من السهل أن يختلف المصريون حول تقييم الثورة العرابية أو ثورة 1919 أو الثورة الأم في يوليو 1952 أو ثورتي يناير 2011 ويونيو 2013. فلكل جيل ذاكرته السياسية، ولكل تيار روايته الخاصة، ولكل مرحلة أنصارها وخصومها. لكن التاريخ، حين يبتعد عن ضجيج اللحظة، لا ينشغل كثيرًا بمن انتصر في الجدل، بقدر ما يبحث عن الأنماط المتكررة التي تتجاوز الأشخاص والأحداث.
وعند النظر إلى التاريخ المصري الحديث من هذه الزاوية، تبرز مفارقة تستحق التأمل. فمصر تبدو، في أكثر من محطة تاريخية، قادرة على إنتاج لحظات هائلة من الرفض والتعبئة والحشد الوطني، لكنها تواجه صعوبة أكبر حين تنتقل من هدم النظام القائم إلى بناء النظام الجديد.
المشكلة لم تكن يومًا في القدرة على التغيير، بل كانت ـ وما تزال ـ أكبر خيباتنا في القدرة على إدارة ما يأتي بعده.
هذه الظاهرة لا تبدأ مع يناير ولا تنتهي عند يونيو، بل تمتد جذورها إلى أواخر القرن التاسع عشر. فمنذ الثورة العرابية وحتى اليوم، تتكرر القصة بأشكال مختلفة: تتجمع قوى المجتمع حول رفض واقع قائم، وتنجح في إحداث هزة سياسية كبرى، ثم تبدأ الخلافات والتناقضات والصراعات بمجرد طرح السؤال الأصعب: ماذا بعد؟
كانت الثورة العرابية أول تعبير كبير عن دخول مصر الحديثة إلى عصر السياسة الجماهيرية. لم تكن مجرد حركة عسكرية كما صُورت طويلًا، بل كانت احتجاجًا على اختلالات عميقة في بنية الحكم، وعلى هيمنة طبقة ضيقة على الدولة، وعلى النفوذ الأجنبي المتزايد في شؤون البلاد.
وقد نجح أحمد عرابي ورفاقه في تحويل حالة السخط المتفرقة إلى قضية وطنية جامعة رفعت شعارات العدل والدستور والمشاركة.
لكن اللحظة التي نجحت في توحيد المصريين ضد واقع قائم لم تنجح بالقدر نفسه في إنتاج توازن جديد قادر على حماية مشروعها. انتهت المواجهة بالاحتلال البريطاني، وبدا وكأن الطاقة التي أُنفقت في مقاومة القديم لم تجد ما يكفي من المؤسسات أو التوافقات لصناعة البديل.
لم يكن ذلك بسبب نقص الشجاعة أو ضعف الإرادة، بل لأن بناء نظام سياسي جديد كان أكثر تعقيدًا من تحدي النظام القائم.
بعد عقود قليلة، عادت الظاهرة ذاتها في صورة أكثر نضجًا واتساعًا مع ثورة 1919.
نجحت الثورة في تحقيق ما بدا مستحيلًا آنذاك: توحيد المصريين على اختلاف طبقاتهم واتجاهاتهم الدينية والاجتماعية خلف مطلب الاستقلال الوطني. وربما لم تعرف مصر الحديثة لحظة إجماع وطني تضاهي ما شهدته تلك السنوات.
ومع ذلك، انتهت إلى استقلال منقوص وظل النظام الذي وُلد بعد الثورة أسير تنازع مستمر بين الاحتلال البريطاني والقصر الملكي وبينهما القوى الحزبية المختلفة.
نجح المصريون مرة أخرى في إنتاج لحظة رفض عظيمة، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام تعقيدات البناء السياسي ومشكلاته. فالدساتير يمكن كتابتها، والانتخابات يمكن تنظيمها، لكن تحويل هذه الأدوات إلى نظام مستقر وقادر على إدارة التنافس السياسي بصورة دائمة كان مهمة أكثر صعوبة.
بقيت الحياة السياسية المصرية طوال الحقبة الليبرالية تتأرجح بين الإنجازات والإخفاقات، وبين الطموح الدستوري والواقع المضطرب.
ثم جاءت يوليو 1952 لتقدم نموذجًا مختلفًا، لكنه لا يخلو من التشابه في العمق. فقد نجحت حركة الضباط الأحرار لأن تستجلب شرعية شعبية جارفة وتمكنت من تحقيق تحولات تاريخية كبرى. أنهت الملكية، وأخرجت الاحتلال البريطاني، وأعادت توزيع موازين القوة داخل المجتمع، وأطلقت مشروعًا للاستقلال الوطني والعدل الاجتماعي وللتنمية المستقلة ما زال أثرها حاضرًا حتى اليوم.
وبالمقارنة مع محطات سابقة، بدت يوليو الأنجح في بناء الدولة ومؤسساتها.
غير أن السؤال الذي ظهر لاحقًا لم يكن متعلقًا بقوة الدولة، بل بطبيعة النظام السياسي نفسه.
فقد استطاعت يوليو بناء دولة قوية، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في بناء آليات سياسية تسمح بتجدد الشرعية وإدارة الاختلاف بصورة مستقرة بعد رحيل قائدها المؤسس.
