28 - 06 - 2026

باروكة الغش والتفوق الزائف!

باروكة الغش والتفوق الزائف!

عندما يتحول صالون الحلاقة إلى غرفة عمليات لـ التفوق الزائف، أحدث صيحات الغش في الثانوية العامة الباروكة الذكية!

كنتُ أزور صديقي الحلاق قبل العيد بيومين، أريد حلاقة شعري وتهذيبه لأستقبل أيام العيد بنظافة وترتيب وجمال كالمعتاد!

المحل هادئ نسبيا، ورائحة الكولونيا والشامبو تملأ المكان، فجأة دخل شاب في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة، يبدو متوترا ومتحمسا في آن واحد.

جلس الشاب على الكرسي بجانبي، وما إن بدأ الحلاق يتحدث معه حتى أخرج هاتفه وفتح صورا لباروكات (شعر مستعار) بألوان مختلفة، قال بصوت خافت لكنه متحمس «أريد تركيب باروكة، وليست باروكة عادية.. محتاج واحدة فيها مكان للسماعات اللاسلكية، وتكون طبيعية جدا بحيث لا أحد يلاحظها»!

ابتسم الحلاق ابتسامة واسعة، وقال: «يا صاحبي، دي آخر موضة في الغش ولا إيه؟»!

فأجاب الشاب بثقة: «أيوة يا عم، الثانوية العامة صعبة، والمواد كثيرة، والامتحانات طويلة، في ناس بتستخدم ساعات ذكية، وناس بتستخدم أقلام، الباروكة هتبقى أقوى حاجة، هضع السماعات الصغيرة جواها، ويكون معايا شخص خارج الفصل يرسل الإجابات».

ضحكتُ في سري، لكنني في الوقت نفسه شعرت بمزيج من الدهشة والأسف، شاب في مقتبل العمر، بدلا من أن يذاكر ويجهز نفسه للامتحان بجهد مشروع، يبحث عن تكنولوجيا للغش، ظاهرة الغش المتطور تقنيا!

هذه الحكاية ليست مجرد قصة طريفة حدثت في محل حلاقة بسيط، إنها تعكس واقعا أكبر يعيشه طلاب الثانوية العامة في مصر كل عام، مع تطور الهواتف الذكية والأجهزة اللاسلكية الصغيرة، تطورت معها أساليب الغش، من الورق الصغير المخبأ في الحذاء، إلى السماعات المخفية في الشعر المستعار، أصبح الطلاب ينافسون شركات التكنولوجيا في الابتكار.

الباروكة المزودة بسماعات ليست مجرد خدعة فردية، بل تمثل تحولا في ثقافة الطالب، بدلا من الاعتماد على الذاكرة والفهم، أصبح البعض يعتمد على «شبكة دعم خارجية» أثناء الامتحان، والأخطر أن هذا السلوك ينعكس على قيمة الشهادة نفسها، وعلى ثقة المجتمع في مخرجات التعليم.

والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا وصلنا إلى هنا؟

الإجابة ليست بسيطة، الضغط الهائل على الطلاب، خوف الفشل، المنافسة الشديدة على الكليات المرموقة، ضعف بعض المناهج، وأحيانا نقص الوعي الأخلاقي، كلها عوامل ساهمت في انتشار هذه الظاهرة، بعض الطلاب يرون في الغش حلا ذكيا وليس خيانة!

لكن الحقيقة المرة أن الغش، مهما تطور تقنيا، يبقى غشا، الشاب الذي سيدخل الامتحان بباروكة مليئة بالسماعات قد ينجح في الورقة، لكنه سيفشل في اختبار الشخصية والأمانة.

المواجهة الحازمة لتكنولوجيا اللجان بالمرصاد رغم ذكاء الحيلة، إلا أن وزارة التربية والتعليم طورت آليات التفتيش لتصبح أكثر صرامة من أي وقت مضى العصا الإلكترونية يتم تمرير أجهزة كشف المعادن على رؤوس الطلاب بدقة، وتستطيع هذه الأجهزة التقاط أي رقاقة إلكترونية أو بطارية مخفية تحت الباروكة فورا

كاميرات المراقبة بالذكاء الاصطناعي ترصد الكاميرات أي حركات غير طبيعية للرأس أو التفات مستمر، مما يضع الطالب تحت طائلة الشك فورا.

خرجتُ من محل الحلاق وأنا أفكر في هذا الجيل، جيل يمتلك ذكاء تكنولوجيا مذهلا، قادرا على ابتكار طرق غش متقدمة، لكنه في حاجة ماسة إلى إعادة توجيه هذا الذكاء نحو التعلم الحقيقي والإبداع المشروع.

ربما نحتاج إلى أكثر من مراقبة صارمة في لجان الامتحانات، نحتاج إلى حوار مجتمعي عميق حول قيمة الجهد والصدق، وإصلاح تعليمي يجعل الطالب يؤمن أن نجاحه الحقيقي يبدأ من داخل نفسه، لا من سماعة مخفية تحت باروكة.

وفي النهاية هل ستنجح الباروكة الذكية مع هذا الشاب؟ ربما .. لكن النجاح الحقيقي الذي يدوم هو الذي يُبنى على عرق الجبين، لا على شعر مستعار!
---------------------------------------
بقلم: د. أحمد حساني


مقالات اخرى للكاتب

باروكة الغش والتفوق الزائف!