29 - 06 - 2026

معادلة المعاشات الصعبة.. بين «المُقدَّر» و«المأمول»

معادلة المعاشات الصعبة.. بين «المُقدَّر» و«المأمول»

في غمرة النقاشات المستمرة حول الزيادة السنوية الأخيرة لأصحاب المعاشات والمقدرة بنسبة 15%، تلقيت عتاباً رقيقاً من بعض الزملاء والأصدقاء من أصحاب المعاشات في رسائلهم الخاصة، عاتبين عليّ وصفي لهذه النسبة بأنها «مُقدَّرة»، متناسين أو متجاهلين ما أتبعته فوراً في حديثي حول ما كان «يتمناه ويأمله» ملايين المتقاعدين. ولأن الأمانة المهنية تقتضي الوضوح، ولأن لغة الأرقام لا تكذب، وجب التنويه وتفكيك المشهد السنوي لزيادة المعاشات بين دفتي الواقع والمأمول.

أولاً: لماذا هي نسبة «مُقدَّرة»؟

إحقاقاً للحق وقراءةً لكواليس صناعة القرار، فقد جرى العرف الاستشاري داخل الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي على رفع مذكرة للعرض على رئيس الجمهورية تتضمن ثلاثة بدائل لنسبة الزيادة السنوية؛ وفي تقديري الفني، فإن الاقتراحات المطروحة هذا العام كانت تتراوح بين (13% و 14% و 15%)، على أن تُصرف بالكامل من الميزانية الذاتية للهيئة.

وحين يتدخل الرئيس ليختار النسبة الأعلى دائماً وهي 15%، فإن هذا الاختيار يعد سياساً واجتماعياً «مُقدَّراً»؛ إذ كان من الممكن قانوناً اعتماد النسبة الأقل (13% أو 14%)، وبالتالي فإن الانحياز للحد الأقصى المتاح من ميزانية الهيئة هو خطوة إيجابية تستوجب التنويه.

ثانياً: ما بين طموح المتقاعدين وقرارات موظفي الدولة

على الجانب الآخر، وهو جانب «المأمول» الذي لم ولن نغفله، كان أصحاب المعاشات يتطلعون إلى إقرار ميزات إضافية تُصرف مباشرة من خزينة الدولة، أسوة بالقرارات الحمائية التي اتخذتها الدولة لصالح العاملين بالجهاز الإداري، وذلك من خلال آليتين:

صرف زيادة إضافية بنسبة 5% شهرياً: توازياً مع ما تم مع موظفي الدولة الذين رُفعت نسبة علاوتهم الدورية من 7% إلى 12%.

إقرار علاوة غلاء معيشة مقطوعة: بقيمة 400 جنيه شهرياً، أسوة بالزيادة المقطوعة التي تقررت للموظفين بقيمة 750 جنيهاً.

هذا الطموح ليس تزيُّداً، بل تفرضه فجوة الأرقام الحالية؛ ففي الوقت الذي يصل فيه الحد الأدنى للأجور إلى 8000 جنيه شهرياً، لا يزال الحد الأدنى للمعانشات يقف عند 1755 جنيهاً، مما يعني أن الحد الأدنى للأجر يزيد عن أربعة أضعاف نظيره في المعاش، وهي فجوة تتسع مع الضغوط التضخمية الحالية وتستلزم تدخلاً مباشراً من الخزانة العامة للدولة.

ثالثاً: أموال التأمينات.. حقوق وليست منحاً

حين نطالب بدعم أصحاب المعاشات من ميزانية الدولة، فنحن لا نطلب "منحة"، بل نتحدث عن حقوق تاريخية واقتصادية أصيلة للمؤمن عليهم وأصحاب المعاشات لدى الدولة، تبرهن عليها الحقائق التالية:

قيود الاستثمار القانونية: ينص القانون على استثمار 75% على الأقل من أموال الاحتياطي السنوي للتأمينات الاجتماعية في أذون الخزانة والسندات الحكومية. ولو أتاح المشرع للهيئة حرية استثمار 50% فقط من هذا الاحتياطي في أدوات استثمارية مرنة وأكثر ربحية (كشراء حصص في شركات البترول، أو البنوك، أو الشركة المصرية للاتصالات)، لحققت الهيئة عوائد ضخمة تُمكنها من مضاعفة الزيادات السنوية ذاتياً.

فارق تكلفة أموال المديونية: تسدد الخزانة العامة حالياً قسطاً سنوياً بزيادة مركبة تبلغ 7% لسداد مديونيتها للتأمينات (والتي بدأت بـ 898 مليار جنيه منذ يناير 2020)، في حين أن الدولة ذاتها تقترض من البنوك التجارية بمتوسط فائدة يصل إلى 17%، مما يعني أن أموال أصحاب المعاشات هي الممول الأقل تكلفة للموازنة العامة.

خلاصة القول:

إن شريحة أصحاب المعاشات هي الكتلة الحرجة التي تحملت وعاشت بوجدانها مع الدولة المصرية منذ نشأة نظام التأمين الاجتماعي. وإن كنا نثمن ونُقدّر اختيار النسبة القصوى المتاحة أميرياً (15%) من ميزانية الهيئة، إلا أن عين الخبير وعين المواطن لا يمكن أن تغفل المأمول؛ وهو دعم الخزانة العامة لهذه الفئة ردمًا للفجوة بين الأجور والمعاشات، وتحقيقاً للعدالة الاجتماعية التي ينشدها الجميع.
---------------------------------
بقلم: كامل السيد
* خبير التأمينات الاجتماعية والمعاشات


مقالات اخرى للكاتب

معادلة المعاشات الصعبة.. بين «المُقدَّر» و«المأمول»