01 - 07 - 2026

أدباء الطبيعة | بين الرافعي ومارتنسون

أدباء الطبيعة | بين الرافعي ومارتنسون

كلما قرأت لمصطفى صادق الرافعي أو لهاري مارتنسون خُيِّل إليَّ أن بين الرجلين وشيجةً خفية، على الرغم من أن أحدهما عاش على ضفاف النيل، والآخر بين غابات الشمال السويدي وبحيراته. فقد اختلفت اللغة والبيئة والثقافة، غير أن شيئاً واحداً جمع بينهما: الإيمان بأن الطبيعة ليست منظراً جميلاً فحسب، بل كتاباً مفتوحاً يقرأ فيه الإنسان شيئاً من نفسه، وشيئاً من العالم، وشيئاً من أسرار الوجود.

كان الرافعي ومارتنسون من أولئك الأدباء الذين لم ينظروا إلى الطبيعة بوصفها خلفية للأحداث أو زينة للعبارات، بل رأوا فيها مصدراً للحكمة ومفتاحاً لفهم الإنسان. وعلى الرغم من المسافة التي تفصل بين ضفاف النيل وغابات الشمال السويدي، فإن كليهما جعل من الطبيعة لغةً يقرأ بها الحياة ويقرأ بها نفسه.

أما الرافعي فقد كان يقف أمام الطبيعة وقفة المتأمل الذي يرى وراء الصورة معناها. فالورد عنده ليس زهرةً وحسب، بل حكمة مختصرة في الجمال والزوال، والشجرة ليست نباتاً صامتاً، بل قصة من قصص الحياة. لذلك قال: «عمر الورد فصل من السنة، أما الشوك فعمره ما بقيت الشجرة وما بقي حطبها». وما هذه العبارة في حقيقتها إلا تأمل في الحياة نفسها؛ ففيها من الجمال ما يمر سريعاً، وفيها من الآلام ما يطول أثره ويقيم.

أما هاري مارتنسون فكان يقترب من الطبيعة بطريق آخر. لم يكن يبدأ بالحكمة ثم يكسوها صورة، بل يبدأ بالصورة نفسها ثم يتركها تقوده إلى الحكمة. كان يقف أمام بقعة عشب تمتص دفء الشمس بعد شتاء طويل، أو يتأمل فراشةً تحط على زهرة، أو طائراً يشق طريقه فوق المستنقعات، ثم يكتشف في هذه التفاصيل الصغيرة معنى أكبر من حجمها. حتى قيل إن شعره قادر على الإمساك بقطرة الندى وجعلها تعكس الكون بأسره.

ومع ذلك فإن الطريقين، على اختلافهما، يلتقيان عند نقطة واحدة. فالرافعي يرى أن الشاعر يقرأ كلام الطبيعة مترجماً إلى لغة النفس، ومارتنسون يرى أن اللقاء بالطبيعة هو اللقاء بالحياة نفسها. فكلاهما كان يؤمن بأن الأشياء لا تقف عند ظاهرها، وأن وراء كل زهرة معنى، ووراء كل غروب رسالة، ووراء كل فصل من فصول السنة درساً خفياً.

فالناس يرون الشجرة، أما هما فيريان الزمن وهو يعمل داخلها. والناس يرون النهر، أما هما فيريان العمر وهو يمضي في صمت. والناس يرون الفصول تتعاقب، أما هما فيريان برهاناً متجدداً على أن التغير ليس عارضاً في الحياة، بل هو قانونها الأكبر.

ولعل أجمل ما في كتابتهما أنهما أعادا إلى الأشياء البسيطة قيمتها التي كادت تضيع وسط صخب الحياة. فالرافعي كان يرى أن السر الذي انبثق في الطبيعة يريد أن ينبثق في النفس أيضاً، ولذلك كان يقف أمام جمالها فيتدفق ويهتز ويطرب. أما مارتنسون فكان يلتقط من العشب والندى والفراشات ما يجعل القارئ يشعر أن الكون كله يسكن في التفاصيل الصغيرة التي نمر بها كل يوم دون انتباه.

وهنا يبدو الفرق بينهما جميلاً بقدر ما يبدو التشابه بينهما عميقاً. فمارتنسون يصعد من الطبيعة إلى الحكمة، والرافعي ينزل بالحكمة إلى الطبيعة. والأول يرى العالم بعين المراقب المندهش، والثاني يراه بعين الأديب الذي يرد كل شيء إلى معنى روحي أو إنساني. لكن النتيجة واحدة في الحالتين: أن الطبيعة ليست مجرد إطار للحياة، بل واحدة من أعظم معلميها.

ولهذا كانت كتاباتهما تدعوني إلى التمهل قليلاً؛ إلى الوقوف أمام شجرة أو زهرة أو طريق ريفي، لا لأتأمل الطبيعة وحدها، بل لأتأمل نفسي أيضاً. فربما كانت الطبيعة مرآة كبرى لا نرى فيها العالم فحسب، بل نرى فيها أعمارنا وهي تمضي، وأحلامنا وهي تتبدل، وأيامنا وهي تتحول بهدوء إلى ذكريات.

وإذا كان الرافعي قد جعل من الوردة رمزاً للجمال والحكمة، فإن مارتنسون جعل من قطرة الندى مرآةً للكون. وكلاهما انتهى، بطريقته الخاصة، إلى الإنسان. ولذلك لم يكن غريباً أن يختم مارتنسون أحد أعماله بقوله: «أنت فقط من يجعل العالم خيراً، وأنت فقط من يمكنه إحالة الظلام نوراً». وهي عبارة كان الرافعي سيجد فيها صدىً لكثير من تأملاته؛ لأن الجمال في نظرهما لم يكن غاية في ذاته، بل وسيلة ليصبح الإنسان أكثر بصيرة وخيراً.

وهكذا يبقى الرافعي ومارتنسون، على اختلاف اللغة والثقافة، شاهدين على حقيقة واحدة: أن الطبيعة ليست درساً في الجمال فحسب، بل درس في الحياة أيضاً. ومن أحسن قراءة الطبيعة، أحسن قراءة نفسه، ومن أحسن قراءة نفسه، أحسن قراءة العالم.
--------------------------------
بقلم: 
د. سعيد العويم
* كاتب وأكاديمي اماراتي

مقالات اخرى للكاتب

أدباء الطبيعة | بين الرافعي ومارتنسون