كنت في شبابي أقرب إلى أساتذتي منه إلى كثير من أبناء جيلي. اقتربت وصادفت في المحاماة، وفي السياسة كما في الصحافة أساتذة وأعلامًا كبارًا، وتتلمذت على أيدي بعضهم في أصول المهنة وقواعدها، لكن ما تعلمته منهم لم يقتصر على الصحافة وحدها. لقد ربوني، عن قصد أو من دونه، على فن أصعب من كتابة المقال وصناعة الخبر: كيف تعيش الحياة ولا تجعلها تعيشك، وكيف تقود العمر بدل أن يقودك.
كانت تلك العلاقات الغنية بالخبرة، العميقة الأثر في التكوين، نافذتي المبكرة على الشيخوخة. كنت أراقبهم وهم في أعمار لم أكن أتخيل يومًا أنني سأبلغها، وأستمع إلى تأملاتهم وشكواهم وحكمتهم، دون أن أدرك آنذاك عمق ما يقولون. حتى اكتشفت كثيرًا من معاني كلماتهم بعد رحيلهم، ومغزى بعض تصرفاتهم حين وجدت نفسي أقف اليوم في الأعمار نفسها التي كانوا يقفون عندها بالأمس.
من أهم ما تعلمته منهم أن السبعين وما بعدها ليست مجرد مرحلة عمرية جديدة، بل تجربة إنسانية مختلفة تستحق أن تُفهم وأن تعاش بوعي وحكمة ونضج السنين.
في هذه السن تتغير علاقة الإنسان بجسده، وبالناس، وبالزمن نفسه. ومن ثمَّ تظهر بعض التقلبات النفسية التي قد تفاجئ صاحبها، وتتسلل مشاعر لم يختبرها من قبل، أو يعرفها بهذه الحدة والعمق.
من أخطاء العمر أن يفزع الإنسان من هذه التحولات أو يتعامل معها باعتبارها عيوبًا طارئة ينبغي مقاومتها بكل الوسائل. أما الحكمة فتكمن في فهمها واستيعابها والتصالح مع جانب منها.
السبعينيات، مثل المراهقة تمامًا ولكن على مستوى آخر من النضج والخبرة، لها قوانينها النفسية الخاصة، ولها أسئلتها ومشاعرها وتحدياتها.
وكلما فهمنا هذه المرحلة على حقيقتها، كان عبورها أكثر هدوءًا واتزانًا وأقل عرضة للقلق والاضطراب.
ولعل هذا ما يدفعني اليوم إلى التفكير في سؤال طالما شغلني وأنا أراقب أساتذتي الكبار ثم أراقب نفسي ومن هم في جيلي: لماذا يزداد الاكتئاب لدى بعض الناس في السبعين وما بعدها؟ وهل الأمر مجرد نتيجة للتقدم في العمر، أم أن وراءه قصة أعمق تتعلق بعلاقة الإنسان بنفسه وبمعنى حياته وبالزمن الذي عاشه؟
يمكن بالطبع أن نعدد الأسباب المباشرة. ففي هذه السن تتكاثر الخسارات وتتراجع بعض القدرات وتتبدل الأدوار الاجتماعية. يمضي أصدقاء العمر واحدًا تلو الآخر، ويغيب رفاق الطريق الذين كانوا شهودًا على مراحل الحياة المختلفة.
ينتهي العمل الذي كان يمنح الأيام إيقاعها ومعناها، ويبدأ الجسد في فرض حدود لم يكن الإنسان يعرفها من قبل. لكن هذه العوامل، على أهميتها، لا تفسر الظاهرة كلها. فهناك من يواجه الظروف نفسها ويحتفظ بقدر كبير من السكينة والرضا، بل ويبدو أكثر تصالحًا مع نفسه من كثير من الشباب.
هنا نصل إلى الجانب الأعمق من المسألة. فالذي يتغير بعد السبعين ليس الظروف المحيطة بالإنسان فحسب، بل علاقته بالزمن ذاته.
في الشباب يسكن الإنسان في المستقبل أكثر مما يسكن في الحاضر؛ مشاريع مؤجلة، وأحلام تنتظر التحقيق، ومساحات واسعة من الاحتمالات.
في الشيخوخة يحدث تحول هادئ ولكنه عميق. فجأة يكتشف الإنسان أن الماضي أصبح أطول من المستقبل، وأن الجزء الأكبر من قصته قد كُتب بالفعل.
عندئذ تتغير الأسئلة.
في الشباب نسأل: ماذا سنفعل؟ ماذا سنحقق؟ إلى أين سنصل؟ أما في خريف العمر فيصبح السؤال مختلفًا: ماذا فعلنا بالفعل؟ وما الذي تعنيه كل تلك السنوات التي مضت؟
وهنا تبدأ مراجعة العمر.
تعود الوجوه القديمة، والقرارات الحاسمة، والفرص التي اغتنمناها أو أهدرناها، والانتصارات التي فرحنا بها، والإخفاقات التي حاولنا نسيانها. يصبح الإنسان، للمرة الأولى ربما، مؤرخ حياته وقاضيها في الوقت نفسه. يعيد قراءة قصته كلها بعين أكثر هدوءًا وأقل انشغالًا بمعارك اليوم.
