29 - 06 - 2026

هل تحررت البشرية أم استعبدتها الشهوة؟

هل تحررت البشرية أم استعبدتها الشهوة؟

يواجه عالمنا المعاصر أزمة فكرية حادة تجلت في تحريف مفهوم الحرية وتحويله من قيمة إنسانية سامية تولد من رحم المسؤولية إلى شيك على بياض يبرر التجاوزات السلوكية ويهدم الثوابت المجتمعية.

ولقد أصبحت المناداة بالانفلات المطلق ورفض الضوابط بدعوى الحرية الشخصية وسيلة لنشر الفوضى العبثية وإهداراً صارخاً لآدمية الإنسان وكرامته.

وقد تكلم الفيلسوف جان بول سارتر عن الحرية، والذي جعل الحرية قوام الوجود الإنساني وأكد أن حريتنا لا تتحقق إلا على مسرح حريات الآخرين فالإنسان ليس معزولاً وحريته تنتهي وتتشكل عندما تصطدم بحرية ووجود الآخر، مما يفرض التزاماً أخلاقياً يمنع تحول الحرية إلى تعدٍ على المجتمع.

ومن وجهة نظري لا وجود لما يسمى بالحرية المطلقة، فالكون كله من الذرة إلى المجرة محكوم بقوانين توازن صارمة والطائرة لا تحلق في السماء إلا بخضوعها التام لقوانين الفيزياء.

بناء على ذلك فإن الحرية الحقيقية ليست فكاكاً من الضوابط بل هي التزام يصون المجتمع ويحفظ بقاء النوع الإنساني من خلال الفطرة والتعايش الطبيعي بين الذكر والأنثى.

إن ما نشهده اليوم من ترويج لظواهر مثل "المثلية الجنسية" عبر الفضائيات والمنصات الرقمية والوسائل المختلفة ليس حداثة أو تنويراً، بل هو ارتداد نحو مجتمع همجي شهواني يضحي بالفضيلة والعفة في سبيل لذات زائفة.

والغريب أن المدعين عبر وسائل الإعلام عندما تتعارض الشعارات مع مصالحهم الشخصية، سرعان ما يسقط قناع التحرر لينقلبوا إلى دكتاتوريين مما يثبت أن الحرية لديهم مجرد وسيلة نفعية لخدمة الأهواء.

والمنفعة هنا ليست شخصية أو فردية لأحدهم فحسب، بل إن هناك منافع ومكاسب كثيرة أخرى تقف وراء هذه الادعاءات والترويج الممنهج وليس الأمر من منظور الحرية أبداً كما يزعمون

ولو نظرنا إلى مدعي الحرية من وجهة نظري نجد أنهم يريدون تشويه هذه الفطرة السليمة، ومحاولة تغيير هذه الفطرة تشبه تماماً إجبار آلة دقيقة على العمل بعكس التصميم الذي صنعت من أجله والنتيجة الحتمية لن تكون تطوراً أو حداثة بل عطل كلي وانهيار داخلي للمجتمع الإنساني بأسره.

وإن إلغاء الخطوط الحمراء باسم التحرر لن يصنع مجتمعاً حراً، بل سيقود البشرية إلى غابة يحكمها منطق الشهوة والنفعية وتتحول فيها الحرية المزعومة إلى عبودية كاملة للغرائز والمصالح الضيقة.

وبدون وقفة عقلانية جادة لحماية الفطرة وصيانة الوعي العام فإننا نمضي سريعاً نحو هلاك الحرث والنسل وتدمير الأمة.
-------------------------------------
بقلم: أسامة محمد
* باحث بقسم الفلسفة بآداب العاصمة

مقالات اخرى للكاتب

هل تحررت البشرية أم استعبدتها الشهوة؟