02 - 07 - 2026

إبداعات | الفصل السابع من رواية مايا - الجزء الثاني

إبداعات | الفصل السابع من رواية مايا - الجزء الثاني

بيروت.. ٢٩ مارس ٢٠١٥

أحاول المواظبة على كتابة مذكراتي، بدأت منذ نحو أسبوعين وأجد صعوبة في الانتظام. أخبرني دكتور صبره أن البدايات عادة ما تكون ثقيلة بعض الشيء. لا بل ثقيلة جدًا. يأتي الإحساس بالثقل من الشعور بالإلزام، وشعور النفس بأن ثمة قوة تفرض عليك عملاً أو طقسًا ما، عندها يخالطك شيء من الإكراه، وتحس به عبئًا على كتفيك، تطوف به، ولا تكاد تنتهي منه، حتى يعاودك ضيق، أنك إن كنت قد انتهيت منه اليوم، فإنك عائد إليه لا محالة في الغد.

وليس شعورك هذا بالضيق مقصورًا على ما كنت تكرهه من أمور، بل يمتد مع ما كنت تحب وترغب فيه، إذ يحوله الإلزام من عادة عفوية كنت تؤديها بسعادة ورضا نفس، إلى حمل ثقيل، تتوق إلى اللحظة التي تتخفف فيها منه، ما كنت تحرص عليه وتقبل عليه أيما إقبال، تفعله طواعية وتسعد بأدائه، فإذا ما تحول إلى واجب إلزامي، شعرت بثقله والرغبة في تجنبه.

"يلي عليكِ تعمليه، قبل ما تنامي، إنك تدوّني خواطرك"، قال دكتور صبرة.

استبعدت الجلوس على المكتب بعد أول محاولة، بل قبل أن أنتهي من الكتابة في ذلك اليوم. يحول المكتب تدوين المذكرات إلى عمل أقرب إلى الاعترافات في مركز شرطة، كل ما حولك يجبرك على البوح وتجنب الإخفاء؛ نظرات المحقق، قبضات المخبرين السريين، الحوائط الكالحة الباردة، مصباح السقف والضوء الأصفر المستفز، باب الغرفة المعدني الثقيل، صوت كعوب الأحذية على البلاط المضلع، الرطوبة الخانقة، كلها جميعًا تحولك إلى ليمونة تعصر آخر قطراتها بنفسها فتسيل اعترافاتها على الورق، وتكاد السطور من فرط التفاصيل تتحول إلى مقاطع مصورة.

وها أنذا، أجلس على سريري وأشرع في مراجعة ما وقع لي من أحداث خلال اليوم، ودفتري على فخذي. تتغير حالي في الإقبال على الكتابة بحسب حالتي النفسية. خطي رديء، لكنه مقروء.

بعد عدة أيام من محاولات التعود والتأقلم، قصدت المكتبة وابتعت لوحًا خشبيًا بمشبك في أعلاه، يكفي للإمساك بالدفتر فصرت أكثر راحة وتمكنًا في الكتابة وأنا جالسة على السرير.

ومع الوقت، تشكّل لي طقس خاص أدخل به إلى الكتابة؛ أسند رأسي على ظهر السرير، ثم أُغمض عيني وأُرخي عضلاتي قدر ما استطيع، أحاول ألا أفكر في شيء، إلى أن أشعر بمسام عقلي تتفتح، تُطل خيول خيالي برؤوسها فلا أتورع عن إطلاق سراحها وربما ألهبت ظهرها بسوط الحقيقة، حتى لكأني أسمع صوت ركضها الأقرب إلى الطيران من فرط سرعتها، صوت أنفاسها المتلاحقة، تتسع فتحات أنوفها وتتمدد كأنابيب بطول رأسها المثلث ساحبةً أقصى قدر من الهواء، ثم رويدًا رويدا، يخفت صوت ملامسة حوافرها للأرض الرطبة، وترتفع قليلاً قليلا، تنبت لها أجنحة ثم تطير في الفضاء حتى تغيب إلى جوار القمر، حينها أتوه في شلالات الضوء الأرجواني المتداخل مع ضوء القمر الفضي، تدفعني موجات الضوء إلى قلب دائرة النور، فأغمض عيني أكثر وأكثر وأنظر بقلبي وأكتب بيميني.

بعفوية، ولسبب غير معلوم، سألت نفسي بعد نحو أسبوعين من بدء التدوين؛ "لماذا أكتب باللغة العربية؟".

توقفت عن الكتابة ونظرت للصفحة وآثار خطي الرديء وابتسمت، دون أن أجد إجابة. الطبيعي لسيدة بدأت حياتها الدراسية منذ نعومة أظفارها وحتى تخرجها باللغة الفرنسية كلغة أولى، أن تكتب بها.

