01 - 07 - 2026

كلام لبكره | حين تتحول الضرائب إلى عبء على الصناعة... هل نعاقب المنتج المصري؟

كلام لبكره | حين تتحول الضرائب إلى عبء على الصناعة... هل نعاقب المنتج المصري؟

لا يوجد اقتصاد قوي بلا صناعة قوية، ولا توجد دولة استطاعت أن تحقق نهضة اقتصادية حقيقية إلا وكانت مصانعها هي القلب النابض للتنمية، ومحرك النمو، ومصدر العملة الأجنبية، وحاضنة ملايين فرص العمل. فالمصنع لا ينتج سلعة فحسب، بل ينتج قيمة مضافة، ويخلق وظائف، ويغذي عشرات الصناعات والخدمات المرتبطة به، ويخفف الاعتماد على الواردات، ويعزز قوة العملة الوطنية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: كيف يمكن للصناعة المصرية أن تؤدي هذا الدور، بينما تتزايد عامًا بعد عام الأعباء الضريبية والرسوم والتكاليف المفروضة عليها، حتى أصبح المصنع في كثير من الأحيان يخوض معركة يومية ليس من أجل تحقيق الأرباح، بل من أجل البقاء؟

فالضريبة في حد ذاتها ليست مشكلة، بل هي حق أصيل للدولة، وأداة لتمويل الخدمات العامة وتحقيق التنمية. غير أن الضريبة تفقد فلسفتها الاقتصادية عندما تتحول إلى عبء يلتهم قدرة المنتج على المنافسة، ويجعل الاستثمار الصناعي أقل جاذبية، ويقيد توسع المصانع بدلاً من تشجيعها.

وإذا كان كثيرون ينظرون إلى ضريبة الدخل باعتبارها العبء الرئيسي على المصنع، فإن الحقيقة أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير. فالمصنع المصري لا يسدد ضريبة واحدة، بل يدخل في دوامة من الالتزامات المالية تبدأ بضريبة الدخل على الشركات البالغة 22.5%  من صافي الأرباح، ثم ضريبة القيمة المضافة بنسبة  14% التي يتحمل عبء تحصيلها وسدادها وإدارة تدفقاتها النقدية، إضافة إلى ضرائب الخصم والإضافة، وضريبة الدمغة في بعض المعاملات، والرسوم الجمركية على العديد من الخامات ومستلزمات الإنتاج، فضلًا عن اشتراكات التأمينات الاجتماعية التي يتحملها عن العاملين، ورسوم التراخيص، والحماية المدنية، والرقابة الصناعية، ورسوم التنمية، وغيرها من الرسوم التي تفرضها جهات متعددة.

ولا تقف الأعباء عند حدود الضرائب والرسوم، بل تمتد إلى تكاليف لا تقل وطأة عنها، مثل ارتفاع أسعار الكهرباء والغاز الطبيعي الموجه للصناعة، ورسوم الموانئ، وتكاليف الإفراج الجمركي، والنقل والشحن، فضلًا عن أسعار الفائدة المرتفعة التي جعلت تكلفة التمويل واحدة من أكبر التحديات أمام التوسع الصناعي. وعندما تُجمع هذه الالتزامات مجتمعة، يصبح العبء المالي الذي يتحمله المصنع في كثير من الأنشطة الصناعية متجاوزًا 40%، وقد يقترب في بعض الصناعات كثيفة الاستيراد أو مرتفعة التكلفة من 50%، وهي نسبة كفيلة بإضعاف القدرة التنافسية للمنتج المصري أمام نظيره القادم من دول تقدم لمصانعها الحوافز بدلًا من الأعباء.

