تنطلق رواية "أشباح الأمومة" للروائية وكاتبة السيناريو والمخرجة والأكاديمية من إقليم الباسك في إسبانيا "كاتشا أجيرّي" من حادثة صادمة: امرأة تُتهم بقتل طفليها التوأمين. لكن الرواية ليست رواية جريمة بالمعنى التقليدي، بل تستخدم هذه الحادثة بوصفها نقطة انطلاق لاستكشاف أسئلة عميقة: هل الأمومة غريزة فطرية أم بناء اجتماعي؟ لماذا يُنظر إلى الأم باعتبارها كائناً لا يجوز أن يخطئ؟ ماذا يحدث عندما تصطدم هوية المرأة المبدعة أو الكاتبة بدورها كأم؟ هل يمكن للمجتمع أن يتقبل فكرة أن الأم قد تشعر بالاختناق أو الندم أو الرغبة في الهروب؟
حققت الرواية التي ترجمها أحمد عويضة وصدرت عن دار العربي هذا الأسبوع حضوراً واسعاً في أوروبا، وتُرجمت إلى أكثر من عشر لغات، وعدّها كثير من النقاد واحدة من أهم الروايات الأوروبية الحديثة التي تناولت الأمومة بعيداً عن الصور النمطية. كما يجري إعدادها لتحويلها إلى فيلم سينمائي.
منذ الصفحة الأولى تضع كاتشا أجيرّي القارئ أمام مشهد يبدو وكأنه النهاية لا البداية؛ إذ تصل خادمة المنزل "ميلاني" في صباح اعتيادي لتباشر عملها، فتجد طفلين قتيلين في سريرهما بينما أمهما في حالة من اللامبالاة، وتدرك "ميلاني" أن الأم "آليس إسبانيت" هي محور الكارثة، فتتصل بالشرطة، ويتحول البيت في لحظات إلى مسرح للجريمة. غير أن الكاتبة لا تستثمر هذا الحدث لبناء حبكة بوليسية تقوم على كشف القاتل أو ملاحقة خيوط الجريمة، لأن القاتل ليس لغز الرواية الحقيقي. فالجريمة هنا ليست سوى الشرارة التي تفتح بابًا واسعًا على أسئلة أكثر تعقيدًا تتصل بالأمومة، والهوية، والكتابة، وحدود قدرة الإنسان على فهم نفسه.
"قابلتُ تلك القاتلة ـ المزعومة ـ المتوحشة المجنونة "آليس إسبانيت" قبل أحد عشر عاما. نعم لقد التقينا وليس لقاء فحسب. لكننا عشنا مدة أسبوع في شقتين متقابلتين، لكن اسمها لم يكن "آليس إسبانيت" في ذلك الوقت. تذكرتُ كل شيء دفعة واحدة محاطة بزوبعة من الألم. كان من الصعب عليّ التعرف على وجهها لأنني كنت أتجنب الصور في وسائل الإعلام قدر الامكان، ولأنني لم أفكر فيها منذ آخر مرة رأيتها فيها. ولأن أحد عشر عاما لا تمر عبثا. ولكن خليط "البروستاجلاندين" و"الأوكسيتوسين" إلى جانب المعرفة القديمة المخزنة في القشرة المخية وضعا الحقيقة نصب عينيّ، لقد تعاملت مع المرأة البغيضة ـ كما يزعمون ـ وأنا شابة غضة لا أعرف شيئا عن الألم. سلبني ذلك الوحي أنفاسي".
منذ تلك اللحظة يتغير مسار السرد، فلا يعود معنيًا بتفاصيل التحقيق بقدر انشغاله بما يكمن خلف الحدث. القضية، بما تحمله من محاكمات وشهادات وتغطيات إعلامية، تبقى حاضرة، لكنها لا تستأثر بمركز الرواية، لأن الكاتبة تنقل مركز الثقل من الحدث إلى الوعي الذي يحاول استيعابه. وهنا تظهر الساردة التي كانت قد التقت الأم القاتلة وجاورتها مدة قبل سنوات، وهي روائية شابة تعيش تجربتها الأولى مع الحمل والولادة، ومن ثم الأمومة، وقد وجدت نفسها، بعد الولادة، أمام إحساس جارح بأن المرأة التي كانتها قبل الإنجاب أخذت تتوارى شيئًا فشيئًا خلف هوية واحدة هي هوية الأم. إنها لا تعاني من الأمومة بوصفها عبئًا، بل من ذلك التحول الصامت الذي يعيد تشكيل علاقتها بنفسها وبجسدها وبعملها وبالكتابة، حتى تغدو الكتابة نفسها سؤالًا لا يقل إلحاحًا عن سؤال الأمومة.

