29 - 06 - 2026

من تكدس موظفين الي أزمة عمالة.. من يخدم 110 مليون مواطن

من تكدس موظفين الي أزمة عمالة.. من يخدم 110 مليون مواطن

أشارت تقارير صحفية، في الآونة الأخيرة، إلى احتجاجات محصلي شركة مياه الشرب بفروعها المختلفة، وإلى احتجاجات موظفي وزارة الزراعة، بالإضافة إلى خلو مكاتب وزارات مثل وزارة القوي العاملة من موظفيها، مما يثير التساؤل: أين ذهب موظفو الدولة؟ 

لسنوات طويلة كان الخطاب الرسمي يتحدث عن تضخم الجهاز الإداري للدولة، باعتباره أحد أهم أسباب ضعف الكفاءة وارتفاع الإنفاق العام، وجرى تقديم تقليص العمالة الحكومية، كجزء أساسي من عملية الإصلاح الاقتصادي والإداري، لكن بعد أكثر من عقد من هذه السياسات، أصبح السؤال المطروح هل انعكس هذا التقليص بالفعل على تحسين الخدمات العامة؟ أم أنه أدى إلى ظهور أشكال جديدة من العجز والضغط على العاملين والمواطنين معا، في العديد من القطاعات

كيف اختفى نحو مليوني موظف؟

تشير البيانات والتصريحات الحكومية إلى أن الجهاز الإداري للدولة شهد تراجعًا كبيرًا في أعداد العاملين خلال السنوات القليلة الماضية، فوفقا لبيانات جرى تداولها في مجلس النواب وتصريحات لمسؤولين حكوميين، انخفض عدد العاملين بالجهاز الإداري من نحو 5.8 مليون موظف في عام 2014/2015 إلى نحو 4.272 مليون موظف في عام 2022/2023 ثم إلى نحو 3.9 مليون موظف خلال 2024.

وبذلك يكون الجهاز الإداري قد فقد ما يقرب من مليوني موظف خلال أقل من عشر سنوات. كان ذلك نتيجة موجات تسريح جماعي عبر قانون 73 المعيب، وعبر أيضا الإحالة إلى المعاش وعدم تعويض كل هؤلاء بتعيينات مماثلة إلى جانب تطبيق سياسات هدفت إلى ضبط التوظيف الحكومي وربطه باحتياجات محددة ومعلنة.

من زاوية مالية وإدارية، يُمكن اعتبار هذه الأرقام نجاحا لسياسة استهدفت تقليص حجم الجهاز الإداري وتنفيذا لتعليمات مؤسسات دولية، لكن الأرقام وحدها لا تجيب عن السؤال الأهم ماذا حدث للأعمال التي كان يؤديها هؤلاء الموظفون؟

الموظفون يتراجعون والسكان يزدادون

بينما كانت أعداد العاملين تتراجع كانت أعداد السكان تتزايد. فخلال الفترة التي فقد فيها الجهاز الإداري نحو مليوني موظف، أضيف إلى مصر عشرات الملايين من السكان الجدد، وهذا يعني أن الطلب على الخدمات الحكومية لم ينخفض، بل ازداد بصورة مستمرة، فعدد المستفيدين من خدمات التأمينات الاجتماعية ارتفع وأعداد المتعاملين مع منظومة الدعم والتموين لم تتراجع، كما توسعت احتياجات التعليم والصحة والخدمات المحلية مع التوسع العمراني والنمو السكاني. بمعنى آخر، أصبحت الدولة مطالبة بخدمة عدد أكبر من المواطنين بعدد أقل من الموظفين.

وهنا يظهر أحد التناقضات الرئيسية في السياسات المتبعة والخطاب الرسمي. فبينما كان الهدف المعلن هو رفع الكفاءة من خلال تقليص العمالة، فإن نمو الطلب على الخدمات جعل كثيرا من المؤسسات تعمل تحت ضغط متزايد، خصوصا في القطاعات التي تعتمد على التفاعل المباشر مع المواطنين.

الرقمنة.. الحل الذي لم يلغ الحاجة إلى الموظفين

كانت الإجابة الحكومية الأساسية عن هذا التحدي هي الرقمنة. ففي السنوات الأخيرة، جرى تنفيذ برامج واسعة للتحول الرقمي، شملت ميكنة الخدمات الحكومية وربط قواعد البيانات وإطلاق منصات إلكترونية مثل بوابة مصر الرقمية، إلى جانب تطوير نظم العمل في التأمينات والضرائب والتموين وغيرها من الجهات.

وكان التصور أن التكنولوجيا سوف تسمح بتقديم الخدمة نفسها بعدد أقل من العاملين، ولا شك أن الرقمنة اذا ما طبقت بشكل جيد فإنها تحقق نجاحات، صحيح انه أصبح من الممكن إنجاز بعض الخدمات إلكترونيا دون الحاجة إلى الانتقال بين المكاتب أو التعامل مع كميات ضخمة من المستندات الورقية، لكن التجربة العملية أظهرت أن الرقمنة لا تلغي الحاجة إلى الموظفين، وإنما تغير طبيعة أدوارهم , فالمواطن الذي يواجه خطأ في بياناته التأمينية أو مشكلة في استحقاقاته أو تعطلا في النظام الإلكتروني يحتاج في النهاية إلى موظف يتعامل مع حالته، كما أن أعمال التفتيش والمتابعة الميدانية والرقابة والخدمات المحلية لا يمكن استبدالها بالكامل بالبرامج الإلكترونية.