ولهذا السبب لا يرتبط الاكتئاب المتأخر بالحزن وحده، بل يرتبط أحيانًا بالندم. فالحزن يتعلق بما فقدناه، أما الندم فيتعلق بما كان يمكن أن يكون ولم يكن. والحزن يواجه حدثًا وقع خارجنا، أما الندم فيواجه حياة كاملة نراها جزءًا من ذواتنا.
ثم تأتي المواجهة الكبرى التي يحاول الإنسان تأجيلها معظم عمره: مواجهة محدودية الزمن.
ليس المقصود الخوف المباشر من الموت، فالموت حقيقة يعرفها الإنسان منذ طفولته، لكن المعرفة شيء والشعور شيء آخر.
في الشباب يبدو الموت فكرة بعيدة تقع في آخر الأفق.
بعد السبعين يصبح الموت جزءًا من الحسابات اليومية للوعي، حتى لو لم يُذكر أو يُفكر فيه صراحة.
عندها يدرك الإنسان أن الزمن لم يعد موردًا مفتوحًا، وأن كلمة "لاحقًا" لم تعد واسعة كما كانت من قبل.
ومن هنا تبرز قضية المعنى.
الأشياء التي بدت مهمة في مراحل سابقة قد تفقد بعض بريقها، والنجاحات التي كانت تملأ النفس زهوًا قد تبدو أقل أهمية مما ظن صاحبها يومًا. حتى قصص الحب التي كانت تؤجج المشاعر في حينها، انطفأت حرارتها، لتترك مكانها لعمقٍ مختلف في فهم العلاقات الإنسانية.
وتطفو إلى السطح أسئلة أكثر جوهرية: هل عشت الحياة التي كنت أريدها حقًا؟ هل كنت وفيًا لما أؤمن به؟ هل أحببت بما يكفي؟ هل تركت أثرًا يستحق البقاء؟ وهل كان لكل هذا التعب معنى؟
في هذه اللحظة تحديدًا يصبح الاكتئاب، في بعض صوره، أزمة معنى أكثر منه أزمة مزاج. إنه شعور الإنسان بأن السنوات الكثيرة لم تنتظم في رواية مفهومة، أو أن حياته بدت له سلسلة من الوقائع المتجاورة لا قصة متماسكة يمكن التصالح معها.
من ذاكرة القراءات المبكرة، التي لم يتكشف معناها إلا مع الزمن، أدركت ما قصده عالم النفس إريك إريكسون حين تحدث عن الصراع الأخير في حياة الإنسان بين "تكامل الذات" و"اليأس". فتكامل الذات لا يعني أن ينظر المرء إلى حياته باعتبارها كاملة أو خالية من الأخطاء، بل أن يقبلها كما كانت، بكل ما فيها.
أن يرى الإنسان إخفاقاته ونجاحاته، ما كسبه وما خسره، ثم يقول في النهاية: كانت هذه حياتي، بكل ما فيها، وأنا أستطيع أن أتصالح معها.
أما اليأس فيبدأ حين يعجز الإنسان عن هذه المصالحة. حين لا يرى في الماضي إلا ما ضاع، ولا يرى في نفسه إلا ما أخفق فيه، ولا يرى في العمر الطويل إلا حسابًا مفتوحًا للخسائر.
كثيرًا ما أجدني أذكر نفسي بأن أهم ما يحتاجه الإنسان في هذا العمر ليس فقط الرعاية الصحية، ولا حتى الرفقة الطيبة على أهميتها القصوى، بل القدرة على بناء معنى متماسك لحياته.
أن ينظر المرء إلى سنوات عمره لا بوصفها سجلًا للنجاحات والإخفاقات، بل بوصفها رحلة إنسانية كاملة، فيها ما يفرح وفيها ما يؤلم، لكنها تستحق أن تُروى وتُفهم وتُقبل.
وربما لهذا السبب تحديدًا أستحضر أساتذتي الكبار كلما تقدمت بي السن.
المفارقة أن أكثرهم هدوءًا لم يكونوا أولئك الذين عاشوا حياة أسهل أو أقل خسارة، بل الذين نجحوا في عقد الصلح الأخير مع أعمارهم. وعلى رأسهم أستاذي وصديقي وأبي الروحي محمد عودة.
أولئك أدركوا أن الحكمة ليست في الانتصار على الزمن، فهذه معركة لا يربحها أحد، وإنما في فهم ما أراد الزمن أن يعلمه لك، ثم تستقبل ما تبقى من الطريق بنفس أقل خصومة مع ما مضى، وقلبٍ يغمره الرضا ويملؤه الامتنان.
لكل هذه الأسباب، ولأسباب أخرى، أجد نفسي أسأل بصراحة وبصدق: هل أنا مكتئب؟
--------------------------------
بقلم: محمد حماد






