29 - 06 - 2026

كيف كشفت حروب الشرق الأوسط حدود منظومة الدفاع الصاروخي الأمريكية؟

كيف كشفت حروب الشرق الأوسط حدود منظومة الدفاع الصاروخي الأمريكية؟

على مدى العقدين الماضيين، قُدمت منظومة الدفاع الصاروخي للارتفاعات العالية المعروفة بـ "ثاد" (THAAD) باعتبارها إحدى أكثر المنظومات الدفاعية تطورًا في الترسانة العسكرية الأمريكية، وركيزة أساسية في استراتيجية الردع الصاروخي التي تعتمدها واشنطن لحماية قواتها وحلفائها حول العالم. وقد رافق دخول النظام إلى الخدمة خطاب أمريكي ركز على قدرته على اعتراض الصواريخ الباليستية في المراحل النهائية من مسارها، سواء داخل الغلاف الجوي أو خارجه، بما يمنح الولايات المتحدة وحلفاءها مظلة دفاعية متقدمة ضد التهديدات الصاروخية المتزايدة. إلا أن المواجهات العسكرية التي شهدها الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، وخاصة التصعيد المتكرر بين إيران وإسرائيل، ثم المواجهات المباشرة التي شاركت فيها الولايات المتحدة في المنطقة، دفعت إلى إعادة تقييم أكثر واقعية للمنظومة بعيدًا عن الصورة الدعائية التي أحاطت بها منذ تطويرها. فقد أظهرت هذه الصراعات أن التحديات التي تواجه أنظمة الدفاع الصاروخي الحديثة لا تتعلق فقط بقدرتها التقنية على الاعتراض، وإنما أيضًا بقدرتها على الصمود والاستمرار في بيئة قتالية معقدة تتسم بالتشبع النيراني والاستنزاف طويل الأمد.

بشكل عام، لا يمكن إنكار أن منظومة ثاد أثبتت فاعلية كبيرة في اعتراض الصواريخ الباليستية، فالنظام يعتمد على تقنية "الاصطدام المباشر للتدمير" (Hit-to-Kill)، التي تسمح بتدمير الهدف عبر الطاقة الحركية الناتجة عن الاصطدام دون الحاجة إلى رأس حربي متفجر. كما يستفيد من رادار AN/TPY-2، أحد أكثر الرادارات تطورًا في العالم، والقادر على رصد وتتبع الأهداف الباليستية على مسافات بعيدة جدًا. غير أن النجاح العملياتي شيء، والنجاح الاستراتيجي شيء آخر. فالحروب الأخيرة أظهرت أن قدرة المنظومة على إسقاط الصواريخ لا تعني بالضرورة قدرتها على حسم معركة الاستنزاف التي أصبحت السمة الرئيسية للنزاعات الحديثة في الشرق الأوسط.

لقد بُنيت فلسفة ثاد أساسًا على مواجهة عدد محدود من الصواريخ الباليستية التي قد تطلقها دولة معادية خلال أزمة أو مواجهة قصيرة الأمد. أما اليوم، فقد تغيرت طبيعة التهديد بصورة جذرية؛ إذ بات الخصوم يعتمدون على هجمات مركبة تشمل الصواريخ الباليستية والصواريخ الجوالة والطائرات المسيّرة الانتحارية في آن واحد، وهو ما يفرض ضغوطًا غير مسبوقة على أي منظومة دفاعية مهما بلغت درجة تطورها. فقد كشفت الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط أن المشكلة الرئيسية لم تعد تكمن في دقة الاعتراض، بل في القدرة على التعامل مع الكثافة النيرانية المتزايدة؛ فبطارية ثاد الواحدة تضم ست منصات إطلاق فقط، تحمل ما مجموعه 48 صاروخًا اعتراضيًا. وعلى الرغم من أن هذا الرقم يبدو كبيرًا في الظروف الاعتيادية، فإنه يصبح محدودًا للغاية عند مواجهة موجات متتابعة من الهجمات الصاروخية.

