11 - 07 - 2026

العالم نصٌّ واحد

العالم نصٌّ واحد

يذكّرني فيسبوك ببوست قصير كتبته منذ سنتين أو أكثر، قلت فيه: "علّمني هيكل أن أقرأ الخرائط، وعلّمني كامل زهيري أن أقرأ الصور، وعلّمني محمد عوده أن أقرأ الناس".

ما بدأ كذكرى عابرة دفعني إلى أن أتأمل هذه العبارة من جديد. وبعد هذا التأمل، أدركت أنني لم أكن أتحدث عن ثلاثة رجال بقدر ما كنت ألخّص ثلاث طرائق في فهم العالم.

لم يعلّمني هيكل قراءة الخرائط بحيثياتها الجغرافية فحسب، بل علّمني أن أفهم قوة المكان، وما يختبئ فيه من مصادر النفوذ، وأن أنظر إلى الخريطة باعتبارها سجلًا للقوة في لحظة زمنية محددة، لا مجرد خطوط صمّاء وألوان محايدة.

الخريطة عنده لم تكن أداة شرح، بقدر ما كانت أداة كشف؛ تقول ما لا يُقال في البيانات الرسمية، وتفضح ما تُخفيه اللغة الدبلوماسية. تعلّمت أن الخرائط لا تُقرأ من صمتها، وأن كل خط مرسوم هو أثر قرار، وكل بحر ملوَّن هو مجال صراع مضى وآخر لم يحن أوانه بعد. وأن السؤال الحقيقي ليس: أين تقع الحدود؟ بل: لماذا وُضعت هناك؟ ومن الذي رسمها؟ ولصالح من بقيت؟

أما كامل زهيري، فلم يعلّمني قراءة الصور بوصفها توثيقًا للحظة صامتة، بل قراءة ما تبوح به العين وما تُخفيه الإطارات. كانت الصورة عنده نصًا موازيًا، وأحيانًا أكثر صدقًا من المقال؛ لأنها لا تستطيع أن تكذب طويلًا. زاوية الكاميرا، والمسافة بين الأشخاص، وترتيب الجالسين، والضوء والظل، كلها مفردات لغة كاملة لا تُفهم إلا بعين تعرف ماذا تبحث عنه. علّمني أن الصورة قد تُجمّل، وقد تُضلّل، لكنها في النهاية تكشف أكثر مما يقصد صانعها أن يكشف.

أما محمد عوده، أقربهم إلى قلبي وعقلي لم يعلّمني قراءة الناس كما يحبون أن يُقدّموا أنفسهم، بل كما تكشفهم لحظات التردد والقلق والمصلحة. فالطيبين أقرأهم بالقلب، أما الآخرين فأحاول أن أفهم دوافعهم، وما يختبئ وراء الكلمات والمواقف. 

تعلّمت معه أن السياسة ليست صراع شعارات، بل صراع دوافع، وأن البشر، مثل الدول، يتحدثون كثيرًا ليُخفوا ما لا يريدون الاعتراف به. ومن لا يفهم الإنسان، لن يفهم قراره، مهما حفظ من نظريات أو تابع من أحداث.

من اجتماع هذه الدروس الثلاثة تشكّلت لديّ طريقة في النظر، وطريقة في الرؤية، وطريقة في الإحساس؛ طريقة لا تفصل بين الخريطة والإنسان، ولا بين الصورة وسياقها، ولا بين الحدث وما سبقه وما سيعقبه.

ولعل القيمة الحقيقية لهذه الدروس الثلاثة أنها لم تمنحني معلومات أكثر، بل غيّرت طريقة النظر نفسها. 

أدركت أن العالم لا يُقرأ من طبقة واحدة، وأن الخطأ الأكبر في زماننا ليس نقص المعلومات، بل تجزئة المعرفة. صرنا نقرأ الخبر منفصلًا عن جغرافيته، ونشاهد الصورة معزولة عن سياقها، ونحاكم البشر من أقوالهم أكثر مما نفهم دوافعهم. 

كثرت المعلومات حتى أغرقتنا، لكن الفهم أصبح أكثر ندرة، لأننا فقدنا القدرة على وصل الخيوط المتباعدة في نسيج واحد.

ومن هنا لم تعد الخرائط والصور والبشر موضوعات متجاورة في ذهني، بل مستويات مختلفة لقراءة الحقيقة نفسها.

صرت أرى العالم باعتباره نصًا واحدًا متعدد الطبقات؛ تكتبه الجغرافيا، وتكشف بعض أسراره الصورة، ويصنع البشر حبكته. عندها فقط يصبح العالم قابلًا للفهم، لا للمشاهدة وحدها، وقابلًا للتحليل، لا للاكتفاء بوصف ما يجري على سطحه.

ولعل هذا هو السؤال الذي لا يملك أحد اليوم رفاهية الهروب منه: كيف نقرأ؟

كيف نقرأ اللحظة في عالم مضطرب؟ وكيف نفهم الحركة المحمومة فوق محيطات هادرة لا تهدأ أمواجها، ولا تكشف أعماقها عمّا يُدبَّر في الظلام؟ 

وكيف نتوقع المأساة القادمة في عالم تحكمه نخب فقدت اتزانها، وتخلّت عن كثير من إنسانيتها، وأصبحت تدير مصير الشعوب بعقلية المقامرة والصفقة أكثر مما تديره بعقل الدولة والمسؤولية؟

ما مصير عشرات الآلاف من البشر في حروب تُعدّ لها العدّة ببرود شيطاني، وتُحشد لها الأساطيل، وتنتفخ لها الأوداج، وتُطلق لها التصريحات المراوغة، بينما يُسوَّق صفير الحرب باعتباره ضرورة، أو بطولة، أو قدرًا لا فكاك منه؟

في عالم كهذا، لا تعود القراءة المركبة ترفًا فكريًا، بل فعل نجاة.

ومن لا يُحسن قراءة ما يتحرك تحت الخرائط، وما يُخفى خلف الصور، وما يُضمره البشر، فلن يُفاجأ بالحريق، لأنه ـ ببساطة ـ سيكون قد أصبح جزءًا من الحطب.
----------------------------
بقلم: محمد حماد


مقالات اخرى للكاتب

كيف تُهزم الأمم؟ | الحرب على الذاكرة