01 - 07 - 2026

سقوط الرجال قبل سقوط الأوطان

سقوط الرجال قبل سقوط الأوطان

لا تسقط الأوطان حين تُهزم جيوشها فقط، ولا حين تتراجع اقتصاداتها، ولا حتى حين تتكالب عليها الأخطار من الخارج. الأوطان تسقط أولًا عندما يسقط الرجال الذين أوكلت إليهم مسؤولية حمايتها. تسقط عندما تتحول القيادة إلى امتياز، والسلطة إلى غنيمة، والمناصب إلى حصون مغلقة لا يدخلها إلا أهل الثقة، لا أهل الكفاءة

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي أمة ليس عدوًا على حدودها، بل عجزًا في عقول من يتصدرون المشهد. فالأعداء يمكن مواجهتهم، والأزمات يمكن تجاوزها، أما حين يصبح الضعف هو من يحكم، والتردد هو من يقرر، والمصلحة الشخصية هي من ترسم السياسات، فإن الخطر يصبح مقيمًا في قلب الدولة نفسها

لقد أصبحت بعض النخب الحاكمة تتعامل مع الأوطان كما لو كانت ملكية خاصة، لا مسؤولية عامة. تتحدث باسم الشعوب أكثر مما تستمع إليها، وتطلب الثقة دون أن تقدم كشف حساب، وتطالب بالصبر بينما تعجز عن تقديم رؤية واضحة للخروج من الأزمات التي ساهمت في صناعتها أو في تعقيدها

والمفارقة المؤلمة أن كثيرًا من المسؤولين لا يخشون الفشل بقدر ما يخشون الاعتراف به. لذلك تتحول الأخطاء إلى إنجازات معلنة، والإخفاقات إلى انتصارات إعلامية، والواقع إلى رواية رسمية لا تشبه ما يراه المواطن في حياته اليومية. وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية، لأن الحاكم الذي يفقد القدرة على رؤية الحقيقة يصبح غير قادر على إصلاحها

إن الأمم لا تحتاج إلى قادة معصومين، لكنها تحتاج إلى قادة صادقين. تحتاج إلى من يواجهون المشكلات لا من يخفونها، وإلى من يعترفون بالأخطاء لا من يبحثون عن شماعات يعلقون عليها فشلهم. فالتاريخ لم يحترم يومًا من ادعوا الكمال، لكنه احترم من امتلكوا شجاعة المراجعة والتصحيح

لقد عاشت أمتنا عقودًا طويلة تحت وطأة ثقافة خطيرة؛ ثقافة تجعل الولاء أهم من الكفاءة، والتصفيق أهم من الإنجاز، والصورة أهم من الحقيقة. وفي ظل هذه الثقافة تراجعت مؤسسات، وضاعت فرص، وتبددت طاقات كان يمكن أن تصنع مستقبلًا مختلفًا للأجيال القادمة

إن المشكلة ليست في قلة الكفاءات، فالأمة العربية ما زالت تنجب العلماء والمفكرين والخبراء والمبدعين. المشكلة أن كثيرًا من أصحاب القرار لا يبحثون عن أفضل العقول، بل عن أكثر الأصوات طاعة. ولذلك نجد أن أبواب التقدم تُغلق أمام القادرين على البناء، بينما تُفتح أمام من يجيدون ترديد ما يريد المسؤول سماعه

وعندما يحدث ذلك، تتحول الدولة تدريجيًا إلى مسرح كبير. الجميع يؤدي دوره أمام الكاميرات، بينما تتراكم الأزمات خلف الستار. تقارير متفائلة، وبيانات مطمئنة، وخطابات مفعمة بالوعود، لكن المواطن لا يجد أثرًا حقيقيًا لكل ذلك في تفاصيل حياته اليومية. وبينما تنشغل السلطة بإدارة الصورة، يواصل الواقع كشف ما تحاول الصورة إخفاءه

إن أكبر خيانة يمكن أن تُرتكب بحق أي وطن ليست سرقة المال العام فقط، بل سرقة الأمل. حين يفقد الشباب ثقتهم في العدالة، وحين يشعر أصحاب الكفاءة أن الطريق مغلق أمامهم، وحين يقتنع المواطن أن جهده لن يغير شيئًا، تكون الأمة قد دخلت مرحلة خطيرة من الاستنزاف المعنوي يصعب علاجها بالشعارات والخطب

ولذلك فإن الحديث عن الإصلاح لا يمكن أن يبقى مجرد كلمات تُقال في المناسبات. الإصلاح يبدأ عندما يخضع الجميع للمساءلة. عندما تصبح المناصب مسؤولية لا حصانة. عندما يُكافأ الناجح ويُحاسب المقصر. عندما تكون مصلحة الوطن فوق الحسابات الشخصية والسياسية الضيقة

إن الشعوب لا تطلب المستحيل. لا تطلب من حكامها أن يصنعوا المعجزات، لكنها تطلب منهم الحد الأدنى من الصدق والكفاءة والعدل. تطلب منهم أن يشعروا بوجع الناس قبل أن يطالبوهم بالصبر. وأن ينظروا إلى الواقع كما هو، لا كما تصوره لهم التقارير المزينة ومجالس المديح

لقد أثبت التاريخ أن كل سلطة اعتقدت أن بقائها أهم من مصلحة وطنها انتهت إلى الزوال. وكل نظام ظن أن السيطرة على الأصوات تكفي للسيطرة على الحقائق اكتشف متأخرًا أن الحقيقة لا تموت، وأن الشعوب قد تصمت أحيانًا لكنها لا تنسى.

إن الأمة اليوم لا تعاني من نقص في الرجال بمعناهم البيولوجي، بل من ندرة الرجال بمعناهم الأخلاقي والوطني. رجال يضعون الوطن قبل المنصب، والحقيقة قبل المصلحة، والواجب قبل المكاسب.

رجال لا يخافون من قول الحقيقة مهما كانت مؤلمة، لأنهم يعلمون أن الأوطان لا تُنقذ بالكذب عليها

فما نراه اليوم في كثير من مواقع القرار ليس أزمة إمكانيات بقدر ما هو أزمة شجاعة. وليس أزمة موارد بقدر ما هو أزمة ضمير. وليس أزمة أوطان بقدر ما هو أزمة رجال

وعندما تستعيد الأمة رجالها الحقيقيين، سيصبح إصلاح الاقتصاد ممكنًا، وإصلاح السياسة ممكنًا، وإصلاح المؤسسات ممكنًا. أما إذا بقيت الكفاءة أسيرة الأبواب المغلقة، وبقيت المناصب حكرًا على أهل الولاء لا أهل الجدارة، فإننا سنواصل الدوران في الحلقة ذاتها مهما تغيرت الوجوه والعناوين

فالأوطان لا يقتلها الفقر أولًا، ولا الحصار أولًا، ولا المؤامرات أولًا

الأوطان يقتلها أن يتولى أمرها من لا يدركون حجم الأمانة التي يحملونها.
---------------------------------
بقلم: محمد عبدالمجيد هندي


مقالات اخرى للكاتب

سقوط الرجال قبل سقوط الأوطان