وهكذا عادت المعضلة في صورة مختلفة: نجاح كبير في التغيير وإعادة البناء المؤسسي، يقابله تعثر في بناء التوازنات السياسية القادرة على الاستمرار عبر الزمن.
حين وصلت مصر إلى يناير 2011 بدا وكأن التاريخ يعيد طرح السؤال نفسه بلغة جديدة.
نجحت الثورة خلال ثمانية عشر يوما مجيدة في إسقاط نظام استمر ثلاثين سنة. كان ذلك إنجازًا سياسيًا ضخمًا بكل المقاييس. لكن اللحظة التي جمعت الناصري والماركسي والإسلامي والليبرالي في ميدان واحد لم تستطع أن تجمعهم حول تصور واحد للدولة الجديدة.
لحظة سقوط النظام، بدأت التناقضات التي كانت مؤجلة في الظهور. تحول الصراع من مواجهة السلطة القائمة إلى صراع بين القوى التي شاركت في التغيير. وانكشفت الفجوة بين القدرة على الاحتجاج والقدرة على الحكم، وبين مهارة إسقاط النظام ومهارة بناء البديل.
لم يكن ذلك استثناءً مصريًا، بل تجربة عرفتها ثورات كبرى عبر التاريخ، لكن الحالة المصرية قدمتها بصورة شديدة التكثيف.
ومن بعد جاءت يونيو 2013 لتكشف وجهًا آخر من المعضلة نفسها. فقد نجحت الهبة الشعبية الواسعة التي خرجت ضد حكم الإخوان المسلمين في تغيير المسار السياسي وإنهاء تجربة حكم فصيرة أثارت انقسامًا حادًا داخل المجتمع.
وتمكنت الدولة العميقة من استعادة قدر كبير من الاستقرار ومواصلة عمل مؤسساتها بعد مرحلة مضطربة. لكن النجاح في تجاوز الأزمة لم يُنهِ الأسئلة المتعلقة بالبناء السياسي طويل المدى.
التحدي الذي واجه مصر بعد يونيو لم يكن فقط استعادة الدولة، بل تحديد الكيفية التي يمكن بها تحويل الاستقرار إلى حياة كريمة حقا لكل المواطنين، ومجال سياسي أكثر نضجًا وقدرة على استيعاب التنوع والاختلاف، وافساح المجال للمشاركة الشعبية في صناعة القرار الوطني.
وهنا عادت المعضلة التاريخية للظهور مرة أخرى، وإن بصيغة مختلفة.
وعندما ننظر إلى هذه المحطات مجتمعة، يصبح من الصعب اعتبار ما جرى مجرد سلسلة من المصادفات المنفصلة. فهناك خيط عميق يربط بينها جميعًا.
في كل مرة تقريبًا ينجح المصريون في الاتفاق على ما يرفضونه أكثر مما ينجحون في الاتفاق على ما يريدونه.
وفي كل مرة تكون لحظة الإجماع الوطني مرتبطة بهدف سلبي واضح يتمثل في إنهاء وضع قائم، بينما تبدأ الخلافات فور الانتقال إلى مرحلة تحديد شكل المستقبل.
لا تعود هذه الظاهرة إلى عيب خاص بالمصريين، كما قد يتوهم البعض، بل إلى طبيعة السياسة نفسها. فالرفض يوحد لأنه يركز على عدو أو أزمة أو مشكلة مشتركة. أما البناء فيفرق لأنه يفتح الباب أمام أسئلة المصالح والأفكار والهويات والرؤى المختلفة.
غير أن ما يمنح الحالة المصرية خصوصيتها هو تكرار هذه المفارقة عبر أكثر من قرن من الزمن، وعبر أنظمة وأيديولوجيات وظروف تاريخية متباينة.
لهذا فإن السؤال الحقيقي في التاريخ المصري الحديث ليس لماذا قامت الثورات أو الاحتجاجات أو حركات التغيير.
فالمصريون أثبتوا مرارًا قدرتهم على الفعل حين يشعرون بأن لحظة التغيير قد حانت.
السؤال الأهم هو كيف يمكن تحويل هذه الطاقة الهائلة إلى مؤسسات مستقرة وتوافقات مستدامة وقواعد سياسية قادرة على البقاء بعد انقضاء لحظة الحشد.
التاريخ لا يحاسب الأمم فقط على قدرتها على إسقاط ما ترفضه، بل على قدرتها على بناء ما تريده.
وإذا كانت مصر قد نجحت مرارًا في اجتياز امتحان الرفض، فإن امتحان البديل ظل هو التحدي الأصعب والأكثر إلحاحًا في رحلتها الحديثة.
ويمكننا أن نقول، بكل أسف، إنه لو تكرر الأمر اليوم من جديد، فالأرجح أن تكون النتيجة هي ذاتها التي خبرناها على امتداد أكثر من قرن. ليس لأن التاريخ محكوم بالتكرار، بل لأن المعضلة نفسها ما تزال قائمة. أننا أتقنّا صناعة الرفض، ولم نتقن بعد صناعة البديل.
------------------------------
بقلم: محمد حماد






