استيقظ المصريون قبل أيام على خبرٍ هزَّ القلوب جميعًا.. أبٌ خرج من منزله متجهًا إلى عمله، وكان من المفترض أن يصطحب طفله الصغير إلى الحضانة.. استسلم الطفل للنوم في مقعده الخلفي، ومع روتينٍ يوميٍّ متكرر وضغوطٍ لا تنتهي، نسي الأب أن صغيره ما زال داخل السيارة، حتى وقعت الفاجعة.. رحل طفلٌ لم يكن يدرك من الدنيا سوى حضن والديه، وبقي أبٌ يحمل في قلبه وجعًا لن يبرأ منه ما بقي حيًّا.
لا أحد يختلف على جسامة الخطأ، ولا يمكن التقليل من مسؤولية أي أب أو أم تجاه أبنائهما.. لكن ما لفت انتباهي أكثر هو سرعة الأحكام.. ففي ساعات قليلة، تحوَّل الرجل في نظر كثيرين إلى قاتل، وكأننا نسينا أنه، قبل أي شيء، أبٌ فقد أعزَّ ما يملك.. إن ضغوط الحياة قد تفسِّر كيف يقع الإنسان في خطأٍ مأساوي، لكنها لا تبرره، والفرق بين التفسير والتبرير كبير. فهناك أخطاءٌ يعاقَب أصحابها عليها كل يوم، لأن عقوبتها الحقيقية لا تصدر من محكمة، بل تظل حاضرة في الضمير، تؤرق صاحبها ما دام القلب ينبض.
هذه الحادثة ليست معزولة عن واقع نعيشه جميعًا، بل هي مرآة لضغوطٍ أصبحت تثقل كاهل المجتمع بأكمله. لم تعد أكثر المشاهد إيلامًا هي أرقام الأسعار التي تتغير كل يوم، بل الوجوه التي تغيَّرت بسببها، والقلق الذي أصبح حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية.
طفلٌ يقف عند إشارة مرور، يحمل في يده ما يحاول بيعه، بينما يحمل في عينيه ما لا يستطيع قوله.. لا نعرف قصته كاملة، لكننا نعرف أن طفلًا في مثل عمره كان من المفترض أن يكون همه لعبةً أو كراسة رسم، لا أن يقضي يومه بين السيارات بحثًا عن لقمة عيشه.
وفي الجهة الأخرى، تعيش آلاف البيوت المصرية أيام الثانوية العامة.. طالبٌ يحاول أن يحفظ آخر صفحة، وأمٌّ تخفي قلقها بالدعاء، وأبٌ يحاول أن يبدو مطمئنًا رغم ما يحمله من مسؤوليات.. في كل بيت حكاية، وفي كل قلب خوف لا يراه أحد.
قد تبدو هذه المشاهد متفرقة، لكنها في الحقيقة تحمل الشعور نفسه: الضغط.
ضغط الحياة على أسرةٍ تحسب كل جنيه قبل أن تنفقه، وضغط المستقبل على طالبٍ يخشى أن يُختصر في مجموع، وضغط الواقع على طفلٍ وجد نفسه يكبر قبل أوانه، وضغط المسؤوليات على أبٍ يخرج كل صباح وهو يحمل في رأسه عشرات الالتزامات والهموم.
لكن اللافت أن الضغوط لم تعد تخص فئةً بعينها، بل أصبحت تمس الجميع، وإن اختلفت صورها.. تغيَّرت أولويات الناس، وأصبح السؤال اليومي ليس: ماذا نريد؟ بل: كيف نستطيع أن نكمل؟ وكيف نحافظ على بيوتنا، وأحلامنا، وأبنائنا، في ظل حياة تتطلب منا كل يوم جهدًا أكبر من اليوم الذي سبقه؟
ورغم كل ذلك، ما زلنا نرى أناسًا يصنعون الفرح من أبسط الأشياء؛ أمًّا تخفي تعبها حتى لا تسرق من أبنائها شعور الأمان، وأبًا يعود إلى بيته مرهقًا لكنه يحاول أن يبتسم، وطالبًا يفتح كتابه كل ليلة وهو يؤمن أن تعبه لن يضيع، وأسرةً تجتمع حول مائدة متواضعة، لكنها مليئة بالمحبة.
وربما يكون هذا هو السر الذي أبقى هذا المجتمع متماسكًا رغم كل ما يمر به؛ أن الناس، مهما اشتدت عليهم الظروف، ما زالوا يتمسكون بالأمل، ويبحثون عن فسحة فرح وسط زحام الأيام، ويواصلون السير، لأنهم يدركون أن التوقف ليس خيارًا.
ربما ليست الأزمة الكبرى في الغلاء وحده، بل في أن الضغوط أصبحت تسكن كل بيت بشكل مختلف.. فلكل بيتٍ امتحانه؛ طالبٌ داخل لجنة ينتظر مستقبله، وأبٌ يسابق الوقت ليؤمِّن حياةً كريمة لأسرته، وأمٌّ تحمل هموم الجميع وتخفي همها، وطفلٌ لا نريد له إلا أن يعيش طفولته في أمان.
ولعل ما نحتاج إليه اليوم، أكثر من أي وقت مضى، هو أن نستعيد الرحمة.. أن نختلف دون قسوة، وأن نحاسب دون تشفٍّ، وأن نتذكر أن وراء كل وجهٍ قصةً لا نعرفها، وأن الإنسان قد يضعف تحت وطأة الضغوط، لكنه يظل إنسانًا يستحق العدل قبل الحكم، والرحمة قبل الإدانة.
وربما يكون أعظم نجاح نحققه هذه الأيام ليس أن نملك أكثر، بل أن نحافظ على إنسانيتنا.. ففي زمنٍ كثرت فيه الضغوط، تبقى الرحمة والتعاطف والوعي قيمًا لا غنى عنها، وهي الامتحان الحقيقي الذي نواجهه كل يوم، قبل أي امتحانٍ يُعقد داخل اللجان.
-----------------------------
بقلم: أسماء حامد