وقد طورت إيران وحلفاؤها خلال السنوات الأخيرة مفهوم "الإغراق الدفاعي"، القائم على إطلاق أعداد كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة بصورة متزامنة بهدف استنزاف الدفاعات الجوية وإجبارها على استهلاك مخزونها الاعتراضي بسرعة. وفي مثل هذه السيناريوهات، لا يكون الهدف بالضرورة اختراق الدفاعات منذ الموجة الأولى، وإنما إنهاك المنظومة الدفاعية تمهيدًا لخلق ثغرات يمكن استغلالها لاحقًا، وهو تحدٍ يختلف جذريًا عن الافتراضات التي صُمم على أساسها ثاد في تسعينيات القرن الماضي.

ولعل أبرز ما كشفت عنه المواجهات الأخيرة هو اختلال التوازن الاقتصادي بين وسائل الهجوم ووسائل الدفاع؛ فوفق التقديرات الأمريكية، تبلغ تكلفة البطارية الواحدة من منظومة ثاد نحو 2.7 مليار دولار، بينما تصل تكلفة الصاروخ الاعتراضي الواحد إلى ما يقارب 12.7 مليون دولار. وفي المقابل، تستطيع بعض الطائرات المسيّرة الهجومية أو الصواريخ المستخدمة في المنطقة أن تحقق تأثيرًا عملياتيًا بتكلفة لا تتجاوز جزءًا ضئيلًا من هذا الرقم. وبالتالي، فإن المهاجم لا يحتاج إلى تحقيق اختراق عسكري حاسم بقدر ما يحتاج إلى فرض معادلة استنزاف اقتصادي على المدافع.

ومع مرور الوقت، تتحول كلفة الدفاع نفسها إلى عبء استراتيجي. وقد تجلى ذلك بوضوح خلال المواجهات مع إيران في عام 2025، حيث أشارت التقديرات إلى استهلاك عشرات الصواريخ الاعتراضية من طراز ثاد خلال فترة زمنية قصيرة. ورغم نجاح الاعتراضات، فإن هذا النجاح كشف في الوقت نفسه حجم الموارد المالية والصناعية المطلوبة للحفاظ على هذه الوتيرة من العمليات.

بجانب ذلك، فربما كان الدرس الأهم الذي أفرزته المواجهات الأخيرة هو أن المشكلة لا تتعلق فقط بعدد الصواريخ المتاحة، بل بسرعة تعويضها، فالتقديرات المتداولة تشير إلى أن نحو 92 صاروخًا اعتراضيًا من طراز ثاد استُخدمت خلال الحرب الإيرانية الإسرائيلية عام 2025، وهو ما يمثل نسبة ملحوظة من المخزون المتاح. والأكثر إثارة للقلق أن إعادة إنتاج هذه الصواريخ لا تتم بالسرعة نفسها التي تُستهلك بها في المعارك. فبعض التقديرات الأمريكية تشير إلى أن تعويض المخزون المستنزف قد يحتاج إلى فترة تتراوح بين ثلاث وثماني سنوات، وهو ما يعكس فجوة حقيقية بين القدرة الصناعية الأمريكية ومتطلبات الحروب الحديثة. ولعل هذه المسألة تكتسب أهمية مضاعفة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن الولايات المتحدة لا تستعد فقط لاحتمال مواجهة في الشرق الأوسط، بل تسعى في الوقت نفسه للحفاظ على جاهزيتها في شرق آسيا وأوروبا.

وعلى مستوى التغطية العملياتية، فرغم ما يمتلكه ثاد من قدرات متقدمة، إلا أنه ليس منظومة شاملة لمواجهة جميع أنواع التهديدات؛ فالنظام صُمم أساسًا لاعتراض الصواريخ الباليستية على ارتفاعات عالية، بينما تواجه المنطقة اليوم انتشارًا متزايدًا للصواريخ الجوالة والطائرات المسيّرة التي تحلق على ارتفاعات منخفضة وتتبع مسارات معقدة يصعب على ثاد التعامل معها بمفرده. ولهذا السبب تعتمد الولايات المتحدة على دمج ثاد ضمن شبكة متعددة الطبقات تشمل باتريوت وآرو والقبة الحديدية وأنظمة أخرى. غير أن هذا التكامل، رغم ضرورته، يزيد من تعقيد عمليات القيادة والسيطرة ويرفع كلفة الدفاع بصورة مستمرة. وهو ما تؤكد عليه التجارب الأخيرة التي تشير إلى أن التحدي الحقيقي لم يعد يتمثل في امتلاك منظومة متفوقة تقنيًا، بل في القدرة على تنسيق عمل مجموعة واسعة من المنظومات المختلفة تحت ضغط العمليات القتالية المكثفة.

