، يتعرج بين الظلال والأنوار. في هذه الذكرى، نرى في أمريكا دروسا وعبرا، لا كأمة ملاك أو شيطان، بل كتجربة بشرية فريدة، حملت في مهدها بذور التناقض الذي سيظل يرافقها طالما بقيت في صدارة التاريخ.
-----------------------------
بقلم: رفعت رشاد 

مقالات اخرى للكاتب

250 عاما من الشر والإبداع!