11 - 07 - 2026

كلام والسلام | زمن الديكتاتور الجميل!

كلام والسلام | زمن الديكتاتور الجميل!

منذ نحو قرن .. عرفت مصر الديكتاتور إسماعيل صدقى.

فقد قرر مصطفى النحاس زعيم الأمة وقتها وزعيم الوفد وزعيم المعارضة؛ أن يخطب فى مؤتمر حاشد فى طنطا. وركب القطار مع مرافقيه من محطة القاهرة؛ ومر توقيت تحرك القطار ولم يتحرك؛ ثم مرت ساعة وراء ساعة، والوفد جالس فى القطار والقطار لا يتحرك ، وعندما بحثوا عن السبب؛ اكتشفوا أن إسماعيل صدقى كان قد أمر بفصل القاطرة عن القطار، حتى لا يتحرك ولا يذهب النحاس إلى طنطا، وعندما سألوه عن ذلك قال : خفت عليكم من حوادث القطارات!!

وفي حقبة ما.. من سبعينيات القرن الماضي..

قررت الولايات المتحدة الأمريكية أن تطيح بنظام سلفادور الليندي رئيس تشيلي؛ بعد أن رأت أنه قد تجاوز كل الخطوط الحمراء؛ التي لا تسمح أمريكا لرؤساء أمريكا اللاتينية بتجاوزها؛ وبخاصة بعد أن قام الرجل بتأميم مناجم النحاس والحديد والملاحات والبنوك الأجنبية؛ التي كان معظمها مملوكًا للشركات الأمريكية أو متعددة الجنسيات، وأقام نظامًا اقتصاديًّا وطنيًّا بديلًاعن أصحاب الاحتكارات وملاك الأراضي.

وخافت أمريكا من أن تنتقل العدوى لدول مجاورة أخرى في القارة التي تتحكم في مقاديرها منذ عقود طويلة؛ لذا قررت أن تطيح به، وبالفعل اتفقت المخابرات الأمريكية مع صديقه بينوشيه؛ على القيام بانقلاب يعيد الأوضاع إلى ما كانت عليه. وأكدت له بأنها ستكون جاهزة لحمايته وقت اللزوم.

وبالفعل تحرك بعض رجال الجيش من ثكناتهم في 11 سبتمبر1973؛ وقاموا باحتلال الأماكن المهمة ومؤسسات الدولة ومبنى الإذاعة والتليفزيون؛ ولكنهم – بينوشيه وحلفاءه الأمريكان - لم يتوقعوا وجود معارضة كبيرة ومسلحة؛ سبقتهم للشوارع والأزقة؛ وقامت بوضع المتاريس والحواجز.

وجرى تبادل عنيف لإطلاق النيران بكافة الأسلحة الخفيفة والثقيلة؛ وسقطت الآلاف من الجثث.

حدث كل ذلك.. وسلفادور مجتمِع مع حكومته في القصر الرئاسي؛ رافضًا طلبات الانقلابيين له بالاستسلام؛ وتأكيدًا منه على موقفه الثابت؛ خرج لشرفة قصره الذي كان محاطًا تمامًا بالمتظاهرين من أعوانه من جهة، وفي الجهة الأخرى كانت تتمركز قوات معارضيه. عندها اضطر معارضوه للاستعانة بسلاح الطيران؛ لدك القصر بمن فيه.

ومع مرور الوقت.. اختفى القصر تمامًا من فوق الأرض؛ ومات تحت حطامه سلفادور وعدد من أعضاء حكومته. وبعد أن هدأت الأمور؛ واستتب الحكم لبينوشيه ؛ أمر جنوده بنبش حطام القصر والبحث عن سلفادور؛ الذي عثرواعليه ميتا وبين أحضانه مدفعه الرشاش الخالي من الذخيرة! لقد اختار أن يقاتل حتى آخر قطرة في دمه!

وعرف العالم بعدها أن الرجل لم ينتحر كما انتحر هتلر، ولم يهرب كما فعل الكثيرون من الرؤساء والملوك والجنرالات فى أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا وفى وطننا العربى ومنهم: منجستو الأثيوبي وموبوتو الزائيري وبن علي التونسي، بل مات بشرف وكرامة في ميدان القتال.

واليوم وبعد نحو 50 عامًا من موته ؛ ما زال اسمه يتردد ليس في بلده تشيلي فقط ؛ بل في العالم كله.

بينما مات (وفي بطء وبأزمة قلبية)  وبعد أن كان قيد الاعتقال في أيامه الأخيرة..  قاتله: بينوشيه!

والديكتاتور واحد في كل العالم.. ولكن يبدو أن التاريخ يعيد نفسه.. بنفس السيناريو المكتوب علي الشعوب بالغالب!

فهو يقمع حرية التعبير وحقوق الإنسان والأقليات، ويعتمد القمع والترهيب لمنع أي صوت يعارضه.

وهو يسعي الى السلطة المطلقة وتقوية سلطته دون  قيود.

وهو يسعى إلى الاستمرار في السلطة بأي وسيلة.

وهو يعشق التحكم في حياة الناس ؛ واتخاذ القرارات بشكل مطلق.

وهو يسعى إلى التحكم في وسائل الإعلام وتوجيهها بما يخدم مصالحه السياسية، ويقوم بترويج الدعاية والتضليل الإعلامي .. على طريقة جوبلز!

أما شعبه ..

فمنه .. من يؤيده على طريقتين .. الأولى: من جاور السعيد يسعد. وهؤلاء من الأكلين من كل الموائد؛ ويرضون بفتات الديكتاتور وسلطته وحمايته.

ورغم مايبدو عليه هؤلاء من رغد العيش وبحبوحة الحياة؛ إلا أن هناك هاجسا يراودهم وكابوسا يطاردهم؛ ماذا لو رحل الديكتاتور؟!

والثانية: إن لم تستطع هزيمتهم انضم اليهم. ومعظم هؤلاء من المناضلين القدامى المزيفين ومن رواد المقاهى والبارات؛ لارأى لهم ولا مبدأ؛ اللهم إلا أبجنى تجدنى.

ومنه .. الأغلبية من لا حول لهم ولا قوة ؛ يمشون جنب الحيط وأحيانا داخلها كافين خيرهم شرهم؛ واللهم احمنا من بطش الزعيم!

ومنه .. القابضون على جمر النار يدخلون السجون كعب داير فى انتظار فجر قد لا يجيء أبدا؛ وقد يفنون من أجله حياتهم وراء القضبان.
---------------------------------
بقلم: خالد حمزة
[email protected]


مقالات اخرى للكاتب

كلام والسلام | زمن الديكتاتور الجميل!