في هذا السياق، يعتمد ثاد بصورة جوهرية على رادار AN/TPY-2 الذي يمثل العنصر الحاسم في عمليات الكشف والتتبع والاشتباك، ويُعد هذا الرادار من أكثر أنظمة الاستشعار تطورًا في العالم، إلا أن الاعتماد الكبير عليه يخلق في الوقت ذاته نقطة ضعف حرجة. فالحروب الحديثة أظهرت تصاعد أهمية الحرب الإلكترونية والقدرات المضادة للرادارات، كما أن المنشآت الرادارية أصبحت أهدافًا رئيسية في أي حملة عسكرية واسعة. ولهذا فإن أي ضرر يصيب هذه الرادارات، سواء عبر الهجمات المباشرة أو التشويش الإلكتروني أو الهجمات السيبرانية، يمكن أن يؤثر بصورة كبيرة على كفاءة المنظومة بأكملها، بغض النظر عن مستوى تطور الصواريخ الاعتراضية نفسها.

كما تكشف الأزمات الأخيرة عن مشكلة أقل ظهورًا لكنها لا تقل أهمية، وهي محدودية عدد بطاريات ثاد المتاحة للجيش الأمريكي. فالولايات المتحدة تمتلك ثماني بطاريات فقط، موزعة بين الأراضي الأمريكية وكوريا الجنوبية وغوام ومناطق انتشار أخرى. وقد اضطرت واشنطن خلال الأزمات الأخيرة إلى إعادة توزيع بعض هذه القدرات لدعم عملياتها في الشرق الأوسط. وهي الخطوات التي تعكس حقيقة أن الولايات المتحدة لا تمتلك فائضًا كبيرًا من منظومات ثاد يسمح لها بالتعامل بسهولة مع أزمات متزامنة في أكثر من مسرح استراتيجي. وفي حال اندلاع أزمة كبرى في منطقة المحيطين الهندي والهادئ بالتزامن مع مواجهة واسعة في الشرق الأوسط، فإن واشنطن قد تجد نفسها أمام معضلة صعبة تتعلق بتوزيع موارد دفاعية محدودة على جبهات متعددة.

الغاية أن حروب الشرق الأوسط لم تُثبت فشل منظومة ثاد، لكنها كشفت حدودها الواقعية؛ فقد أثبت النظام قدرته على اعتراض الصواريخ الباليستية وحماية الأهداف الحيوية، إلا أنه أظهر أيضًا أن التكنولوجيا المتقدمة وحدها لا تكفي لضمان التفوق في بيئة أمنية تتسم بالتشبع النيراني والاستنزاف طويل الأمد وعدم التماثل في التكاليف. بعبارة أخرى، فقد أظهرت التجارب الأخيرة أن التحدي الأكبر أمام الولايات المتحدة لا يكمن في تطوير صاروخ اعتراضي أكثر دقة أو رادار أكثر تطورًا، بل في إيجاد معادلة مستدامة اقتصاديًا وعسكريًا لمواجهة خصوم باتوا يدركون أن استنزاف الدفاعات قد يكون أكثر فاعلية من اختراقها. ومن هنا فإن مستقبل ثاد لن يتحدد فقط بقدراته التقنية، بل بقدرة الولايات المتحدة على التكيف مع طبيعة الحروب الجديدة التي تتشكل ملامحها بوضوح في الشرق الأوسط.
----------------------------------------
بقلم: د. طه علي أحمد


مقالات اخرى للكاتب

كيف كشفت حروب الشرق الأوسط حدود منظومة الدفاع الصاروخي الأمريكية؟