11 - 07 - 2026

سلوى بكر وجائزة البريكس الثقافية ونموذج الفرانكوفونية

سلوى بكر وجائزة البريكس الثقافية ونموذج الفرانكوفونية

في مساء احتفالي دافئ لم تكن المناسبة مجرد تكريم لكاتبة مصرية كبيرة، بقدر ما بدت لحظة تستحق التوقف والتأمل. أتيحت لي فرصة حضور احتفالية بفوز الأديبة المصرية الكبيرة سلوى بكر بجائزة البريكس الثقافية، نظمتها مبادرة النهوض بقوى مصر الناعمة مساء الخميس. وفوز أديبة مصرية بأولى الجوائز الثقافية التي أنشأها تجمع البريكس، بعد منافسة ضمت كتابًا ومبدعين من دول البريكس المختلفة حدث يستحق الاحتفاء، فسلوى بكر من أهم الأصوات الأدبية المصرية والعربية المعاصرة، وهي أيضا صاحبة مشروع إبداعي وإنساني ممتد استطاع أن يعبر حدود اللغة والجغرافيا وأن يقدم صورة مختلفة عن المجتمع المصري والإنسان العربي. لكن بينما كنت أتابع كلمات التكريم والاحتفاء وجدت نفسي أفكر في أمر آخر يتجاوز شخص سلوى بكر نفسها، ويتجاوز حتى الجائزة ذاتها وهو هل نشهد اليوم بداية تشكل المشروع الثقافي لدول البريكس؟

قد يبدو السؤال مبالغا فيه للوهلة الأولى خاصة أن البريكس ارتبطت في الوعي العام بالاقتصاد والتجارة والاستثمار والبنوك والعملات البديلة والنظام الدولي الجديد لكن الحقيقة أن التجارب الدولية الكبرى تخبرنا بأن أي مشروع دولي لا يستطيع أن يتحول إلى قوة عالمية مؤثرة إذا اقتصر على الاقتصاد والسياسة وحدهما، دون أن يمتلك مشروعاً ثقافياً وحضارياً وقوة ناعمة تعبر عنه، وهنا تحديدا بدأت أفكر في سلوى بكر وفي البريكس وفي الفرانكوفونية.

الفرانكوفونية لم تكن مجرد رابطة للدول الناطقة بالفرنسية، لقد كانت مشروعاً استراتيجياً أدرك أن اللغة والثقافة والتعليم والإعلام يمكن أن تصبح أدوات نفوذ لا تقل أهمية عن التجارة والاستثمار، وعلى مدى عقود بنت فرنسا شبكة واسعة من المؤسسات الثقافية والتعليمية والأكاديمية والإعلامية، حافظت من خلالها على حضورها وتأثيرها في مناطق واسعة من العالم، صحيح أن البريكس تختلف جذريا عن الفرانكوفونية، فلا توجد لغة واحدة تجمع الصين والهند وروسيا والبرازيل وجنوب أفريقيا ومصر وبقية الدول الأعضاء، ولا توجد أيضا خلفية حضارية موحدة بالمعنى التقليدي، لكن هذا الاختلاف لا يلغي الحاجة إلى مشروع ثقافي بل يجعل هذه الحاجة أكثر إلحاحا.

فإذا كانت البريكس تسعى إلى بناء عالم متعدد الأقطاب، فإنها تحتاج أيضا إلى بناء فضاء ثقافي متعدد الأقطاب، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل يمكن أن تكون جائزة سلوى بكر بداية هذا المسار؟ الإجابة تتوقف على ما إذا كانت دول البريكس تنظر إلى الثقافة باعتبارها نشاط احتفالي أم باعتبارها استثمار استراتيجي طويل الأجل وإذا كانت الإجابة هي الخيار الثاني، فإن البريكس تحتاج إلى أكثر من جائزة سنوية، تحتاج إلى مجلس ثقافي دائم وصندوق للترجمة ومنصات إعلامية متعددة اللغات وبرامج تبادل أكاديمي ومهرجانات دولية للفنون والسينما ومراكز أبحاث متخصصة في دراسة مجتمعات الجنوب العالمي وقضاياه، تحتاج أيضا إلى مشروع ترجمة واسع النطاق، فمن غير المنطقي أن يعرف القارئ المصري الأدب الأمريكي والفرنسي أكثر مما يعرف الأدب البرازيلي أو الصيني أو الجنوب أفريقي ومن غير المنطقي أن يظل إنتاج دول الجنوب يمر دائما عبر المؤسسات الثقافية الغربية حتى يصل إلى العالم.

وتحتاج البريكس كذلك إلى بناء روايتها الخاصة عن العالم، فكل قوة دولية كبرى امتلكت إلى جانب نفوذها الاقتصادي قدرة على إنتاج الأفكار وصياغة التصورات وتقديم تفسيرها الخاص للتاريخ والسياسة والتنمية والحداثة، الحديث عن البريكس يدور اليوم حول العملات البديلة والبنوك والتجارة والاستثمارات وإصلاح النظام الدولي، لكن إذا أرادت هذه المجموعة أن تتحول فعلا إلى قطب عالمي جديد، فإنها ستحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك بكثير، ستحتاج إلى بناء ثقافة مشتركة للحوار ومؤسسات للمعرفة وأدوات للقوة الناعمة.

لهذا السبب ربما لا تكون أهمية فوز سلوى بكر محصورة في كونها أول أديبة مصرية تحصل على جائزة البريكس الثقافية فقد يكون هذا الفوز من دون تخطيط مسبق، طرح سؤالاً أكبر بكثير هل بدأت البريكس أخيرا تدرك أن الطريق إلى النظام الدولي الجديد لا يمر فقط عبر الاقتصاد وإنما يمر أيضا عبر الرواية والسينما، والمسرح، والكتاب؟

هذا السؤال وليس الجائزة وحدها هو ما استمر يشغلني بعد انتهاء الاحتفالية.
-----------------------------
بقلم: حسن البربري

مقالات اخرى للكاتب

سلوى بكر وجائزة البريكس الثقافية ونموذج الفرانكوفونية