أستطيع كتابة أي عدد من الصفحات بالفرنسية دون أخطاء إملائية أو نحوية، ولا أستطيع ذلك مع اللغة العربية، ومع هذا ضبطت نفسي متلبسة بالكتابة بالعربية. ربما لأنها اللغة الأم، اللغة الأصل.. لغة البدء.. ربما!

("هيدا طبيعي.. لأنو لما تقعدي معي وتبلشي تحكيلي عن همومك/متاعبك، عم تحكي بالعربي، فكان طبيعي لما بلشتي تكتبي، تكتبي بنفس اللغة. يعني بكلمة تانية وباختصار.. كنتي عم تكملي جلساتك معي من دون ما تحسي، وهيدا شي منيح، ما اخترتي لغة تانية، وهيدا معناه إنو لما عم تكتبي عم تستحضري جلساتك معي، وبدل ما تحكي بصوتك، عم تكتبي.")، أجابني الدكتور صبره عندما سألته عن السبب.

أستلقي على سرير طبي بارد الملمس رغم الغطاء القماشي الذي يفرشه فوقه، والضوء خافت متعمَّد الخفوت، لا يشبه إطلاقًا ضوء غرفة الاعترافات في المركز، بل أقرب لضوء غرفة نوم في مساء متأخر، وصوت دكتور صبره الهادئ يصلني من خلفي، إذ يجلس دومًا حيث لا أراه، فلا أشعر بعينين تُراقباني أو تنتظران مني اعترافًا، بل أشعر أنني أحكي للسقف، أو لنفسي، أو لأحد لا يهمه إن أخطأت في وصف مشاعري أو تناقضت.

أخبرته في الجلسات المتكررة عن مواقف مختلفة اتخذت فيها قرارات لم أرض عنها في حينها ولا بعد مراجعتها لاحقًا، كنت اتخذ القرار وفي داخلي صراعات متناقضة بين خيارات عديدة، واحتمالات كثيرة، أشعر كأنما تحيط بعنقي وتخنقني، فيكون همي الأول والأخير اتخاذ قرار، أي قرار يساعدني على الهرب من تلك الصراعات. اتخذ القرار مغمضة العينين، مغلقة العقل، مكتوفة الأيدي، أشعر بعدها بأن وزني خف، حتى كاد يتلاشى، كأنما ورقة صغيرة تطوحها العواصف في كل اتجاه، بلا حول لها ولا قوة، أرجع سبب ذلك إلى العقل الباطن.

وكما كان عقلي الباطن يقودني -دون تدخل مني- نحو قرارات مصيرية أعجز عن تفسيرها لاحقًا، تيقنت أنه هو نفسه من قادني، بذات الصمت وذات الخفاء، نحو اختيار لغة حكيي. إذًا فهو العقل الباطن الذي قرر فكتبت المذكرات باللغة العربية استكمالاً لحكي بدأ على سرير طبي تمددت عليه ورحت أفضفض على سجيتي. أعادني الحكي طفلة كما كنت في طفولتي مع أمي، الفارق أن دكتور صبره كان أقرب للعم الحنون منه إلى طبيب معالج.

أتذكر طفولتي في الحضانة والمدرسة، كنت لا أوشك أدخل البيت وأغير مريول المدرسة بلبس البيت وأغسل كفاي الصغيرتين، حتى أجلس إلى المائدة قبالة أمي وأشرع أحكي وأحكي.

أحكي من لحظة خروجي في الصباح حتى عودتي، ماذا كان يلبس عم فضلون سائق الباص، ومن تأخر من التلاميذ عن موعده، وكيف ثار عليهم وهددهم - إن تكرر تأخيرهم- ألا يمر عليهم مرة أخرى، وكم كانوا يتمنون ذلك في سريرة نفوسهم، دون أن يعلنوا أو يصرحوا، وكم كان عم فضلون يمتلك قلبًا طيبًا.. ينسى كل شيء فور وصولنا إلى المدرسة، ويبادر يقف إلى جوار الباب ويودعنا بابتسامة كبيرة تُزين ذقنه الخشن الذي نادرًا ما رأيته حليقًا، بينما نضرب في ود، أثناء مرورنا أمامه، قبضتنا الصغيرة بقبضته الكبيرة القوية، وإذا ابتسامته كبيرة باتساع قرص الشمس.

أحكي لأمي عن بيتر وكارول ومحمود ونوران وجورج وكل التلاميذ، أحكي عن كل شيء، عن كل صغيرة وكبيرة دون تمييز، بعقل طفلة لا تملك سوى سذاجتها وذاكرتها التصويرية؛ البنات وتسريحات الشعر ولون المشابك، من حصلت على الدرجة النهائية ومن بكت خجلاً من درجاتها، ومن خاصمت من، أحكي لأمي كل التفاصيل، دون أن أدري لماذا أحكي، وبين تشجيعها لي بعينيها كي أقص المزيد، تقتنص أمي فواصل الحكي وتضع الطعام في فمي، أنظر إلى كفيها الناعمتين المكورتين المرشوشتين بالنمش، وأتمنى حين أكبر أن تكون لي نفس اليدين الحانيتين، وأن أكرر مع صغاري ما تفعله أمي معي.

