يبدو أن مواقف الشعوب وانحيازاتها وقناعتها لاتترجمها فقط كلمات صريحة او إحتجاجات صاخبة أو مظاهرات حاشدة خاصة إذا كانت تعانى من قيود تكبل حريتها وتقلص مساحات التعبير، وتئد أصوات المعارضة فيها. فتبحث دون أن تدرى عن أي وسيلة أخرى تعبر بها عن آرائها دون تحمل تبعات وخيمة يمكن أن تتكبدها إن هى أسفرت عن تلك الآراء.
فى مونديال كأس العالم هذا العام والمقام على الاراضى الأمريكية انعكس ذلك بوضوح ترجمته قلوب تعلقت بالساحرة المستديرة.. تابعت ركلات أقدام اللاعبين بعقول وانحيازات وأمنيات لفوز فرق دول بعينها إما لتشابه ظروفها مع مانعيشه من معاناة وأزمات .. او تقديرا لمواقف بلدانها السياسية الداعمة لقضايانا.
ربما لم يتعمد أحد إظهار تلك الانحيازات بشكل سافر. ربما بحث الكثيرون عن هدنة مؤقتة من ألاعيب السياسة القذرة.. يلتقطون فيها الأنفاس متجاهلين إحساسا بالعجز آملين تخفيف قدر ولو بسبط من وطاة الضغوط الثقيلة التى عاشوها سنوات. فرضت خلالها آلة حرب الإبادة سطوتها، بينما صمت آذان العالم عن سماع أصوات المقهورين وعجزت عن نجدتهم والضرب على يد عدو لايتوقف عن ممارسة فجوره بلا أدنى حد من الرحمة والإنسانية.
كان الحميع فى حاجة إلى هدنة ولو مؤقتة متوهمة. وجاء مونديال كأس العالم لكرة القدم ليمنحنا إياها.
لكن الأمل خفت تدريجيا ليس فقط لأن المونديال أقيم على الأراضى الأمريكية الداعمة الأكبر لحرب الابادة وصاحبة السجل الأسوأ فى التدخل فى سياسات الدول والمتحكم الأبرز فى مقدراتها ومصائرها. لكنها أيضا لم تستطع إخفاء وجهها المتغطرس القبيح خلال فعاليات المونديال. ولم تتوقف عن قرارات متربصة لكل من تصنفهم أعداء او على الأقل غير موالين لها فتفرض عليهم قيودا صارمة وإجراءات مجحفة ومرهقة تحت مزاعم أمنية بدا للجميع أنها مفتعلة واهية.
عانت عديد من الفرق ذلك التعسف وفى مقدمتها بالطبع القريق الإيرانى. والذى نال النصيب الأكبر من تلك القيود الصارمة التى قررتها السلطات الأمريكية بداية من حرمان ١٥ عضوا من الطاقم الفنى والإدارى من تأشيرات الدخول ومرورا بإجبار البعثة الرياضية على الإقامة فى المكسيك ودخول أمريكا يوم المباراة فقط وليس إنتهاء بالطبع برفض توفير المعدات الرياضية للفريق بسبب العقوبات المفروضة على إيران.
إجراءات تعسفية وصفها مدرب الفريق الايرانى بأن فريقه هو الأكثر إضطهادا فى المونديال الأمريكى.
تعاطفنا تلقائيا مع الفريق الإيراتى .. ربما جاء خروجه على يد الفريق المصرى ليقلل قدرا من الفرحة فى نفوس البعض وكأن لسان حالهم يرفض إلحاق الهزيمة بهم كرويا تضامنا مع موقفهم السياسى المناهض للغطرسة الأمريكية والوحشية الصهيونية.
دموع اللاعب الايرانى بعد إلغاء الهدف الذى أحرزه توقف البعض عندها وإن ترجم ذلك بروح ساخرة، فتخيل وجود ترامب كأحد حكام غرفة الفيديو المتابعة للمباراة عبر الشاشات. كأن وجوده وراء كل الشرور التى تلاحق الإيرانيين حتى فى الملاعب الخضراء.
رغم فرحتنا بفوز مصر إلا أن البعض تمنى عدم خروج إيران من المونديال على أيدينا. تمنينا لها صعودا مشرفا يتماهى مع موقفها الصامد ضد العنجهية الأمريكية حربا وسلما. دبلوماسية ومارثون مفاوضات.
لم نفرح لخروج إيران من المونديال على العكس جاءت فرحتنا كبيرة بخروج ألمانيا وهولندا.
هللنا لفوز المغرب وأورجواى.. الأول فريق عربى متميز ومحترف يزداد تألقه مباراة تلو أخرى ومونديال تلو آخر. وجاء هزيمته لهولندا صاحبة السجل السيئ لدعم الكيان والأسوا فى إنتهاك قدسية الأديان.
اما الفرحة بفوز أورجواى على ألمانيا فلم يكن فقط لأن الفريق الألماني لايحظى بأى قبول جماهيرى بسبب صرامته الخالية من أى مهارة او متعة، لكن أيضا لأن أورجواى تنتمى لشعوب دول الحنوب التى تكابد كى تجد لها مكانا تحت الشمس فى عالم محكوم يحكمه دول الشمال الأكثر قوة وسطوة وبطشا واستنزافا لثروات دول الجنوب والتحكم فى مقدراتها.
لم نستسلم للهدنة من السياسة كما حلمنا، فتعلقت قلوبنا فى المونديال رغما عنا مع جميع الأحرار الداعمين للقضية الفلسطينية وفى مقدمتهم اسبانيا التى لم يظهر شعبها وساستها وسعا لدعم القضية الفلسطينية بمواقف وقرارات وسياسات مشرفة تزيدنا إعجابا وتقديرا لها رغم شعورنا بالعجز أن يحذو ساستنا العرب حذوها.. فعلى الأقل ألا نكف عن دعمها كرويا فهو أبسط ما نفعله لرد الجميل.
هربنا الى المونديال لنلتقط أنفاسنا المتعبة ونتخفف قليلا من وطأة السياسة وحشية القبضة، فإذا هى تفرض نفسها علينا ثانية لدعم ركلات أقدام بعينها، وكان كرة القدم تحولت فى عيوننا إلى تجسيد حى لمشاكلنا وأزماتنا وقضايانا، نتابع ركلاتها بقوة كأنها تطيح معها ما نعانى منه من آلام ونحرز معها ما نحلم به من آهداف وانتصارات وآمال.
---------------------------
بقلم: هالة فؤاد






