لم تعد التحركات العسكرية المصرية في شبه جزيرة سيناء تُقرأ داخل إسرائيل باعتبارها مجرد إجراءات أمنية مرتبطة بمكافحة الإرهاب أو حماية الحدود الشرقية، وإنما أصبحت تمثل أحد أبرز الملفات المطروحة على أجندة التقديرات الاستراتيجية للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية. فبينما تؤكد القاهرة أن جميع إجراءاتها العسكرية تأتي في إطار حقها السيادي في حماية أمنها القومي، ترى دوائر إسرائيلية أن حجم التطوير العسكري والبنية العملياتية التي تشهدها سيناء يتجاوزان متطلبات الأمن الداخلي، ويفرضان إعادة تقييم موازين القوى في الجبهة الجنوبية لإسرائيل.
هذا القلق الإسرائيلي لا يرتبط بوجود مؤشرات على مواجهة عسكرية وشيكة أو انهيار لاتفاقية السلام، وإنما يعكس تغيراً أعمق في البيئة الاستراتيجية التي تعمل فيها إسرائيل منذ السابع من أكتوبر 2023. فالحرب الممتدة في غزة، والتصعيد مع حزب الله على الجبهة الشمالية، والضربات المتبادلة مع إيران، والتهديدات القادمة من اليمن، واستمرار التوتر في الضفة الغربية، جميعها دفعت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى إعادة النظر في منظومة تقدير المخاطر، بحيث لم تعد تقيم الدول المجاورة وفق نواياها السياسية فقط، وإنما وفق قدراتها العسكرية الكامنة وإمكانات تعبئتها المستقبلية.
لقد خضعت سيناء، منذ توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، لترتيبات أمنية خاصة قسمت شبه الجزيرة إلى مناطق ذات مستويات مختلفة من التسليح والانتشار العسكري، بما يضمن تقليص احتمالات الاحتكاك المباشر بين الجيشين. إلا أن التحولات التي شهدتها المنطقة خلال العقدين الأخيرين، وفي مقدمتها صعود التنظيمات الإرهابية في شمال سيناء، وانهيار البيئة الأمنية في بعض دول الجوار، ثم الحرب المستمرة في قطاع غزة، دفعت القاهرة إلى إعادة النظر في فلسفة الانتشار العسكري داخل شبه الجزيرة.
فلم تعد سيناء بالنسبة إلى المؤسسة العسكرية المصرية مجرد منطقة فاصلة، بل أصبحت تمثل عمقاً عملياتياً متقدماً وخط الدفاع الأول عن الأمن القومي المصري، وهو ما انعكس في تطوير شبكة واسعة من الطرق العسكرية، ومحاور الحركة، والأنفاق أسفل قناة السويس، ومنشآت الإسناد اللوجستي، ومراكز القيادة والسيطرة، بما يسمح بتحريك القوات بين الوادي وسيناء بسرعة وكفاءة غير مسبوقتين.
ومن المتعارف عليه في الأدبيات الاستراتيجية الحديثة أن القوة لا تُقاس بحجم القوات المنتشرة في منطقة معينة، وإنما بقدرة الدولة على الحشد السريع وإعادة الانتشار واستدامة العمليات. ولذلك، فإن ما يلفت انتباه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ليس فقط عدد الوحدات الموجودة في سيناء، وإنما انخفاض "زمن التعبئة"، وتحسن قدرة القوات المصرية على إعادة الانتشار بين مختلف الاتجاهات الاستراتيجية إذا فرضت التطورات ذلك.
وكمؤشر على التحول في العقيدة العملياتية المصرية، تكشف عملية تحديث القوات المسلحة المصرية خلال السنوات الأخيرة عن تحول تدريجي من مفهوم الدفاع الحدودي التقليدي إلى مفهوم أكثر مرونة يقوم على الجاهزية العملياتية والانتشار السريع. وهو التحول الذي يستند إلى دمج مختلف الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة ضمن نموذج "العمليات متعددة المجالات" Multi-Domain Operations، الذي يقوم على التكامل بين القوات البرية والجوية والبحرية والدفاع الجوي، مدعوماً بمنظومات القيادة والسيطرة والاستطلاع والاتصالات، بما يتيح إدارة العمليات في الزمن الحقيقي، وتسريع دورة اتخاذ القرار، وزيادة كفاءة التنسيق بين مختلف الأسلحة.
