11 - 07 - 2026

(انتكاسة) التجربة السياسية بالعراق بعد عام 2003 ومآلاتها

(انتكاسة) التجربة السياسية بالعراق بعد عام 2003 ومآلاتها

تمر التجربة السياسية بالعراق بمرحلة (انتكاسة) كبيرة ربما لم تشهدها من قبل، ويعود ذلك إلى أسباب عديدة في مقدمتها أن الأحزاب التي حكمت العراق بعد عام 2003 لم تنسجم مع نوع (النظام السياسي الليبرالي) في العراق الذي فرضته قوى الاحتلال الأميركي مما أفقدها تطبيق عقيدتها التي آمنت بها لعقود طويلة وضحت من أجلها وباتت تعمل خارج الأدبيات التي انتجتها عقول مفكريها وكتابها.

الأحزاب الجديدة التي تشكلت بعد عام 2003 دخلت المعترك السياسي دون برنامج واضح ودون أدبيات وأهداف، وهي نوعين: إما نموذج للأحزاب الإسلامية (التقليدية) الحاكمة أو امتداد لنماذج الأحزاب القومية والمادية السابقة، ناهيك أن مبدأ (الطائفية) الذي اعتمدته الأحزاب الحاكمة في علاقاتها مع الشعب وجعلته (بديلا) عن الهوية الوطنية وحتى عن المناطقية أو القومية قد أفسد روح التجربة السياسية وأفقدها مصادر قوتها..

لم تنسجم أحزاب (اقليم كردستان العراق) مع المشروع السياسي العام في العراق بعد عام 2003 فكان أحد الأسباب التي أضعفت العمل السياسي بالبلد، وتسببت في المزيد من الانقسامات داخل الاقليم نفسه والصراع من أجل النفوذ وإلى المزيد من التدخلات الخارجية.

الانتكاسة السياسية بالعراق بعد عام 2003 عبرت عن فشلها بشكل واضح عام 2014 عندما تدخلت الإرادات الخارجية بإبعاد الشخصية الأكثر حصولا على الأصوات في الانتخابات التشريعية السيد نور المالكي والحاصل يومها على 720,000 صوت في بغداد لوحدها والذهاب إلى ترشيح شخصية غير مؤهلة للمنصب، مما فتح باب ما يسمى بـ "مرشح التسوية" على مصراعيه وصولا  إلى حكومة السيد علي الزيدي عام 2026 الحالية، بعد التعاقب على منصب رئيس مجلس الوزراء من قبل (شخصيات تسوية) منهم الدكتور حيدر العبادي والدكتور عادل عبد المهدي ومصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني وآخرهم علي الزيدي.

بعد انتهاء الانتخابات التشريعية لعام 2025 كانت هناك "10شخصيات تسوية" ينتظرون اختيار الكتل السياسية أحدهم لشغل منصب رئاسة مجلس الوزراء لكنهم أبعدوا لأسباب معلومة..

لم يكن ترشيح السيد علي الزيدي لمنصب رئاسة مجلس الوزراء في الحسبان حيث لم يعمل الرجل في المؤسسة السياسية من قبل كما أنه لم يخدم في المؤسسة العسكرية أيضا. الرجل صاحب مصرف أهلي مع ثلاثة من الشركاء أحدهم أخوه.

ما فعلته تركيا بسوريا وكيف أظهرت قوة التخطيط والدعم وسرعة انهيار الجيش السوري على حساب النفود الإيراني كسب ثقة (الأطراف السياسية السنية) المشاركة بالعملية السياسية بالعراق حيث شعرت بنوع من الارتياح لهزيمة (الشيعة) في المنطقة على يد حزب (العدالة والتنمية) التركي (السني) فذهبت إلى المزيد من التنسيق مع تركيا للمساعدة في تغيير مماثل بالعراق خاصة وأن أكراد الإقليم يصنّفون على ذات (الطائفة) لذا فان العدد - حسب تصورهم- سيغلب على عدد الشيعة في العراق.

الانتخابات التشريعية في العراق لعام 2025 حصد فيها ممثلو المقاومة (108) مقعدا من أصل 325 مقعد لمجلس النواب العراقي من غير الداعمين الآخرين للمقاومة الذين وإن لم تكن لديهم فصائل مقاومة. هذا الرقم أفزع ثلاثة أطراف:

١- (اللوبي الأمريكي الشيعي السياسي العراقي) المشارك أو غير المشارك بالعملية السياسية.