في هذه اللحظة تلتقي حياة الساردة بحياة أليس، الأم المتهمة بقتل طفليها. لكنها لا تلتقي بها لأنها تعرفها معرفة شخصية، ولا لأنها تبحث عن تفسير قانوني للجريمة، وإنما لأنها ترى فيها الاحتمال الذي يجعلها تعيد التفكير في تجربتها الخاصة. ولذلك فإن الرواية لا تجعل "آليس" بطلتها الحقيقية، بل تجعلها مرآة تعكس قلق الساردة وأسئلتها. فكلما حاولت الاقتراب من "آليس"، كانت تقترب في الوقت نفسه من نفسها، وكلما أعادت بناء تفاصيل تلك الجريمة، كانت تعيد اكتشاف التغيرات التي أحدثتها الأمومة في حياتها هي.
ولهذا لا تقدم أجيرّي "آليس" بوصفها شخصية مكتملة الملامح، بل تتركها تتشكل تدريجيًا عبر الوثائق، والشهادات، وذكريات الآخرين، وما يتسرب من حياتها الخاصة. إنها شخصية لا تسمح للقارئ بأن يصدر حكمًا نهائيًا عليها؛ فهي ليست وحشًا فقد إنسانيته، وليست ضحية تُرفع عنها المسؤولية، بل امرأة عادية دخلت تجربة الأمومة بما تحمله من حب واستنزاف، ومن أمل وخوف، ومن امتلاء وفراغ في آن واحد. وتكمن براعة الرواية في أنها ترفض أن تفسر الجريمة بعامل واحد، فلا المرض النفسي يكفي لتفسيرها، ولا الإرهاق، ولا العزلة، ولا ضغط المجتمع، لأن الإنسان في النهاية أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في تشخيص طبي أو حكم أخلاقي.
وإذا كانت "آليس" تمثل الوجه الأكثر قتامة لهذا التعقيد، فإن الساردة تمثل الوجه الآخر له. فهي لا تنحدر إلى المصير نفسه، لكنها تعيش الأسئلة ذاتها. إنها تخشى، كما تخشى كثير من الأمهات، أن تبتلع الأمومة هويتها القديمة، وأن تتحول الكتابة إلى ذكرى بعيدة، وأن تصبح الأمومة تعريفها الوحيد. ومن هنا تكتسب الكتابة في الرواية وظيفة تتجاوز التعبير الفني؛ إذ تغدو محاولة لاستعادة الذات قبل أن تذوب بالكامل في الدور الجديد. فمشروع الكتابة عن "آليس" ليس مشروعًا صحفيًا ولا بحثًا في جريمة، بل هو محاولة لفهم الذات عبر فهم الآخر، واستعادة الصوت الشخصي عبر الإنصات إلى مأساة امرأة أخرى.
وهنا تتكشف إحدى أهم أفكار الرواية، والتي تتمثل في أن الأمومة ليست مجرد حدث بيولوجي، بل تجربة تعيد بناء الإنسان من الداخل. فالولادة لا تمنح المرأة طفلًا فقط، بل تمنحها هوية جديدة، وهذه الهوية لا تأتي دائمًا في انسجام كامل مع الهوية السابقة. ولهذا تصر الرواية على تتبع تفاصيل جسد المرأة بعد الولادة، والإرهاق، والسهر، والرضاعة، والقلق، لأنها ترى أن التحولات الكبرى تبدأ من الجسد قبل أن تستقر في الوعي. فالجسد فيها ليس مجرد وعاء للحياة، بل هو المكان الأول الذي تُكتب عليه آثار الأمومة، ومنه تتولد بقية التحولات النفسية والوجودية.
