29 - 06 - 2026

الجمهورية التي استعادت الملك

الجمهورية التي استعادت الملك

النظام - أي نظام - لا يتوارى ويختفي إلا وفق شروط موضوعية وتاريخية تتعلق باستنفاد مقومات وجوده. فسنوات الحكم الملكي الأخيرة في مصر، كان النظام يعمل خارج التاريخ، مستنفدًا يومًا بعد يوم مقومات وإمكانيات استمراره. فالاحتلال البريطاني لا يزال مسيطرًا ويمتلك القرار الحقيقي، رغم أن الدولة يرفرف على مؤسساتها أعلام الاستقلال. وفي الأثناء، هناك مجتمع يتقدم إلى الأمام، مُخلِّقًا قوى اجتماعية جديدة، فيما يعجز نظامه السياسي عن استيعاب هذا التحول الاجتماعي والتعبير عنه.

فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، لم يعد في مقدور الملكية أن تستمر كما هي وبالشكل ذاته. فالقوى الاستعمارية تتراجع، وحركات التحرر الوطني تصعد، فضلًا على تشكل طبقات اجتماعية جديدة داخل المدن الكبرى والجامعات، إلا أن النظام الملكي ظل حبيس بنية إقطاعية تسيطر عليها قوى الاستعمار.

ففي الأطراف والمناطق الفلاحية ظلت الملكيات الزراعية بيد فئة وطبقة صغيرة، فيما ملايين المصريين من الفلاحين يعملون كأجراء لدى الإقطاع. وفي المركز القاهري تشكلت طبقات من موظفي الدولة والمهنيين وضباط الجيش، إلا أنه تشكل كان معلقًا في الهواء، بمعنى أن هذه الفئات الاجتماعية الجديدة لم تمتلك موقعًا سياسيًا يكشف عن صعودها الاجتماعي. وبالتوازي، لم تستطع الطبقة السياسية آنذاك من الجماعة الليبرالية أن تمتلك مشروعًا سياسيًا واجتماعيًا للحكم، مما جعلها جزءًا من المأزق التاريخي الذي كانت الملكية تعيشه؛ فمن مؤسسات حكم لا تستطيع الحسم في أي مسألة هامة إلا بعد موافقة الاستعمار، مرورًا بتعددية حزبية وسياسية لا تحمل مشروعًا اجتماعيًا لتغيير الواقع الطبقي المؤلم، وصولًا إلى حالة من الاستقلال الشكلي الذي يخفي وراءه سياسة التبعية.

وحيث إن التناقضات هي ما تعمل على تحريك الموجودات على الأرض، برز الجيش باعتباره المؤسسة الأكثر تماسكًا وحداثة داخل هذه الملكية المتداعية. لم يأتِ الضباط الأحرار من الفراغ، ولم يكونوا مغامرين عسكريين، إنما جميعهم من أبناء الطبقة الوسطى الصاعدة، والتي رأت مجالًا سياسيًا مغلقًا لا يستطيعون من خلاله تمثيل مصالحهم الاجتماعية، فكان الدخول إلى الجيش هو باب الوصول إلى السلطة.

جاءت يوليو 1952 كحل سلطوي ومن أعلى لمعالجة التناقضات الاجتماعية وأزمة المجتمع السياسي والمجتمع ككل، محاولةً إعادة بناء الدولة عن طريق إنجاز المهمة الاجتماعية التي عجزت عنها الملكية الليبرالية، والمسألة السياسية المتمثلة في الاستقلال الوطني، فضلًا على التحديث والتعبير عن مصالح الشعب وتطلعاته. في هذه اللحظة وُلد العقد الاجتماعي للدولة الوليدة، وبطبيعته لم يكن عقدًا ديمقراطيًا، إنما جرى فيه الاتفاق على توزيع الرعاية والفوائض على مساحات أكبر من المواطنين، وبما يضمن شكلًا تنمويًا في مقابل احتكار السياسة ومصادرة المجال العام. وكانت الجمهورية الأولى آنذاك تُبنى على أساس مركزي وسلطوي وتحقيق العدالة الاجتماعية، وبما يفتح إمكانية الصعود الاجتماعي والوظيفي أمام الفئات الاجتماعية الفقيرة والمهمشة.