وفي هذا الإطار، لم يعد تطوير سيناء يقتصر على إنشاء قواعد أو زيادة أعداد القوات، بل شمل بناء منظومة متكاملة للإسناد اللوجستي، ومستودعات الذخيرة والوقود، وشبكات الاتصالات المؤمنة، ومناطق التجمع، ومحاور الحركة التي تمنح القوات المسلحة قدرة أكبر على استدامة العمليات لفترات طويلة، سواء في مهام مكافحة الإرهاب أو في مواجهة تطورات إقليمية طارئة، ويتمثل ذلك فيما يعرف بـ"مضاعفات القوة"Force Multipliers، لأنها ترفع الكفاءة العملياتية للقوات دون الحاجة إلى مضاعفة حجمها العددي.
وعلى الجانب الآخر وحتى حرب غزة دأبت القراءة الإسرائيلية على تقدير النوايا السياسية للدول المحيطة كأحد المؤشرات المهمة للاستقرار. غير أن هجوم السابع من أكتوبر أحدث تحولاً جذرياً في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، بعدما كشفت الأحداث حدود الاعتماد على تقديرات النوايا وحدها. ومنذ ذلك الحين، اتجهت المؤسسة العسكرية إلى إعطاء أولوية أكبر لتقييم القدرات العسكرية والبنية التحتية ومستويات الجاهزية، باعتبارها مؤشرات أكثر استقراراً من التحولات السياسية.
ولهذا، لم يعد الاهتمام الإسرائيلي يتركز على حجم القوات المصرية في سيناء فقط، وإنما امتد إلى مراقبة كفاءة البنية التحتية، وسرعة الانتشار، ومستوى الجاهزية العملياتية، ومعدلات التدريب، وقدرة منظومات القيادة والسيطرة على إدارة عمليات واسعة النطاق. بعبارة أخرى، فإن إسرائيل تراقب "ما تستطيع مصر القيام به"، وليس "ما تنوي القيام به".
بعبارة أخرى، لا يمكن فهم الاهتمام الإسرائيلي المتزايد بسيناء بمعزل عن الضغوط العملياتية التي تواجهها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية حالياً. فالجيش الإسرائيلي يعمل منذ أشهر في بيئة تتسم بتعدد الجبهات وتشابك التهديدات، وهو ما فرض استدعاء قوات الاحتياط لفترات ممتدة، وإعادة توزيع الألوية بين قطاع غزة والجبهة الشمالية والضفة الغربية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الجاهزية تجاه أي تطورات مرتبطة بإيران أو البحر الأحمر. وقد أدى هذا الواقع إلى استهلاك كبير للموارد البشرية واللوجستية، وإلى رفع العبء على منظومات الاستخبارات والقيادة والسيطرة، التي أصبحت مطالبة بمتابعة عدد أكبر من مسارح العمليات في الوقت نفسه. وفي مثل هذه البيئة، فإن ظهور أي متغير عسكري جديد، حتى وإن لم يكن يمثل تهديداً مباشراً، يفرض على المؤسسة العسكرية تخصيص موارد إضافية للمراقبة، وتحديث خطط الطوارئ، وإعادة تقييم أولويات الانتشار، وهو ما يفسر تصاعد الاهتمام الإسرائيلي بالتطورات في سيناء. بالتالي، فإن ما تصفه بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية بأنه "قلق" لا يعكس بالضرورة توقع مواجهة مع مصر، وإنما يعبر عن حالة مراجعة استراتيجية فرضتها الضغوط العملياتية المتراكمة والحاجة إلى إعادة توزيع الموارد في بيئة أمنية غير مسبوقة.
