هل وضعت الحرب الأمريكية الإسرائيلية أوزارها وما نتائجها بعد أن أصبحت منطقة الشرق الأوسط تعيش في حالة اللاسلم و اللاحرب؟ ودخل الصراع بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة من الهدنة الهشة، وسط مساعي دبلوماسية للتوصل إلى حل نهائي بعد أشهر من القتال، لكن السؤال الذي يطرح نفسه الاَن هل أصبحت إيران قوة إقليمية بعد الحرب أم نمرا من ورق ليس لها أي ثقل سياسي؟ يقيني أن إيران تُعد الاّن قوة إقليمية كبرى في الشرق الأوسط، وصارت لاعباً إقليمياً لا يمكن تجاوزه في قضايا الشرق الأوسط، حيث تستمد أهميتها من موقعها الجغرافي الاستراتيجي، ومساحتها الواسعة التي تصل إلى مليون و600 ألف كيلو متر، وقدراتها الاقتصادية والعسكرية، فضلاً عن شبكة علاقاتها وتحالفاتها الممتدة عبرالإقليم، والتي تشهد تغيرات ملحوظة، كما أنها قادرة على التأثير في أوضاع المنطقة، بعد أن فرضت معادلة جديدة، فبينما نجحت طهران في فرض نفسها كلاعب قادرعلى تعطيل التجارة العالمية وتهديد أمن الطاقة عبر مضيق هرمز، تتعرض حالياً لحرب ضخمة تستهدف استنزاف قدراتها الاقتصادية والعسكرية وإسقاط نظامها السياسي، بعد أن أكدت التطورات أنها ركيزة أساسية في تشكيل النظام الإقليمي الجديد بالشرق الأوسط، وتملك أوراق ضغط تجعلها طرفاً مهماً في أي ترتيبات أمنية مستقبلية، وأسهمت إيران مع دول عربية في مقدمتها مصر في إحباط تنفيذ مخطط الشرق الأوسط الجديد وإقامة دولة إسرائيلية كبرى على أرض الميعاد المزعومة من نهر مصرإلى نهر الفرات الكبير، فقد استخدمت الحركة الصهيونية منذ أواخر القرن التاسع عشر، مصطلح "أرض الميعاد" كأداة أيديولوجية رئيسية لإضفاء الشرعية على إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين وهو ما تم الإعلان عنه عام 1948 لتبدأ مرحلة من الصراع العربي الإسرائيلي مازالت مستمرة حتى الاّن، بسبب طمع الإدارة الإسرائيلية في أرض فلسطين والدول المجاورة خصوصاً لبنان وسورية والعراق.
تعيش المنطقة حالياً حالة جمود سياسي وعسكري لا يُحسم فيها الصراع بالحرب الشاملة، ولم يُحل بالتسوية الدبلوماسية حتى الاَن، تتسم باستمرارالتوتروالاستنزاف المتبادل، وحروب الوكالة فضلاً عن إشتباكات محدودة غير قادرة على حل الصراع، كما في المشهد الحالي بين الولايات المتحدة وإيران تاريخياً، وهو ما شهدته المنطقة بين حربي 1967 وأكتوبر 1973 وأطلق عليه وقتها اللاسلم واللاحرب، أخيراً اكتشفت دول المنطقة أن ثرواتها وأرضيها هدف لهذه الحرب التي تستهدف الايقاع بين السنة والشيعة ودخولهما في حرب طويلة لا تنتهي، لكن الأطراف المعنية خصوصاً من الدول العربية تتجنب الدخول في حرب شاملة مباشرة، مكتفية بضبط الصراع عند حد معين حيث تستمرالتهديدات والعقوبات وتوجيه ضربات محسوبة ضد إيران دون تصعيد مفتوح، ولذا اتفقت الولايات المتحدة وإيران على وقف الضربات بينهما أخيراً بعد تبادل الهجمات خلال الأيام الماضية، في محاولة من الدولتين للسيطرة على مضيق هرمز ومحيطه، إذ تبادلت على إثرها واشنطن وطهران الاتهامات بانتهاك وقف إطلاق النار وفق مسودة الاتفاق بينهما، وتالياً ستتمكن السفن من المرور بحرّية عبر المضيق، في ظل استمرارالمحادثات التي تستهدف إنهاء الحرب، عقب توقيع الولايات المتحدة وإيران، في السابع عشرمن يونيو، مذكرة تفاهم من 14 بنداً، تضمنت إنهاءً فورياً ودائماً للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، لكن عادت الضربات العسكرية بين الدولتين، بعد أقل من أسبوعين على توقيع مذكرة التفاهم التي تقضي بهدنة ومفاوضات تمهّد لاتفاق نهائي بوقف الحرب التي اندلعت نهاية فبرايرالماضي، بعد وقت قصير من تحذير الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بأن الولايات المتحدة قد«تكمل المهمة عسكرياً».