وعندما كبرت اكتشفت أن أمي كانت تحتال عليّْ بالحكي حتى أتناول الطعام، كنت نحيلة الجسم وكانت دائمة القلق على صحتي، حتى بعد ما يخبرها الطبيب، في كل مرة نزوره فيها، أنني بخير، وأن لا خطر في الأمر مع توصية بالتغذية الجيدة، فابتكرت فكرة الحكي حتى أجلس إلى الطعام أطول فترة ممكنة، ضَحِكتُ وضَحِكَتْ أمي يوم كاشفتني بحيلتها، بعد ما كَبِرتُ.. ذهبت كل تلك الحكايات وصارت محض ذكريات.

الشيء الغريب أنني كنتُ كلما كبرت، قلت رغبتي في الحكي والبوح، بمعنى آخر، صرت أتحدث إلى نفسي أكثر من حديثي مع الآخرين. ربما لأنني صرتُ أكثر اعتمادًا على نفسي، أجهز سفرة الطعام ثم أنادي على أمي، فإن كان أبي موجودًا انضم إلينا، وإن عاد في المساء - كعادته - لا يدعني أنام قبل أن آكل من الفاكهة أو الحلوى التي يحضرها معه، يجلس على حافة سريري، يُقشّر لي حبة برتقال بأصابعه الكبيرة بصبر من لا يعرف التعب، ويناولني فصًا فصًا، وكأنه يخشى أن أُتعب فكي بالمضغ الطويل. لا يسألني عما حكيته لأمي، فهو يعرف أنه سيسمعه لاحقًا منها كاملاً، لكنه يبتسم طوال الوقت وكأنه يسمعه فعلاً. أبي شلال حنان دائم الفيضان.

حين تطوف برأسي تلك الذكريات، وأتخيل حنانهما علي، وحيلها لإطعامي، أتمنى لو أنها احتالت لي لتعينني على كتابة مذكراتي، أو اعترافاتي، أشعر بمقاومة داخلية، فكلما أخرجت الدفتر من الدرج وأمسكت بالقلم وشرعت أدون، أجد صدًا ذاتيًا وعزوفًا داخليًا، أحيانًا أترك كل شيء في مكانه، أو أضعهما أمامي دون أن أمد يدي إليهما وأظل أنظر نحوهما وأؤنب نفسي.

رأى دكتور صبره في مقاومتي الداخلية أمرًا طبيعيًا، فكل نمط جديد نلزم أنفسنا به، حتى ولو كان محببًا لنا، لابد وأن يمر بمرحلة الملل والعزوف.

وصدق كلامه، فما حدث مع الكتابة لم يكن الحادثة الأولى من نوعها في حياتي؛ فقد تكرر الأمر ذاته من قبل مع الرياضة. في أول ممارستي الرياضة على الكورنيش، كنت وبوازع شخصي أنزل مبكرًا لفرط حبي للرياضة ورغبتي في الحفاظ على قوام متناسق، وشعوري بأنها تساعدني على التنفيس عن جانب كبير من مكبوت همومي الشخصية وضغوط الحياة عامة.

كنت استيقظ مبكرًا عن موعد نزولي وأعود نشيطة وسعيدة، ثم صرت أنتظر يوم السبت، يوم الاستراحة، بفارغ الصبر، أوقف منبه الصباح وأنام قدر طاقتي، وبدون أن أشعر كثرت أيام السبت في الأسبوع، صرت اختلق الأعذار لعدم الخروج حتى زاد وزني بشكل ملحوظ، ووجدتني بين خيارين، إما الاستسلام للراحة ومعها نسيان كل ما له علاقة بالرشاقة والقوام المتناسق، وهذا أمر كارثي لامرأة مثلي، وإما مزيج من المجهود العضلي والاستمتاع النفسي، وقد كان. غيّرت طريقي على الكورنيش كل أسبوعين حتى لا يتحول المسار نفسه إلى رتابة تُضاف إلى رتابة الإلزام، وسمحت لنفسي أحيانًا بالتوقف عند كشك القهوة قبل أن أُكمل، فصار للرياضة طعم النزهة لا طعم الواجب، وعدت أنزل الكورنيش برغبة، لا بشعور من يؤدي فرضًا.

(يُتبع)
----------------------------------
بقلم: د. محمد مصطفى الخياط

الفصول السابقة من الرواية