٢- الكتل السياسية (السنية) المشاركة بالعملية السياسية

٣- الأحزاب السياسية الكردية في الإقليم

الانزعاج من فصائل المقاومة

ترشيح السيد نور المالكي لمنصب رئاسة مجلس الوزراء من قبل (الإطار التنسيقي) الممثل للكتل الشيعية، أقلق الجهات أعلاه لما عرف عن السيد المالكي من قوة في إدارة البلد وانتمائه لحزب الدعوة الإسلامية المعروف بهويته (الشيعية) هذا القلق دفع بهم للضغط على أمريكا ودول الخليج وتركيا للتخلص من المالكي.

الضغط أنتج سلسلة تغريدات وتصريحات لممثلي الرئيس الأمريكي بالعراق ومنهم (مارك سافايا) المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي بالعراق الذي طرح في تشرين 2025 رؤية أمريكية تطالب بعدم تدخل الكتل العراقية المنتخبة في اشغال سبع مواقع حساسة في إدارة العراق وهي (رئاسة الوزراء، رئاسة الجمهورية رئاسة البرلمان. ووزارات الدفاع، الداخلية المالية، النفط، البنك المركزي).

واصل (اللوبي الأميركي العراقي) ضغوطه على دول الخليج وتركيا لاستحصال موقف من الرئيس الأميركي ترامب للتدخل بنفسه لحسم الموقف من ترشيح نوري المالكي لمنصب رئاسة مجلس الوزراء فجاءت تغريدة ترامب "أسمعُ أن العراق العظيم قد يرتكب خطأ فادحا بإعادة نوري المالكي رئيسا للوزراء. ولا يجب أن نسمح بتكرار ذلك" وهدد إذا تم ذلك ستوقف الولايات المتحدة مساعدة العراق.

مع وصول تغريدة ترامب إلى مسامع الساسة العراقيين بدأ القلق وإشاعة الخوف والترهيب بأن الولايات المتحدة سوف توقف إرسال أموال العراق المودعة في البنك الفيدرالي الأميركي إلى الحكومة العراقية وعندها ليس هنالك من رواتب للموظفين ولا خدمات.

لا شك هذه (فرية) فليس من السهل تجميد أموال بلد من قبل البنك الفيدرالي، حيث لا يملك الصلاحية للتجميد إلاّ لأمر صعب ومعقد كونه كبنك عالمي حريص على سمعته، ولم يعمل على احتجاز أو تجميد أموال دولة أودعت أموالها لديه من قبل سوى لدول محدودة هي (روسيا بسبب هجومها على أوكرانيا، وأفغانستان لأن من يحكمها (طالبان) المصنفون لدى دول عديدة بالإرهاب، وإيران بسبب احتجازها موظفي السفارة الأميركية عقب الثورة الإسلامية. وجميع التغريدات والتصريحات والتهديدات الأمريكية بشأن العراق لم تذكر البنك الفيدرالي الأمريكي إنما جميعها تقع في جملة واحدة (عدم التعاون مع العراق).

وقائع الهجوم الأميركي الصهيوني

عند نهاية شهر شباط/ فبراير عام 2026 أو حرب الـ 40 يوماً، أخبر (أصدقاء أميركا بالعراق) بقية الأطراف السياسية أن إيران ستخسر الحرب وعلى الجميع أن يتفهموا ذلك، وأن يغيروا عقيدة علاقتهم بإيران من الآن حتى لا يحسبوا عليها ويتحملوا وزر ذلك (كما جاء في رواية النائب السابق وزير الاتصالات الحالي مصطفى سند). هذه التهديدات كانت وراء انهيار البعض واعتقادهم لخطر بقائهم على ولائهم المقاوم وقربهم من الجمهورية الإسلامية.

حين أدرك اللوبي الأمريكي العراقي أن الهجوم الأميركي الصهيوني لم يحقق أهدافه وأن إيران خرجت منتصرة عاجل بالخطة ب، وتتضمن الإسراع إلى تشكيل حكومة بالاستفادة من (الأصدقاء) مثل ممثل الرئيس الأمريكي وتركيا ودول الخليج، حيث تم إقناع قادة أربيل بالموافقة على ترشيح شخصية من الاتحاد الوطني الكردستاني - بعد عناد ومماطلة مقصودة - على مدى أشهر لمنصب رئاسة الجمهورية، وقد تم مثلما تم ترتيب (البيت السني) لمنصب رئيس مجلس النواب مع نوابه أيضا. وتم إخراج السيد المالكي من (معادلة) الترشح لمنصب رئاسة مجلس الوزراء بعد أن تغيرت المعادلة العددية في الأصوات أيضا، وانتهى الحديث عن ترشيح السيد المالكي مثلما استطاع أيضا إبعاد (شخصيات التسوية)

