لا تُقرأ التحولات الكبرى فى تاريخ الأمم من خلال حدث واحد أو مرحلة واحدة، وإنما من خلال تراكمات سياسية وفكرية امتدت لعقود، حملت فى طياتها قرارات صائبة وأخرى أثبتت الأيام أنها كانت مكلفة. ومن أهم الدروس التى ينبغى أن نتوقف أمامها فى التاريخ السياسى المصرى الحديث مسار العلاقة بين الدولة وجماعة الإخوان المسلمين، وما ترتب عليه من نتائج انتهت إلى ثورة 30 يونيو 2013 وما بعدها.
فى سبعينيات القرن الماضى، اتجه الرئيس الراحل أنور السادات إلى الإفراج عن عدد من قيادات وأعضاء جماعة الإخوان، فى إطار سياسة هدفت – بحسب كثير من الباحثين والمؤرخين – إلى إعادة تشكيل التوازنات السياسية فى مواجهة التيارات اليسارية والناصرية التى كانت تعارض بقوة توجهاته السياسية والاقتصادية، خاصة بعد التحول عن كثير من سياسات الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.
وفى ذلك المناخ، توسعت الحركة السياسية، واستفادت جماعة الإخوان من مساحة الحركة التى أُتيحت لها، بينما كانت السلطة ترى أنها قادرة على إدارة هذا التوازن. وقد روى كثيرون أن هناك من حذر مبكراً من خطورة الاعتماد على الجماعات الدينية فى إدارة الصراع السياسى.
وأستعيد هنا واقعة لا تزال راسخة فى ذاكرتى. ففي أبريل عام 1977، وخلال فترة الاستراحة للمؤتمر التأسيسى الأول لحزب التجمع بمحافظة القليوبية الذى عُقد بنادى بنها الرياضى، دار بينى وبين الزعيم الوطنى خالد محيى الدين حديث حول هذا الملف، فقال لى بما معناه: "سيكتشف الإخوان أن السادات ليس منهم، وسيقتلونه." وبعد أربع سنوات فقط، جاء حادث اغتيال الرئيس السادات فى احتفالات السادس من أكتوبر 1981 ليؤكد أن توظيف التيارات الدينية فى الصراع السياسى قد ينقلب على من يستخدمه.
غير أن هذا الدرس، فى تقديرى، لم يُستفد منه بالقدر الكافى خلال عهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك. فقد شهدت تلك المرحلة توسعاً ملحوظاً فى حضور جماعة الإخوان داخل المجالين السياسى والاقتصادى، ووصل تمثيلها البرلمانى إلى 88 نائباً فى انتخابات عام 2005، فى ظل ظروف سياسية معقدة وتفسيرات متعددة لأسباب ذلك الصعود.
ومن واقع معايشتى للعمل السياسى، أرى أن جماعة الإخوان استطاعت خلال تلك السنوات بناء نفوذ تنظيمى واقتصادى واسع، مستفيدة من أوضاع سياسية سمحت لها بالتمدد داخل المجتمع، بينما استمرت قوى مدنية عديدة فى التحذير من مخاطر هذا المسار.
وأتذكر كذلك انتخابات الإعادة بدائرة كفر شكر عام 2005، حين خاض الزعيم خالد محيى الدين معركة انتخابية انتهت بفارق 173 صوتاً فقط لصالح مرشح الإخوان الذى كان مدعوما من لجنة سياسات الحزب الوطنى عقابا لخالد محيى الدين الذى رفض كل الاغراءات والضغوط للترشح ضد مبارك فى أول انتخابات رئاسية تنافسية حيث كان الأخير يعول عليها كثيرا فى الداخل والخارج ، وقد نقل لى الحاج محمد محسن عمدة كفر مويس مركز بنها رحمة الله عليه وهى احدى معاقل خالد محيى الدين الانتخابية ( حيث كان يتباهى بأنه عمدة تجمعى ) أن جمال مبارك رئيس لجنة السياسات قد قال فى كلمته فى القاهرة فى اجتماعه بقيادات الحزب الوطنى بالقليوبية أن كل مايهمه شخصيا هو نجاح مرشح الحزب الوطنى فى دائرة كفر شكر ( أى إسقاط خالد محيى الدين ) وهو مابدا واضحا من دعم الدولة لمرشح الإخوان بعد سقوط مرشح الحزب الوطنى فى المرحلة الأولى من دعم مطلق لمرشح الإخوان فى الدائرة وهذا كان واضحا حتى فى المعركة الأولى وتجسد أكثر فى معركة الاعادة ، وقد كانت واحدة من أكثر الانتخابات إثارة للجدل. ولا يزال كثيرون يرون أن تلك الانتخابات عكست طبيعة التوازنات السياسية التى كانت قائمة آنذاك.