ولعل ما شهدته بعض مكاتب التأمينات خلال مراحل تشغيل الأنظمة الجديدة من تكدس وتأخير في تقديم الخدمات يوضح أن التكنولوجيا نفسها تحتاج إلى كوادر بشرية مدربة وقادرة على تشغيلها وإدارة مشكلاتها، ولهذا يمكن القول إن الرقمنة نجحت في تقليل بعض الإجراءات  لكنها لم تنجح في إلغاء الحاجة إلى العنصر البشري.

الحكومة كصاحبة أعمال خاصة 

لكن هناك جانبًا آخر أقل ظهورًا في النقاش العام، فالأعمال التي كان يؤديها الموظفون الحكوميون لم تختفِ في كثير من الأحيان، وإنما تغيرت الصفة الوظيفية لمن يقومون بها. وتقدم شركات المياه مثالًا واضحًا على ذلك. فخلال العامين الأخيرين شهدت عدة شركات للمياه احتجاجات لمحصلي الفواتير وقراء العدادات والعاملين بنظام العمولة أو الوكالة للمطالبة بالتثبيت وتحسين أوضاعهم الوظيفية وتطبيق الحد الأدنى للأجور.

وتكشف هذه الاحتجاجات أن الأعمال المطلوبة ما زالت قائمة وأن الحاجة إليها لم تتراجع، لكن شاغلي هذه الوظائف لم يعودوا يتمتعون دائمًا بصفة الموظف المستقر او يتبعون قانون الخدمة المدنية، الأمر نفسه يمكن ملاحظته في قطاعات أخرى كوزارة الزراعة ظل ملف العمالة المؤقتة والعاملين على الصناديق الخاصة، وهذا مطروح منذ سنوات داخل البرلمان، يُضاف الي ذلك اعتماد وزارة الأوقاف على أعداد من العاملين المتعاقدين على بند الأجور الموسمية في بعض الأنشطة والخدمات وفي جهات أخرى توسع الاعتماد على التعاقدات محددة المدة أو الاستعانة بشركات خارجية لتقديم بعض الخدمات.

وهكذا لم تختفِ الأعمال المطلوبة وإنما تغير شكل العلاقة الوظيفية التي تنظمها.

من فائض العمالة إلى عجز العمالة

بالرصد نجد أن السنوات التي شهدت أكبر انخفاض في أعداد العاملين الحكوميين هي نفسها السنوات التي تصاعد فيها الحديث عن العجز في قطاعات عديدة. فالحكومة أعلنت أكثر من مرة عن مسابقات لتعيين عشرات الآلاف من المعلمين لسد العجز في المدارس، كما يتكرر الحديث عن الحاجة إلى أطباء وأطقم تمريض في المؤسسات الصحية، وتواجه الإدارة المحلية نقصًا مزمنًا في الكوادر الفنية والإدارية نتيجة الخروج المستمر إلى المعاش وغياب الإحلال الكافي، كما تعاني بعض الأجهزة الرقابية والخدمية من نقص أعداد المفتشين والعاملين مقارنة باتساع نطاق المسؤوليات الملقاة على عاتقها.

وهذا يطرح السؤال: إذا كانت المشكلة الأساسية هي تضخم العمالة الحكومية فلماذا تتزايد الحاجة إلى تعيينات جديدة في قطاعات واسعة؟

مشكلة عدد أم إدارة الموظفين ...

إن تقييم الإصلاح الإداري لا ينبغي أن يتوقف عند عدد الوظائف التي جرى الاستغناء عنها أو حجم الوفر المالي الناتج عنها، فالمعيار الحقيقي هو قدرة المؤسسات العامة على تقديم خدمة أفضل للمواطن.

فالمواطن الذي يقف في طابور مكتب التأمينات أو التموين لا يعنيه عدد الموظفين الذين خرجوا من الخدمة، ولا حجم التخفيض الذي تحقق في الجهاز الإداري. ما يعنيه ببساطة هو أن يحصل على خدمته بسرعة وكفاءة وكرامة.

ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي، هل كانت المشكلة في عدد الموظفين فعلا أم في طريقة إدارة الموظفين وتوزيعهم والاستفادة من خبراتهم؟

وربما تكون الإجابة عن هذا السؤال هي المفتاح لفهم لماذا أصبحت بعض أبواب الحكومة أقل ازدحاما بالموظفين، لكنها لم تصبح أقل ازدحاما بالمواطنين.
-------------------------------------
بقلم: حسن البربري

مقالات اخرى للكاتب

من تكدس موظفين الي أزمة عمالة.. من يخدم 110 مليون مواطن