أما على مستوى البنية اللوجستية، يدرك المخططون العسكريون أن الحروب الحديثة لا تُحسم بعدد الدبابات والطائرات فقط، وإنما بكفاءة منظومة الإسناد اللوجستي. فشبكات الطرق والأنفاق ومخازن الوقود والذخيرة ومراكز الصيانة والقواعد الجوية ومراكز القيادة والسيطرة تشكل مجتمعة البنية التي تسمح بتحويل القوة النظرية إلى قوة عملياتية فعلية. وفي هذا السياق، تنظر بعض التقديرات الإسرائيلية إلى تطوير البنية التحتية العسكرية في سيناء باعتباره تحولاً أكثر أهمية من زيادة أعداد القوات، لأنه يمنح الجيش المصري قدرة أكبر على الحشد السريع واستدامة العمليات وإعادة الانتشار، وهي عناصر تدخل مباشرة في حسابات ميزان الردع.
ومما سبق يثار التساؤل حول ما إذا كان ميزان القوى قد تغير، وفي أي اتجاه؟ في هذا السياق، ورغم أن الحديث عن مواجهة عسكرية مصرية إسرائيلية لا يستند إلى معطيات واقعية في المرحلة الراهنة، فإن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تبدو معنية بمتابعة ما تعتبره تغيراً تدريجياً في ميزان القدرات، وليس في ميزان النوايا. فخلال العقد الماضي، نفذت مصر برنامجاً واسعاً لتحديث قواتها المسلحة شمل تطوير القوات الجوية والبحرية والدفاع الجوي، وتوسيع أسطولها البحري، وتعزيز قدرات النقل والإسناد والقيادة والسيطرة، إلى جانب تحديث البنية التحتية العسكرية في مختلف الاتجاهات الاستراتيجية.
وبالنسبة لإسرائيل، فإن هذا التطور لا يعني أن القاهرة تتجه إلى خيار عسكري، لكنه يعني أن الجيش المصري بات يمتلك مرونة عملياتية أعلى وقدرة أكبر على المناورة وإعادة الانتشار مقارنة بما كان عليه الوضع قبل سنوات. وهذا تحديداً ما يدفع مراكز التقدير الإسرائيلية إلى إدراج مصر ضمن الحسابات بعيدة المدى، حتى مع استمرار العلاقات السياسية المستقرة والتنسيق الأمني بين البلدين.
بشكل عام، لا يُعد تعزيز القدرات الدفاعية مؤشراً تلقائياً على نية هجومية، بل يمثل أحد أهم أدوات الردع الاستراتيجي. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم السياسة المصرية باعتبارها استجابة لبيئة إقليمية شديدة التقلب تتسم بتراجع اليقين الأمني وتنامي التهديدات غير التقليدية واحتمالات انتقال الأزمات الإقليمية إلى الحدود المصرية. وفي المقابل، تنظر إسرائيل إلى هذه التطورات من منظور مختلف، يقوم على أن القدرات العسكرية المكتسبة اليوم قد تصبح عاملاً حاسماً في أي بيئة استراتيجية مستقبلية، بصرف النظر عن طبيعة العلاقات السياسية الراهنة.
غاية القول، أن التحركات العسكرية المصرية في سيناء لا تعكس أزمة وشيكة بين القاهرة وتل أبيب، بقدر ما تكشف عن مرحلة جديدة من إعادة تشكيل الإدراك الأمني في الشرق الأوسط، فمصر تعيد بناء جاهزيتها العملياتية بما يتناسب مع بيئة إقليمية أكثر اضطراباً، بينما تعيد إسرائيل، تحت وطأة حرب ممتدة وتعدد الجبهات، مراجعة افتراضاتها التقليدية بشأن ميزان القوى والإنذار المبكر. ولذلك، فإن القلق الإسرائيلي لا يرتبط فقط بحجم القوات المصرية، وإنما بالتحول البنيوي في القدرات العملياتية والبنية اللوجستية والعقيدة العسكرية للقوات المسلحة المصرية، في وقت تواجه فيه إسرائيل ضغوطاً غير مسبوقة على منظومتها العسكرية. ومن المرجح أن يظل هذا الملف أحد أهم عناصر التقدير الاستراتيجي في المنطقة خلال السنوات المقبلة، ليس لأنه ينذر بصدام مباشر، بل لأنه يعكس انتقال المنافسة الأمنية من مراقبة النوايا إلى مراقبة القدرات، ومن حسابات الحاضر إلى رهانات المستقبل. والله أعلم
--------------------------------------
بقلم: د. طه علي أحمد






