04 - 07 - 2026

نظام (CRM) بالتأمينات الاجتماعية: تحديات التحول الرقمي وضرورة تصحيح المسار

نظام (CRM) بالتأمينات الاجتماعية: تحديات التحول الرقمي وضرورة تصحيح المسار

إن سعي الدولة المصرية نحو التحول الرقمي وميكنة الخدمات هو خطوة استراتيجية محمودة تهدف في المقام الأول إلى التيسير على المواطنين، وفصل مؤدي الخدمة عن متلقيها لضمان النزاهة والشفافية. وفي هذا السياق، جاء تطبيق النظام الجديد (CRM) في الهيئة القومية للتأمينات الاجتماعية كأمل طال انتظاره لإنهاء معاناة أصحاب المعاشات والمؤمن عليهم. ولكن، وبعد مرور أكثر من أربعة أشهر على بدء تشغيله، بات من الضروري التوقف بموضوعية لتقييم التجربة في ضوء معطيات الواقع الفعلي.

أولاً: توصيف المشكلة (الواقع على الأرض)

تشهد المكاتب التأمينية حالياً حالة من الازدحام الشديد وتكدساً غير مسبوق للطلبات، وذلك نتيجة البطء الشديد في استجابة النظام الجديد (CRM) وضعف معدلات الإنجاز. هذا التردي في تقديم الخدمة أدى إلى نتيجة عكسية تماماً للهدف المرجو من الميكنة؛ فبدلاً من التسهيل والتسريع، وجد المواطن نفسه عالقاً في طوابير الانتظار، مما أدى – للأسف الشديد – إلى ظهور ما يشبه "السوق الموازية" لإنجاز المصالح التأمينية. وقد أصبح من الملاحظ تداول شكاوى علنية عبر وسائل التواصل الاجتماعي تتحدث عن شبهات انتشار ممارسات غير قانونية (رشاوى) لتسريع الإجراءات، مما يحمل المواطن تكلفة إضافية، ويضرب فكرة النظام الجديد – القائمة على النزاهة والشفافية – في مقتل.

ثانياً: أسباب الأزمة والتباين في التصريحات

عند تحليل أسباب هذا القصور، نجد أنها تتلخص في عدة نقاط جوهرية:

غياب المنهجية العلمية في التطبيق: تم إطلاق النظام الجديد دون إخضاعه لفترات كافية من التجريب والمحاكاة بالطرق العلمية المتعارف عليها في إدارة النظم (Testing Phase)، للوقوف على قدرته الاستيعابية قبل التعميم.

الإدارة الأحادية للتحول التقني: الإصرار غير المبرر من قبل صناع القرار على الإيقاف الفوري للنظام القديم دون وجود فترة انتقالية يعمل فيها النظامان بالتوازي (Parallel Run) كإجراء احترازي. وقد وصل الأمر إلى تصريح أحد مستشاري الهيئة بأنه "سيرفض إعادة تشغيل النظام القديم حتى لو طُلب منه ذلك"، وهو ما يعكس تعنتاً إدارياً يتجاهل مرونة إدارة الأزمات.

الفجوة بين التصريحات والواقع: هناك تباين واضح بين ما تم استعراضه أمام لجنة القوى العاملة في البرلمان من تفاخر بالسرعة الفائقة للنظام الجديد، وبين معاناة المواطنين اليومية. كما أن تقليل رئيس الهيئة من حجم المشكلة باعتبار أن المتضررين هم فقط (٤٥ ألف حالة من أصل ١١ مليوناً) هو طرح يفتقر إلى الدقة؛ فهذه الأرقام تمثل حالات تتوقف عليها حياة أسر كاملة، ولا يصح تهميشها إحصائياً.

ثالثاً: الحلول المطروحة للمساءلة وتصحيح المسار

إن تجاوز هذه الأزمة يتطلب قرارات عاجلة تتسم بالشفافية والمسؤولية، وتتمثل في الآتي:

تدخل رئاسة مجلس الوزراء: نطرح وبقوة فكرة قيام دولة رئيس مجلس الوزراء بتشكيل "لجنة تقصي حقائق" محايدة، تضم خبراء مستقلين في تكنولوجيا المعلومات وإدارة النظم، للوقوف على الأسباب الحقيقية لانهيار كفاءة النظام وتقييم الوضع التقني والإداري بعيداً عن التقارير الداخلية للهيئة.

إعادة التقييم التقني العاجل: تشغيل النظام القديم بشكل مؤقت أو متوازٍ في المكاتب التي تشهد تكدساً حرجاً، حتى يتم معالجة الثغرات التقنية وبطء الخوادم في النظام الجديد (CRM).

الرقابة الصارمة: تفعيل أدوات الرقابة الإدارية لردع أي محاولات لاستغلال حاجة المواطنين أو تكريس "السوق الموازية" داخل أو خارج المكاتب التأمينية.

إن نجاح التحول الرقمي لا يُقاس بإطلاق الأنظمة وإصدار البيانات الرنانة، بل يُقاس بمدى رضا المواطن وسهولة حصوله على حقه بكرامة ويسر. تداركوا منظومة التأمينات قبل أن تتسع الفجوة بين طموحات الدولة ومعاناة المواطن.
---------------------------------
بقلم: كامل السيد
خبير التأمينات والمعاشات

مقالات اخرى للكاتب

نظام (CRM) بالتأمينات الاجتماعية: تحديات التحول الرقمي وضرورة تصحيح المسار