"البلد دي كانت متأخرة عقود، نتيجة ظروف متعددة واضطرابات.. والنهاردة كان لازم الدولة تتحرك حتى تلبي تطلعات المواطن وتحسن الخدمات المقدمة إليه". .. كانت هذه عبارات الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، خلال المؤتمر الصحفي الأسبوعي أمس الأربعاء والذي دعا فيه المواطنين إلى تقييم الإنجازات التي حققتها الدولة بعد المقارنة بما كانت عليه الأوضاع خلال عام 2014، وما آلت إليه الآن.
وهذه بعض ملامح التقدم الذي يبشر به رئيس الوزراء .. بعد التأخر لعقود
أولاً، ثقافياً:
١. انهيار الإقبال الجماهيري: تحولت قصور الثقافة والمنابر الأدبية إلى أماكن شبه خاوية، بحضور لا يتجاوز الأفراد المعدودين، مع تكرار فعالياتها دون تجديد.
٢. تردي التعليم والإعلام: تحولت الجامعات إلى مصانع لتخريج "حرفيين" بدلًا من مثقفين، بينما سيطر الابتذال والغناء الهابط على الشاشات، وانحدرت لغة الحوار العام.
٣. تشوه القيم والقدوات: أصبح قدوة الأطفال هم لاعبو الكرة والمطربون، وتلاشت المعرفة الثقافية، وتحولت كلمة "مثقف" إلى لفظة ازدراء وتوبيخ.
٤. فقدان القوة الناعمة: تراجعت مكانة اللهجة المصرية في الدراما والدبلجة، وتضاءل النفوذ الثقافي المصري في المشهد العربي، بما في ذلك مدرسة التلاوة المصرية.
٥. جمود النخبة الفكرية: عانت النخبة من أيديولوجيات جامدة، وغياب النقد الذاتي، وعزلت نفسها عن المجتمع، مما جعلها عائقًا أمام التجديد بدلًا من كونها قائدة للإصلاح.
٦. تدمير التراث المادي: تسارع تدهور القاهرة التاريخية، وهدم مواقع أثرية وتاريخية بحجة التطوير، وإغلاق العشرات من المنشآت الثقافية.
٧. تباين الرؤى الرسمية: بينما يرى وزير الثقافة أن الوضع "قوي"، تشير المؤشرات الميدانية إلى أزمة هيكلية عميقة تمتد بجذورها لعقود.
ثانياً، علمياً:
١· ضعف مخرجات الابتكار: حلّت مصر في المركز 86 عالميًا من بين 139 اقتصادًا في مؤشر الابتكار العالمي لعام 2025، كما منح مكتب البراءات المصري 102 براءة اختراع فقط عام 2025، منها 26 للمصريين.
٢· إنفاق متدنٍ على البحث والتطوير: بلغ الإنفاق على البحث والتطوير 1.02% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2024، وهو أقل بكثير من نسب دول منافسة، ويعكس أولوية منخفضة للعلم.
٣· هجرة العقول (نزيف الأدمغة): يخطط 17% من الشباب المصري للهجرة، مما يفقد البلاد كوادرها العلمية الشابة لصالح دول أخرى.
٤· تراجع جودة التعليم الجامعي: تعاني الجامعات من نقص الحوافز، وغياب معايير اعتماد واضحة، وزيادة أعداد الطلاب دون تطوير البنية التحتية، وهو ما ينعكس سلبًا على مخرجات البحث العلمي.
٥· فجوة في النشر العلمي مقارنة بالدول المنافسة: تشير التقارير التاريخية إلى أن إسرائيل كانت تنفق 70 ضعفًا ما تنفقه مصر على النشر العلمي، مما يبرز فجوة هائلة في الإنتاج المعرفي.
٦· غياب سياسة علمية واضحة: تفتقر منظومة البحث العلمي إلى استراتيجية محددة المعالم والأهداف، مع ضعف التواصل مع العالم الخارجي وضعف ثقافة البحث في المجتمع.
ثالثاً، إقتصادياً:
١· تباطؤ حاد في النمو الاقتصادي: تراجع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 2.4% فقط في العام المالي 2023/2024, بعد أن كان يحقق 5.3% في فترات سابقة، وهو أقل بكثير من النمو المطلوب لامتصاص الزيادة السكانية.
٢· ارتفاع كارثي في التضخم وفقدان القوة الشرائية: وصل التضخم إلى ما يقارب 40% في أغسطس 2023، ولا يزال مرتفعًا عند 20.4%، مما قضى على مدخرات المواطنين وسبب تآكلًا حادًا في مستوى المعيشة.
٣· انهيار قيمة العملة: تدهورت قيمة الجنيه المصري من نحو 7 جنيهات للدولار إلى ما يقارب 50 جنيهًا، مع خسارة العملة أكثر من 100% من قيمتها بعد تحرير سعر الصرف.
٤· تفاقم أزمة الديون الخارجية: ارتفع الدين الخارجي إلى 163.9 مليار دولار بنهاية 2025، في بلد كان يعتمد على الاكتفاء الذاتي وقليل الديون في عقود سابقة.
٥· انكماش الاستثمار العام وتراجع القطاع الخاص: انكمش الاستثمار العام بنسبة 45.6%، بينما يشير مؤشر مديري المشتريات (PMI) إلى انكماش مستمر في القطاع الخاص غير النفطي لسبعة أشهر متتالية.