أسوة بمنهج الولايات المتحدة ‏في اختيار شخصيات خارج المؤسسة السياسية ودعمهم لرئاسة دول العالم مثلما كان مع (ميلي خافير) في رئاسة دولة الأرجنتين، وزيلنسكي في رئاسة أوكرانيا، وقيس سعيد في تونس، وعدد من دول أمريكا اللاتينية (الهندوراس، كولومبيا، تشيلي) وغيرها فقد جاء السيد علي الزيدي إلى رئاسة مجلس الوزراء بالعراق.

‏إن جميع الرؤساء الذين تم اختيارهم ودعمهم من قبل الولايات المتحدة لا ينزعجون من الإعلان بأن أميركا وراء مجيئهم للمنصب، ولا يردون على هذا الإعلان، ومثلهم السيد علي الزيدي الذي لم يرد على إعلان الرئيس الأميركي ترامب بأنه وراء مجيئه للمنصب، ولم يعتبره تدخلا بالشأن العراقي، ومثل ذلك كان مع (أبو محمد الجولاني) حيث أعلن ترامب بأنه وراء مجيئه.

إن مرشحي أمريكا لرئاسة دولهم في أميركا اللاتينية يفخرون بهذا الدعم ويسارعون للعلاقة مع الولايات المتحدة. وسبب اختيار الولايات المتحدة لشخصيات من خارج المؤسسة السياسية لرئاسة الدول يعود لعدة أسباب:

1- الاعتماد على المسؤولين الأمريكان في إدارة بلدهم لنقص الخبرة لديهم.

٢- الهجوم على الطبقة السياسية (التقليدية) الحاكمة أو المنافسة وتوجيه التهمة لهم بالفساد، وتحميلهم مسؤولية الفشل بإدارة البلد لإضعافهم وإبعادهم عن القرار السياسي للبلد، وهو الشعار الذي يرفعونه جميعهم في القضاء على الفساد، لدرجة أن الرئيس الأرجنتيني خافير ميلي يحمل منشارا يدويا يخرجه من نافذة عجلته الخاصة ويلوح به أمام الشعب بأنه سيقطع رأس الفاسدين (!) لكنه وللأمانة لم يستطع أن يقضي على الفساد في بلده، بل اضطرب البلد في رئاسته وعانى من الفوضى إلى اليوم بسبب سوء إدارته.

الولايات المتحدة تفرض على مرشحها الذي تدعمه لرئاسة الدول عدة شروط منها:

1. أن تكون العلاقة مع الولايات المتحدة هي من أولوياته.

2. أن يعادي من تعادي الولايات المتحدة.

3. ضمان تصويت دولة المرشح لصالح القرارات المدعومة من واشنطن في المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة

4. اعتماد نظام السوق (أي اقتصاد ليبرالي) وأن يكون القطاع الخاص بدلا من العام

5. قطع الطريق على القوة المنافسة مثل (الصين روسيا) وتقليل فرص توسعها الاقتصادي أو العسكري في مناطق جغرافيا مؤثرة

6. ضمان وصول الشركات الأمريكية للاستثمار في مجال الطاقة والمعادن النادرة

7. ضمان عدم وجود جماعات مسلحة تهدد الأمن القومي الأميركي

8. مواجهة اليسار ومنعه من الحصول على أي امتياز في الدولة

9. الدعم العسكري للولايات المتحدة في حال نشوب حرب مع دول أخرى

10. تسخير البنى التحتية العسكرية من منشآت ومعسكرات وقواعد لخدمة القوات العسكرية الأمريكية

11. اعتماد الدولار في التداولات الاقتصادية دون أي عملة أجنبية أخرى، والادخار في المصارف الأمريكية.

حتما هناك خدمات آنية يقدمها الرئيس المدعوم أيضا، مع ملاحظة يفضل الأمريكان الشخصية التي تمتلك الجنسية الثانية (أمريكية) أو الذين تعيش أسرهم في الولايات المتحدة أو دولة صديقة لها مثل بريطانيا أو غيرها، كما يضمن موقفه بعدم العداء لإسرائيل وفقا لظروف كل رئيس وبلده.

