06 - 07 - 2026

غزة بعد الحراك الفاشل: لماذا سقطت "ثورة 26 يونيو"؟

غزة بعد الحراك الفاشل: لماذا سقطت

فشل حراك 26 يونيو لم يكن مجرد نتيجة للقمع الأمني الذي مارسته حماس، كما يحلو للبعض تبسيط الأمر، بل كان الفشل أعمق وأمرّ: فهذة هي نوعيه الفشل في قراءة الواقع الاجتماعي والسياسي والنفسي لشعب غزة بعد أكثر من عامين من الحرب والدمار.

وجاءت الدعوات سريعة، خارجية الطابع في كثير من جوانبها، ولم تجد صدى واسعاً في الشارع. جزء كبير من السكان - المرهقين، المنقسمين، والمتمسكين برمز "الصمود" - لم يروا في الحراك خياراً واقعياً، بل مخاطرة جديدة في زمن لا يتحمل المزيد من المخاطر، و كان القمع موجوداً بلا شك من خلال تهديدات ليلية واستدعاءات وتحريض في المساجد وسلسلة تخوين واستهدافات شخصية، بل وصل الأمر لإقامه جبرية، لكنه لم يكن السبب الوحيد، بل الأساسي هو أن الأغلبية لم تكن مستعدة بعد. في واقع معقد، حيث انقسامات واستسلام ومستفيدون.

إن غزة اليوم مجتمع منهك، هناك من يستفيد مباشرة من استمرار الوضع من عناصر، وموظفين، وشبكات مساعدات، وهناك من رضي بالأمر الواقع تحت شعار "الله يرحم" و"هيك نصيبنا"، وهناك القلة المظلومة المكسورة - أولئك الذين ينامون في الخيام ويفقدون مستقبل أطفالهم - وهم لا يتجاوزون نسبة محدودة تنظيمياً.

فإن الحرب لم تكسر البنية العسكرية لحماس فقط، بل أنتجت تيارا يري التماسك الأجتماعي وأي انتقاد داخلي فتنة في زمن العدو، بعضهم خدم علي فكرة عدم النزول وبالتالي استفادت حماس، فهذا الواقع يحتاج إلى فهم علمي، ليس إلى حماسة افتراضية، ليعيد الجميع في مأزق المفاوضات.

في الوقت نفسه، وضعت حماس الوسطاء في مأزق حقيقي، إسرائيل تريد نزع السلاح بيد خارجية قوية وموثوقة دولية لتكون متأكدة 100% من النتيجة، وليس بيد جهة فلسطينية انتقالية قد تتحجج بأنها "مخترقة أو ضعيفة"، رغم أنها وافقت سابقاً على أسماء اللجنة الوطنية التكنوقراطية. الرد الإسرائيلي يهدف إلى تفكيك بنية حماس العسكرية والإدارية بشكل كامل قبل أي ترتيبات انتقالية حقيقية.

لو وافقت حماس من البداية على ترك الحكم وتسليم السلاح للجنة دون تلكؤ، لما وصلنا إلى هذه التعقيدات والحجج، والآن أصبح أي اتفاق صعباً في المدى القريب، وقد يترجم إلى تصعيد أو جمود طويل. اتفاق القاهرة لا يضمن نزعاً كاملاً تحت إشراف دولي، وإسرائيل تستغل الضغط لفرض رؤيتها لغزة "منزوعة السلاح"، بينما تتلاعب حماس بورقة الصمود والمعاناة الإنسانية. الموقف الرسمي لمصر يرفض تحويل قوة الاستقرار إلى احتلال، لكنه يتفق على عدم بقاء حماس في المشهد، مع تسليم سلاح تدريجي ومحدود للجنة الفلسطينية تحت إشراف عربي، ويدعم عودة السلطة الفلسطينية ولو انتقالية بصلاحيات أوسع، وربما نقل الحراك داخل الخيمة.. رمز الصمود نفسه.

ولعل الحل يكمن بدلاً من الدعوة للتظاهر في الشوارع تحت تهديد الرصاص والاعتقال، وجعل كل خيمة مركز توعية صغير، فيأتي دور المرأه الفلسطينية نفسها، مع نقاشات يومية هادئة بين العائلات عن مستقبل الأطفال الذين لم يدرسوا للعام الثالث، وعن الصحة المتدهورة، وجيل يُربى على الخراب و القراض والجرذان وحتي الأمراض الجلدية لم يسلموا منها. إن استخدام الخيمة كمنبر لإعادة بناء الوعي، قد يذكر العالم بالصمود الحقيقي ليس السكوت على الظلم الداخلي، بل المطالبة بحياة كريمة تليق بمن قاوم". فهذا الحراك "الصامت" أصعب على القمع، وأعمق تأثيراً، يبدأ من داخل بيوت الناس، لا من الخارج. يحول رمز الذل في الخيمة من قماش إلى رمز الوعي والمقاومة المدنية، لكن في خضم كل ما يجري، ينشغل الجميع قبل أي شيء بمعركة البقاء اليومية. همومهم الأساسية أصبحت كيف يطعمون أطفالهم، وكيف يوفرون الكهرباء أو أي مصدر للطاقة، ومن أين يأتون بالحطب، وكيف يصلحون خيامًا أنهكها الحر والبرد والرياح حتى باتت متهالكة لا توفر لهم الحد الأدنى من الأمان. هذه التفاصيل القاسية تختصر حجم المعاناة التي يعيشها المدنيون، حيث تحولت أبسط مقومات الحياة إلى تحديات يومية تستنزف طاقتهم وكرامتهم مما يصعب المهمة، فلا حل سحري.

إن التغيير يبدأ بجهد إعلامي وثقافي وديني مكثف يستهدف كل شرائح المجتمع، و يجب أن يدرك المواطن البسيط أن حياة الخيام ليست قدراً، وأن استمرارها يعني تدمير الأجيال، بعد بناء وعي سياسي واجتماعي حقيقي، نذهب إلى انتخابات حرة ونزيهة. انتخابات تأتي بعد توعية، لا قبلها. انتخابات 2006 جاءت في ظروف كارثية وأنتجت انقساماً. انتخابات اليوم بدون وعي ستكون أسوأ. وإن غزة تستحق قيادة تخدم شعبها، لا تستغله. الشعب قادر على التغيير، لكن بعد أن تستيقظ. الخيمة بديلا للقيادة التي نفتقر اليها لتوحيد الموقف، ليست نهاية التاريخ، بل يمكن أن تكون بداية الوعي، فالوقت ليس للعواطف، بل للعمل الجاد والطويل. غزة تنتظر جيلاً جديداً يفهم أن الصمود الحقيقي يبدأ بالكرامة الداخلية.
---------------------------------
بقلم: جورجيت شرقاوي


مقالات اخرى للكاتب

غزة بعد الحراك الفاشل: لماذا سقطت