استطاعت الجمهورية الأولى أن تمتلك قاعدة اجتماعية للحكم وأرضية للشرعية السياسية، استطاعت من خلالها أن تنجز ما عجزت عنه الملكية لسنوات طويلة، كالإصلاح الزراعي وبناء صناعة وطنية وتوسيع الطبقة الوسطى، مما جعل الملايين من المصريين يشعرون أن الدولة ملكهم وتخصهم، وعلى أقل تقدير تعبر عنهم وتمثل مصالحهم، مما جعل الجمهورية الأولى تبدو على شكل وعد اجتماعي لا مجرد تمثل قانوني ودستوري؛ وعدًا اجتماعيًا ومشروعًا للتحرر الوطني وصيغة لإعادة توزيع الثروة وضمان الصعود الاجتماعي. إلا أنه، ورغم ذلك، كان التناقض كامنًا، فإضعاف الحياة السياسية ومصادرتها بالكامل، وإغلاق الأحزاب، وإلحاق النقابات بجهاز الدولة البيروقراطي العسكري، وتوسع الجهاز الأمني - كل ذلك - حوّل الدولة الوليدة من أداة لإدارة التناقضات الاجتماعية إلى جهاز للضبط الاجتماعي الخشن.

وكان لفترة السبعينيات والتحولات الاقتصادية الساداتية دور هام في استمرار تآكل العقد الاجتماعي لدولة يوليو 1952، فتقلصت بالتدريج كل الحصص التوزيعية على المواطنين، وبدأت الدولة الساداتية تنسحب من وظيفتها الاجتماعية، وتم إلحاقها بالسوق الرأسمالية العالمية. وبالتوازي مع تآكل الخدمات وصعود أنماط جديدة من الثروة قائمة بالأساس على السمسرة، فضلًا على تقلص التوظيف العام، بدأت الطبقة الوسطى تتفكك وتنكمش.

كان هذا التغير في طبيعة الدولة ووظيفتها يقتضي تغييرًا في عقدها الاجتماعي يسمح بالمشاركة السياسية والتمثيل السياسي وإعادة توزيع السلطة، وهذا لم يحدث، مما أدخل الجمهورية في أزمة عميقة؛ فالعقد الاجتماعي القديم يتآكل بينما لا يولد عقد جديد، مما أدخل الدولة في صراع مباشر مع المجتمع.

حاولت انتفاضة 28 يناير 2011 أن تكون أداة لتخليق عقد اجتماعي جديد، إلا أن الهزيمة السريعة كانت محصلتها، فضعف القوى المنتجة، وتشتت المجتمع السياسي وقواه الحية، وعدم تشكل قوى سياسية واجتماعية جادة ترغب في لحظة تأسيس جديدة، ناهيك عن عدم امتلاك مشروع للحكم، وتكاتف البيروقراطية العسكرية والقوى الإقليمية، كل ذلك عجّل بالهزيمة.

ومن هذا الفراغ تخلفت الجمهورية الجديدة، بوصفها النتيجة التاريخية لتحلل العقد الاجتماعي لدولة يوليو 1952. الجمهورية الجديدة لا تعد بأي شكل امتدادًا للجمهورية الأولى، إنما تناقضًا معها؛ فهي تحاول أن تبني شرعيتها بعيدًا عن أي طبقة أو قوى اجتماعية، بل بعيدة عن المجتمع ككل. فالسياسة تُستبدل بالإدارة والمشروعات الكبرى هي مصدر الشرعية لا الشعب. فالمواطن لم يعد شريكًا ضمن مشروع اجتماعي يسعى للاستقلال الوطني، إنما صار متلقيًا للخدمة ومطالبًا بسداد قيمتها. فالشرعية هنا لا تُستمد من الشعب، والجمهورية هنا لم يعد لها عقد اجتماعي، فالطاعة والصمت والإخضاع صاروا الأدوات المجانية للحكم بغير تعويض عن ذلك.

في تلك اللحظة صعدت ملامح الحكم الملكي داخل الجمهورية الجديدة؛ ملكية لا تعني العودة إلى ملك، إنما العودة إلى منطقها السياسي، حيث تتركز السلطة في يد شخص واحد، متجاوزًا كل المؤسساتية الجمهورية المتعارف عليها. فالحاكم هنا يظهر كضامن للاستقرار واستمرار الدولة، يحكمها بشكل فردي ومطلق متجاوزًا الشعب الغائب، الأمر الذي يفرغ الجمهورية من مضامينها التاريخية، فلا يبقى لها سوى الاسم، وللحد الذي أصبحت فيه الجمهورية بغير جمهور. فالجمهورية الجديدة تحمل الجمهورية كاسم، بينما تتآكل داخلها كل سمات الحكم الجمهوري، وتصعد في المقابل سمات الحكم الملكي، وبالشكل الذي تسترد فيه الجمهورية الجديدة ملكها.
-----------------------------
بقلم: محمد الخولي

مقالات اخرى للكاتب

الجمهورية التي استعادت الملك