ممثل الرئيس الأمريكي السابق بالعراق (مارك سافايا) لم يوفق بإيصال الرسالة الأمريكية إلى الساسة العراقيين وكان فيها الكثير من (الاستفزاز) ورغم علاقته بالرئيس الأميركي ترامب لكنه أقاله وجاء بشخصية أكبر عمرا وخبرة وعلاقة بالرئيس ترامب وهو (توماس جوزيف باراك جونيور) رجل أعمال ملياردير ومن أصول لبنانية ويتكلم العربية ويعد من أقرب الأصدقاء والمستشارين لترامب، ولعب دورا كبيرا في حملته الانتخابية، وقد كان سفيرا لأمريكا بتركيا من قبل ووفقا للمعلومات فإنه ممسك بالملف السياسي والاقتصادي العراقي.

باراك قبل قدومه للعراق استخدم الآلة الإعلامية عبر شخصيات عراقية تعيش خارج العراق لها حضور إعلامي مثل نزار حيدر، وغيث التميمي، حيث ركزوا على رواية أنه يحمل ملفات فساد لألف شخصية سياسية عراقية متهمة، وأنه سيقوم بفضحهم أمام الشعب العراقي وقاما هذان أيضاً بالنيل من قادة المقاومة بالعراق، ومن تاريخهم الجهادي والتشكيك بولائهم. أما في داخل العراق فقد تم تسخير وسائل إعلام مختلفة للترويج بنزع سلاح المقاومة، ورواية أن جميع الطبقة السياسية عليها ملفات فساد وسرقة أموال الدولة.

وقد باشرت حكومة السيد الزيدي للإعلان عن صفقة سرقة كبيرة من مليارات الدولارات قام بسرقتها وكيل وزارة النفط (عدنان الجميلي) ووفقاً للاعترافات تم اعتقال العشرات من المسؤولين الحكوميين والنواب وسوف يتواصل هذا المنهج ليتحول إلى وسيلة ضغط على كل الأطراف السياسية مدعوما بدعم شعبي نتيجة معاناة الشعب العراقي من الفساد الإداري والمالي.

من جهتها ستبقى الطبقة السياسية الحاكمة في حالة من الشدة والخوف خشية الاعتقال والفضيحة. ولا شك هذه التهم والملاحقات ومذكرات القبض ستفت من مصادر قوة التجربة السياسية بالعراق بعد عام 2003، وسيكون للعسكر ومؤسسات القضاء الدور الأول في إدارة البلد من الخلف، وتبقى في الواجهة شخصية رئيس مجلس الوزراء المدعوم من العسكر والقضاء والولايات المتحدة وأصدقائها في المنطقة.

لقد باشرت قيادات الكتل السياسية بالعراق بالإعلان عن تأييدها لإجراءات رئيس الوزراء بملاحقة الفاسدين، لكن الأهم هل ستبقى الاجراءات بحدود (الخط الثاني والثالث) أم ستطال الرؤوس الكبيرة (؟).

باعتقادي لن تطالهم الآن، بل ستبقيهم في دائرة (التهمة) كي لا يقووا على اتخاذ أي قرار، والرضا بما سيحدث.

الأمريكان لديهم مطالب من حكومة الزيدي تتلخص بحل الحشد الشعبي ونزع سلاح فصائل المقاومة وملاحقة الجهات التي استهدفت مواقع الأمريكان وإسرائيل خلال الحرب مع إيران وبعدها، وكذلك تحجيم العلاقة مع إيران ودمج العراق بالمشروع الأميركي بالمنطقة.

اما إيران فإلى الآن لم تدخل على الملف السياسي العراقي وربما انشغلت بتداعيات الهجوم الأميركي الصهيوني واستشهاد قياداتها وبالتفاوض مع الأمريكان وأزمة مضيق هرمز، واعادة ترتيب العلاقات مع دول المنطقة. إيران تعتقد أن الأمور مهما اتخذت طابعا أميركيا بالعراق فما لديها من (خزين) شعبي وديني واعلامي قادر أن يغير المعادلات، خاصة وأنها تخطط لإخراج النفوذ الاميركي من المنطقة عموما، ولكن فقدان الزخم والتأخر قد يجعلها في مواجهة معقدة بملف العراق..
-------------------------------------
بقلم: د. محمود الهاشمي
مدير مركز الاتحاد للدراسات الاستراتيجية ـ العراق


مقالات اخرى للكاتب

(انتكاسة) التجربة السياسية بالعراق بعد عام 2003 ومآلاتها