تلعب إسرائيل دوراً محورياً في تعطيل التسويات الشاملة، واستمرار توجيه ضربات استباقية أو تكتيكية للحفاظ على مصالحها ومنع خصومها من التقاط الأنفاس، ما يديم حالة اللاسلم واللاحرب، فيما تعهد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بأنه لن تكون هناك دولة فلسطينية في قطاع غزة، ملوحاً بتوسيع الاستيطان، في ظل تقاريرإسرائيلية تتحدث عن ضوء أخضر أميركي لإسرائيل لفرض السيادة في الضفة الغربية، وأعلن نتنياهو أن إسرائيل ستحتفظ بالسيطرة الأمنية «من نهر الأردن إلى البحر»، مضيفاً: «أسمع أنني سأسمح بإقامة دولة فلسطينية في غزة، هذا لم يحدث ولن يحدث... أعتقد أنكم تعلمون جميعاً أن الشخص الذي عرقل مراراً إقامة دولة فلسطينية هو أنا.. إسرائيل ستفرض السيطرة الأمنية من نهر الأردن إلى البحر، وهذا ينطبق على قطاع غزة أيضاً، نركز الآن على استكمال المهمتين المتبقيتين، وهما نزع سلاح حماس، وجعل غزة خالية من السلاح والأنفاق»، وكرّر نتنياهو التحذير الذي وجّهه إلى إيران، بأنه إذا هاجمت إيران إسرائيل، فإن الدولة العبرية سترد بقوة، فيما أعلن الحرس الثوري الإيراني إن قواته البحرية والجوية شنت عمليات مشتركة بالصواريخ والمسيرات استهدفت مواقع عسكرية أمريكية في الكويت والبحرين رداً على أحدث الضربات الأمريكية على إيران، فيما استهدف الاحتلال جنوب لبنان الذي تعتبره طهران منطقة أساسية في مذكرة التفاهم الموقعة مع الولايات المتحدة والتي تشمل 14 بنداً منها وقف إطلاق النار في لبنان، وهدّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالعودة إلى الخيار العسكري وكتب قائلا: " قد يأتي وقت لا نبقى فيه قادرين على التصرف بعقلانية، وسنضطر لإكمال المهمة عسكرياً بعد أن بدأناها بنجاح كبير، إذا حدث ذلك، فلن تبقى إيران".
يعيش رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في حالة من الوحدة والحزن والتخبط في الأيام الأخيرة بعد توقيع مسودة الاتفاق بين أمريكا وإيران وتجاهل مطالبة من جانب الرئيس ترامب وتغيير سياسة الولايات المتحدة تجاهه حتى وصلت إلى حد التجاهل، خصوصاً مع قرب الانتخابات الإسرائيلية في شهر سبتمبرالمقبل، والتي أعلن خوضها، إذ سيواجه مصيراً سيئاً في حال الهزيمة في الانتخابات قد يؤدي به إلى صدور أحكام بالسجن ضده في قضايا الفساد التي يحاكم فيها حالياً ولذلك فهو مستعد لأي شيء ينقذه من هذا المصير، ولذا أدلى بتصريحات خلال الأيام الماضية تفيد برغبته في عدم الاعتماد على أمريكا مالياً وعسكرياً خصوصاً أن الجمهور الإسرائيلي بدأ ينقلب على ترامب بشكل حاد أخيراً، إذ كشفت استطلاعات الرأي التي أُجريت مع شن الحرب المشتركة ضد إيران، أن غالبية الإسرائيليين كانوا يرون في ترامب نصيرهم الأول، وكان نتنياهو يصفه بأنه «أكبر صديق لإسرائيل في تاريخ الولايات المتحدة"، وكشفت الاستطلاعات على أن نسبة من يرون ترامب بشكل إيجابي تصل إلى نحو 70 % من الإسرائيليين، وذلك مقابل 38 % ينظرون بشكل إيجابي إلى رئيس حكومتهم نتنياهو، وقد تباهى ترامب نفسه بذلك، وقال إن شعبيته في إسرائيل أكبر من شعبية نتنياهو، لكن كل ذلك تغير في الفترة الأخيرة، إذ أظهرت نتائج استطلاع أخيرأن شعبية الرئيس ترمب تحطمت بين الإسرائيليين، وأن 54 % منهم ينظرون إليه بشكل سلبي، وفي آخر استطلاع أن 63 % من المستطلعين يعتقدون أن على نتنياهو أن يعمل بموجب المصالح الإسرائيلية، حتى لو كانت تتناقض مع طلبات الرئيس الأميركي ترامب، وقال 18% إن على نتنياهو الاستجابة لطلبات ترامب.
