ستظل كرة القدم وخصوصاً في فعالياتها العالمية والإقليمية هي السحر والسر الذي يجمع شعوب الأمة، وفئات الشعوب محلياً وعربياً، وحتى أفريقياً، وقبل هذا يقف الشعب موقف رجل واحد تاركين الخلافات وتفاوت وجهات النظر في السياسة وفي كل شيء وراءهم، ليقفوا معاً في دعم منتخبهم الوطني.
هذا تجلي في مباريات مصر في كأس العالم الحالي في تجسيد واضح على معنى الانتماء الوطني في لحظات تاريخية، يحسدنا عليها كثير من دول العالم، بل امتد هذا إلى حالة فرحة عربية غير مسبوقة في كل مباراة خاضها الفريق المصري والفرق العربية الاخرى منذ انطلاق بطولة العالم.
وتحولت وسائل التواصل الاجتماعي "السوشيال ميديا" إلى ساحات احتفال، تنقل فرحة الشعوب بالانتصارات المصرية، واختفت خلافاتهم السياسية، خاصة تلك التي ظهرت خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وطالت الأعمال العدوانية دول الخليج.
وسرعان ما نسى الجميع خلافاتهم السياسية، وتعاظم الانتماء العربي العربي، مع كل مباراة خاضتها الفرق العربية في كاس العالم، وتجلي هذا في مباريات مصر والمغرب الأخيرة.
وقد حملت كرة القدم سحراً من نوعية خاصة جداً وكأنها تقول "الانتماء أولاً"، والخلاف زائل او إلى زوال، والانتماء هو الباقي، وهذا ما نقلته السوشيال ميديا على مدار الساعة خلال الأسابيع الماضية، من تهاني واحتفالات عربية في كل مكان عربي بالنصر الذي تم تحقيقه في كل مباريات الفرق العربية، وخصوصاً المنتخب الوطني المصري.
ومما لاشك فيه فإن الانتماء العربي يمثل رابطاً وجدانياً عميقاً يربط أبناء الأمة باللغة، والتاريخ، والجغرافيا المشتركة، وهو ما عبّر عنه المفكرون بأبعاد مختلفة، فقد قال الدكتور طه حسين: "إنّ مصر لن تستطيع أن تنفصل عن العالم العربي، ولا ينبغي لها أن تنفصل عنه، لأسباب جغرافية وتاريخية وثقافية لا يمكن تغييرها، بينما قال الإمام محمد عبده: "يرتبط الدين بالوطنية ارتباطاً وثيقاً؛ فحب الوطن والدفاع عنه وحفظ كرامة أبنائه هو من صميم الأخلاق وواجبات الإنسان".
وبدت القومية العربية أساس حالة الانتماء العربي، خلال التفاعل في ردود الفعل بالشارع العربي شعبياٌ ورسمياً مع كل مباراة فاز فيها المنتخب المصري، وهو ما أره تجسيدا لمقولة فيلسوف القومية العربية، الكاتب والمفكر السوري "ساطع الحصري": "إنّ اللغة والتاريخ هما الأساس المتين الذي تقوم عليه القومية العربية، وبدونهما لا يمكن أن يتحقق أي انتماء حقيقي"، وكذلك لمقولة القومي العربي والمفكر السوري "ميشيل عفلق" والتي قال فيها "القومية العربية ليست تعصباً أعمى، بل هي رسالة إنسانية تهدف إلى النهضة والحرية والعدالة الاجتماعية".
أستطيع القول إن روح القومية والانتماء مازلت كامنة في النفوس العربية، فكم كانت الفرحة مع كل انتصار مصري ومغربي في مباريات كأس العالم، وحتماً سيكون نفس الوضع لو كان النصر لمنتخب عربي آخر من المحيط إلى الخليج.
وجاءت بعض كلمات المهنئين من القادة العرب معبرة عن روح الإنتماء العروبي، فقد قال الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي: "فرحة العرب اليوم مصرية.. أداء بطولي.. وروح قتالية.. ومباراة ممتعة للفراعنة.. كل التوفيق لجميع العرب.. كل الفرحة لشعوبنا العربية".
وفي تعبير عربي آخر قال الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس دولة الإمارات، نائب رئيس مجلس الوزراء: "ألف مبروك لفخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، وللشعب المصري الشقيق، وللأمة العربية، تأهل منتخب مصر إلى دور الـ16 في كأس العالم. أداء بطولي ومستحق للفراعنة، وكل التوفيق لهم في مواصلة هذا المشوار المشرف وإسعاد جماهيرهم وكل العرب".
وعلى المستوى المحلي لفت نظري أنه وفي مباراة مصر وإيران، كان الإنتماء الوطني هو الأساس، ليعلو بمصرية المصريين على كل شيء، حتى من هؤلاء الذين يرون في مواقف إيران تجاه إسرائيل، هي البديل العربي الأقوى، ولكن عندما واجهت مصر إيران في كرة القدم، كان الإنتماء للوطن هو الأساس، والذي يعلو على كل شيء.
وعندما حاولت إسرائيل، وبعض القوى الأمريكية والغربية النيل من منتخب مصر، وتعبيرات الشكر لله بالسجود، انقلبت عليهم الروح العربية، والإنتماء الديني والوطني، لتكشف عوراتهم، وجاءت ردود الفعل عربياً بشكل أوسع، وليس مصرياً فقط،
واتخذ الإنتماء العربي أشكالا أخرى، عندما رفع لاعبو مصر ومدربهم الكابتن حسام حسن العلم الفلسطيني، متلفحين به حول أعناقهم، ليقابل ذلك بحالة عالية من الحب والإمتنان، إلا من نفر قليل وللأسف بعضهم ممن يقال عنهم مثقفين، وقد أوجعتهم حالة العروبية الحقة.
الأهم أن ندرك أن الانتماء لعروبتنا يتطلب التزاماً عملياً، والانتقال من مرحلة إلى أخرى، من أجل النهوض عربياً في مختلف النواحي لدفع الأمة للأمام، وهنا يأتي العطاء المطلوب من الجميع شعباً وحكومات لتعزيز مكانة عروبتنا، لتستعيد موقعها، في مواجهة الكثير من المتربصين بها.
---------------------------------
بقلم: محمود الحضري