أما الطفلان قتيلا أمهما، فلا تحولهما الرواية إلى رمزين للموت أو للحياة بقدر ما تجعلهما رمزًا للتحول الذي لا رجعة فيه. فمنذ ولادتهما لم تعد "أليس" المرأة التي كانتها من قبل، كما أن الساردة، بعد ولادة طفلها "إيريك"، لم تعد الشخص نفسه الذي عرفته قبل الأمومة. ولهذا لا يصبح السؤال: هل تحب الأم أبناءها؟ فهذا سؤال لا تناقشه الرواية أصلًا، وإنما يصبح السؤال: ماذا يحدث للمرأة عندما تصبح الأمومة مركز هويتها الوحيد؟ وهل يستطيع المجتمع أن يعترف بأن الحب العميق للأبناء لا يمنع شعور المرأة بالإنهاك أو الخوف أو فقدان جزء من ذاتها؟.
وتؤدي الأمكنة دورًا بالغ الدلالة في هذا بناء أجيري للرواية. فالبيت، الذي يفترض أن يكون أكثر الأماكن أمانًا، يتحول في الافتتاح إلى فضاء للجريمة، وكأن أجيري تريد أن تقول إن أكثر الانهيارات قسوة لا تأتي من الخارج، بل تتولد داخل أكثر الأمكنة حميمية/ البيت. فالبيت لا يظل مجرد مسرح للأحداث، بل يغدو صورة للعالم الداخلي للشخصيات؛ فكلما ضاقت الجدران ضاق معها الأفق النفسي، وكلما ازداد الصمت داخل الغرف ازداد شعور الشخصيات بالعزلة. لكن الناظر من الخارج مثل الجيران أو المحكمة أو الإعلام يسعون إلى إنتاج حقيقة جاهزة بعيدة كل البعد عن الحقيقة الإنسانية، بما فيها من تناقضات والتباسات إنسانية يصعب اختراقها.
تعتمد أجيري في سردها على بناء متشظٍ، ينتقل بين الحاضر والماضي، وبين الوثيقة والذاكرة، وبين الوقائع والتأملات، بحيث لا تتكشف الشخصيات دفعة واحدة، بل تتكون تدريجيًا فلا يكتمل شكلها إلا في الصفحات الأخيرة. وهذا التشظي الزمني لا يخدم التشويق وحده، بل يعكس أيضًا تشظي التجربة الإنسانية نفسها؛ إذ لا تتكون الحقيقة من رواية واحدة، وإنما من طبقات متعددة من الذاكرة والخبرة والانفعال.
وحين تبلغ الرواية نهايتها، لا تقدم أجيري تفسيرًا نهائيًا للجريمة، لأن التفسير النهائي يناقض فلسفتها. فالقضاء يستطيع أن يصدر حكمًا، والإعلام يستطيع أن يصنع رواياته الخاصة، لكن الأدب وحده هو الذي يستطيع أن يترك الأسئلة مفتوحة، وأن يعترف بأن الإنسان أكبر من أي حكم، وأكثر غموضًا من أي تفسير جاهز.
يبقى أن نؤكد على إن رواية "أشباح الأمومة" ليست في جوهرها رواية عن أم قتلت طفليها، بل رواية عن امرأة تحاول ألا تفقد نفسها وهي تصبح أمًا، وعن كاتبة تحاول أن تستعيد صوتها وتحافظ عليه عبر الكتابة، وعن مجتمع لا يزال ينظر إلى الأمومة بوصفها صورة مثالية لا تحتمل التناقض. إنها رواية تكشف أن أخطر ما تفعله الجريمة ليس إنهاك القانون أو صدمة الضمير، بل قدرتها على هدم الصور المريحة التي نصنعها عن أنفسنا. ومن هنا يبقى السؤال الذي تغادر به الرواية قارئها أكبر من الحادثة التي بدأت بها: ماذا يبقى من الإنسان عندما تعيد الحياة نفسها تشكيل هويته، وهل يمكن للكتابة أن تنقذ ما تعجز الحياة عن الاحتفاظ به؟.
----------------------------
محمد الحمامصي