وأقول لكم، إن إسرائيل ولبنان وقعتا اتفاقا إطاريا لإنهاء القتال بين إسرائيل وجماعة حزب الله اللبنانية المدعومة من إيران، ووصف الطرفان الاتفاق بأنه خطوة مبدئية تدعو حزب الله إلى نزع السلاح وإسرائيل إلى سحب قواتها من لبنان، فيما قال حزب الله إنه ليس جزءاً من هذا الاتفاق ما يفتح الباب للحرب الأهلية في لبنان، وكشفت وزارة الخارجية الأمريكية، نص الاتفاق المبرم بوساطة أمريكية في العاصمة الأمريكية، وقالت الوزارة، في بيان، تؤكد حكومتا إسرائيل ولبنان، بدعم كامل من الولايات المتحدة الأمريكية برئاسة الرئيس دونالد ترامب، هدفهما المشترك المتمثل في تحقيق سلام وأمن دائمين، يتكون الاتفاق الاطاري بين الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان من 14 بنداً لإنهاء الصراع بشكل نهائي، ومعالجة أسبابه الجذرية، وبالتالي إنهاء أي حالة حرب بينهما بشكل رسمي، وتلتزم حكومتا إسرائيل ولبنان بعملية متبادلة ومتسلسلة، بشروط واضحة، يقوم بموجبها الجيش اللبناني باستعادة سيادته الفعلية على كامل الأراضي اللبنانية، ريثما يتم التحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية وتفكيك البنية التحتية المرتبطة بها، ما يُمكّن الجيش الإسرائيلي من إعادة الانتشار تدريجياً خارج الأراضي اللبنانية، وسيتم تفصيل مكونات هذه العملية في ملحق أمني، تم إعداده بدعم كامل من الولايات المتحدة، والذي سيكمل هذا الإطار، وسيحدد الإطار التدابير اللازمة والترتيبات الأمنية وآليات التحقق لدفع هذه العملية قُدماً وانسحاب إسرائيل من الجنوب، وقد اتفق الجيشان الإسرائيلي واللبناني مبدئياً على منطقتين، وسيتم الاتفاق على مناطق تجريبية مستقبلية بالتراضي، وتؤكد حكومة إسرائيل أن إنهاء هذا التهديد، من خلال نزع سلاح هذه الجماعات وتفكيكها في جميع أنحاء لبنان، إضافة إلى ترتيبات أمنية إضافية يتم الاتفاق عليها بين البلدين، سيقضي على أي حاجة مستقبلية للعمل العسكري أو الوجود العسكري الإسرائيلي في لبنان، وتعلن حكومة إسرائيل أنها لا تملك أي مطامع إقليمية في لبنان، وتلتزم الحكومتان بإنشاء مجموعة تنسيق عسكري، بدعم ومشاركة من الولايات المتحدة، لضمان التنفيذ الشامل لهذا الإطار، كما تلتزم إسرائيل ولبنان باتخاذ تدابير قائمة على حسن النية وتُظهر نوايا إيجابية، بما في ذلك وقف جميع الأعمال العدائية أو المناوئة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية، كما تتعهدان بالعمل على البحث عن الرفات وإعادتها والإفراج عن المحتجزين، وأخيراً تقر الحكومتان بدور الولايات المتحدة في دعم جهودهما لإنهاء عقود من الصراع وإرساء استقرار دائم وسلام شامل بين البلدين.
--------------------------------
بقلم: أحمد الشامي
[email protected]