إن المستثمر لا ينظر إلى نسبة ضريبة الدخل وحدها، وإنما يحسب التكلفة النهائية لإنتاج السلعة. فإذا وجد أن منافسه في دولة أخرى يحصل على إعفاءات ضريبية، وطاقة أقل سعرًا، وتمويل منخفض التكلفة، وإجراءات أسرع، فمن الطبيعي أن تصبح كفة المنافسة راجحة لصالح ذلك المنتج، بينما يجد المصنع المصري نفسه مضطرًا إلى رفع الأسعار أو تقليص هامش أرباحه، أو تأجيل خطط التوسع، وربما إيقاف بعض خطوط الإنتاج.

والمفارقة أن زيادة الأعباء لا تعني بالضرورة زيادة الإيرادات العامة. فعندما ترتفع تكلفة الإنتاج، ترتفع أسعار السلع، ويتراجع الطلب، وتنخفض القدرة التصديرية، ويتباطأ الاستثمار، فتتقلص القاعدة الضريبية نفسها. وهكذا تخسر الدولة جزءًا من الإيرادات التي كانت تتطلع إلى زيادتها، ويخسر الاقتصاد فرصًا للنمو والتشغيل كان في أمسّ الحاجة إليها.

لقد أدركت الدول التي أصبحت اليوم قلاعًا صناعية أن المصنع ليس مجرد ممول للموازنة العامة، بل هو شريك في صناعة المستقبل. لذلك تنافست على تقديم الحوافز الضريبية، وخفض تكلفة الطاقة، وتوفير التمويل الميسر، وتبسيط الإجراءات، لأن كل مصنع جديد يعني وظائف جديدة، وصادرات أكبر، وإيرادات ضريبية أكثر استدامة.

أما إذا أصبح المستثمر يشعر أن كل خطوة إلى الأمام تقابلها رسوم جديدة، أو ضريبة إضافية، أو تكلفة متزايدة، فإن الرسالة التي تصل إليه تكون واضحة: الاستثمار أصبح أكثر مخاطرة، والإنتاج أقل جدوى، والتوسع أكثر صعوبة.

إن السياسة الضريبية الناجحة لا تُقاس بحجم ما تجمعه الدولة في نهاية العام، وإنما بحجم النشاط الاقتصادي الذي تصنعه، وعدد المصانع التي تبدأ الإنتاج، وحجم الصادرات التي تغادر الموانئ، وفرص العمل التي تفتح أبوابها للشباب. فالدول لا تبني اقتصاداتها بزيادة التحصيل وحدها، وإنما بتوسيع القاعدة الإنتاجية التي تخلق الثروة أولًا، ثم تجلب الضرائب بصورة طبيعية ومستدامة.

واليوم، تحتاج الصناعة المصرية إلى مراجعة شاملة لفلسفة التعامل معها. فالمطلوب ليس إلغاء الضرائب، وإنما تحقيق التوازن بين حق الدولة في الإيرادات وحق الصناعة في النمو. فكل جنيه يُخفف عن المصنع قد يتحول إلى استثمار جديد، أو ماكينة جديدة، أو فرصة عمل إضافية، أو زيادة في الصادرات، أو تدفق أكبر للعملة الأجنبية، وهو ما يعود في النهاية على الدولة بإيرادات أكبر واقتصاد أكثر قوة واستقرارًا.

إن دعم الصناعة ليس امتيازًا يمنح للمستثمرين، بل هو استثمار في مستقبل الوطن. فالمصنع القوي يعني اقتصادًا قويًا، وعملة أكثر استقرارًا، ومواطنًا يجد فرصة عمل، ودولة تزداد قدرتها على الإنتاج لا على الاستيراد. أما حين تتحول الأعباء الضريبية والرسوم المتراكمة إلى قيد يكبل المصانع، فإن الخاسر الحقيقي لن يكون المستثمر وحده، بل الاقتصاد المصري بأكمله.
-------------------------------------
بقلم: صلاح عبدالجابر العربي


مقالات اخرى للكاتب

كلام لبكره | حين تتحول الضرائب إلى عبء على الصناعة... هل نعاقب المنتج المصري؟