ثم جاءت أحداث يناير 2011، لتدخل مصر مرحلة جديدة من تاريخها، شهدت انهيار كثير من المعادلات القديمة، وصعود جماعة الإخوان إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع. لكن تجربة الحكم، خلال عام واحد، أدت إلى تصاعد حالة الاستقطاب والانقسام المجتمعى، وانتهت بخروج مظاهرات واسعة فى 30 يونيو 2013، طالبت بإنهاء حكم الجماعة.
وفى الثالث من يوليو 2013، تدخلت القوات المسلحة استجابةً لما أعلنته باعتباره تعبيراً عن الإرادة الشعبية، لتبدأ مرحلة جديدة فى تاريخ الدولة المصرية، عنوانها إعادة بناء مؤسسات الدولة، واستعادة الاستقرار، وتعزيز مفهوم الدولة الوطنية، ومواجهة تحديات داخلية وإقليمية جسيمة.
وخلال السنوات التالية، واجهت مصر تحديات أمنية وسياسية كبيرة، كما تصدت لمشروعات رأت الدولة أنها تمس أمنها القومى، ومن بينها محاولات تهجير الفلسطينيين إلى سيناء قبل مشروع ترامب بكثير ، مع استمرار التأكيد الرسمى على الحفاظ على وحدة الأراضى المصرية ودعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى.
ورغم ما تحقق من استقرار مؤسسى وأمنى، فإن التحدى الحقيقى، فى رأيى، لم يكن أمنياً فقط، وإنما فكرى وثقافى أيضاً.
فالتنظيمات يمكن إضعافها أو تفكيكها، أما الأفكار فلا تواجه إلا بأفكار أقوى منها، وبمجتمع أكثر وعياً وانفتاحاً وثقة فى نفسه.
ولهذا، فإن المرحلة المقبلة تستلزم عدداً من الأولويات الوطنية، فى مقدمتها:
ترسيخ دولة القانون والمؤسسات.
توسيع مساحة حرية الرأى والتعبير والإعلام المسؤول فى إطار الدستور والقانون.
إجراء انتخابات حرة ونزيهة تعكس الإرادة الشعبية وتعزز الثقة فى النظام السياسى.
تطوير الخطاب الدينى بما يعزز قيم المواطنة والتسامح واحترام التنوع.
إصلاح منظومة التعليم، وربطها بالتفكير النقدى والبحث العلمى.
دعم الثقافة والفنون والآداب والإعلام الوطنى باعتبارها أدوات أساسية لبناء الوعى.
تمكين الأحزاب الوطنية والقوى المدنية من القيام بدورها فى الحياة العامة.
إعادة إحياء روح التوافق الوطنى التى تجلت فى 30 يونيو، بما يحقق أوسع اصطفاف حول أهداف التنمية والدولة الحديثة.
كما أن التجربة أثبتت أن النجاح الاقتصادى لا يتحقق بالسياسات المالية وحدها، وإنما يبدأ من بناء نظام اقتصادى إنتاجى قادر على خلق الثروة، وزيادة فرص العمل، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتعزيز الاستقلال الوطنى. فعندما يشعر المواطن بتحسن مستوى معيشته، ويتوافر له الأمل فى المستقبل، تضيق المساحات التى يمكن أن تنفذ منها أفكار التطرف أو الاستغلال السياسى.
إن أعظم ما يمكن أن نتعلمه من تجارب العقود الماضية هو أن قوة الدولة لا تقوم فقط على أجهزتها ومؤسساتها، وإنما تقوم قبل كل شىء على ثقة شعبها فيها، وعلى الحرية المسؤولة، والعدالة، وسيادة القانون، والتعددية السياسية، والإعلام الحر، والتعليم الجيد، والثقافة المستنيرة.
فالمجتمعات التى تسمح بتداول الأفكار بحرية، وتحتكم إلى الديمقراطية وصناديق الاقتراع، وتفتح المجال للمشاركة السياسية الحقيقية، تكون أكثر قدرة على حماية نفسها من التطرف، وأكثر قدرة على تصحيح أخطائها بنفسها.
إن المستقبل لا يُبنى بإعادة إنتاج أخطاء الماضى، وإنما بالاستفادة من دروسه، حتى تظل مصر قوية، آمنة، مستقرة، وقادرة على مواصلة بناء دولتها الوطنية الحديثة.
----------------------------------
بقلم: كامل السيد