٦· تآكل القاعدة الصناعية: تم تصفية العديد من الصروح الصناعية الكبرى التي أقيمت منذ الستينيات، مما أدى لتراجع دور القطاع الإنتاجي لصالح الأنشطة الريعية.
٧· تباطؤ نمو نصيب الفرد من الناتج المحلي: على الرغم من ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، إلا أن النصيب الفردي الحقيقي ظل متواضعًا عند حوالي 3,900 دولار سنويًا في بلد كان يتصدر اقتصادات المنطقة.
٨· استمرار العجز المزدوج: يعاني الاقتصاد من عجز في الموازنة (6.8%-7.2%) وعجز في الحساب الجاري، مما يجعله في حالة اعتماد دائم على القروض الخارجية.
رابعاً، اجتماعياً:
١· تفاقم الفقر وتردي مستوى المعيشة: يعيش نحو 30% من السكان تحت خط الفقر، وتشير تقديرات إلى أن ما يقرب من 60% على خط الفقر أو قريبين منه، مع غياب بيانات رسمية محدثة للفقر النقدي منذ 5 أعوام.
٢· تراجع جودة التعليم وجاهزيته للمستقبل: تراجع ترتيب مصر في مؤشر جاهزية التعليم للمستقبل لعام 2025 إلى المركز 102 عالميًا من بين 177 دولة.
٣· تقويض الحق في الرعاية الصحية: أشارت تقارير إلى أن الحكومة قوضت الحق في الرعاية الصحية عبر عدم تخصيص إنفاق كافٍ، مما يخرق التزاماتها الدستورية.
٤· اتساع فجوة المساواة بين الجنسين: تراجعت مصر إلى المرتبة 139 من أصل 148 دولة في تقرير الفجوة العالمية بين الجنسين لعام 2025، مع تدنٍ شديد في المشاركة الاقتصادية والدخل المتوقع للنساء.
٥· استمرار البطالة المرتفعة بين الشباب: بلغ معدل البطالة 6.4% في الربع الثالث من 2025، مع تركيزها بين الفئة العمرية 15-29 عامًا.
٦· ارتفاع مدركات الفساد: حصلت مصر على 30 نقطة من 100 في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025, محتلة المركز 130 عالميًا.
٧· انخفاض مؤشر السعادة: تراجع ترتيب مصر في مؤشر السعادة العالمي لعام 2025 إلى المركز 135 من أصل 147 دولة، متراجعة 8 مراكز عن العام السابق.
وأخيراً سياسياً:
١· تراجع الحريات السياسية والمدنية: صنّف تقرير "فريدوم هاوس" 2025 مصر بـ 18 نقطة من 100 (6 من 40 في الحقوق السياسية، و12 من 60 في الحريات المدنية)، مصنفًا إياها ضمن الدول "غير الحرة".. كما شهد العام 2025 تراجعًا في سيادة القانون.
٢· انتخابات برلمانية غير نزيهة: وصفت منظمات حقوقية انتخابات مجلس النواب 2025 بأنها "مهزلة" شابتها إجراءات فوضوية و"تدخل مباشر من الرئيس"، مع استبعاد قوائم ومرشحين معارضين.
٣· إضعاف مؤسسات الدولة: هيمن الجيش على الحياة السياسية والاقتصادية كـ"وصي على الدستور"، بينما تحول البرلمان إلى آلة لتمرير المراسيم الرئاسية دون مناقشة، وتراجعت المشاركة والمساءلة.
٤· قمع المعارضة والتجمع السلمي: تم فرض حظر فعلي على الاحتجاجات السلمية بموجب قوانين صارمة، وتمت محاكمة آلاف الأشخاص بتهم إرهاب لمجرد ممارسة حقوقهم، مع استمرار الإفلات من العقاب.
٥· غياب التمكين السياسي للمرأة: تراجعت مصر إلى المركز 139 من 148 في مؤشر الفجوة العالمية بين الجنسين 2025، والمرتبة 101 من 148 في التمكين السياسي.
٦· سياسة خارجية دفاعية فاقدة للمبادرة: غلب على السياسة الخارجية الطابع "الدفاعي الحذر" مع "فجوة واضحة بين الإمكانات الجيوسياسية ومستوى توظيفها الفعلي"، وتأثرت المكانة الإقليمية سلبًا..
يا أمةً كان يُضرب بها المثل في العلم والثقافة والصنعة، أصبحت اليوم تُضرب بها الأمثال في المؤشرات السلبية: تخلف في الثقافة، وتراجع في العلم، وانكماش في الاقتصاد، وقمع في السياسة، وتفكك في المجتمع.. نقفز من مؤشر إلى آخر كمن يهرب من مطر إلى سيل، وتظل الحصيلة أننا نملك "قوة ناعمة" واهية، و"مكانة إقليمية" غائبة، و"مرجعية تاريخية" لا تنفع جائعاً ولا مريضاً.
نسأل الله أن يلهمنا رشدنا، وأن يعيد لأبناء هذا الوطن عقولهم التي خبأوها في خزائن الماضي، أو في حسابات البنوك الخارجية "إيهما أقرب".. اللهم إن كان هذا هو "الجمهورية الجديدة"، فلا تحرمنا نعمة "الضحكة الساخرة" لنعيش بها ما تبقى من عمرنا..
-----------------------------
بقلم: أحمد حمدي درويش
* نقلا عن صفحة الكاتب على فيس بوك






