29 - 06 - 2026

الأمان.. النعمة التي غابت فضاقت بنا الحياة

الأمان.. النعمة التي غابت فضاقت بنا الحياة

هناك نعم لا نشعر بقيمتها إلا حين نفقدها، ويأتي الأمان في مقدمتها، فليس الفقر وحده هو ما يؤلم الإنسان، ولا المرض هو أشد ما يرهقه، بل قد يمتلك الإنسان المال والصحة والمكانة، ثم يعيش تعيسًا لأنه فقد الشعور بالأمان.

ولعل أصدق ما يمكن أن يقال: إذا ضعف الإيمان، تراجع الأمان كما قال الشاعر والفيلسوف الباكستاني محمد إقبال في قصيدته الشهيرة "حديث الروح" والتي تغنت بها أم كلثوم " إذا الإيمان ضاع فلا أمان"

فالإيمان الحقيقي ليس مجرد عبادات تؤدى، بل هو ضمير حي، ورقيب يسكن القلب، يمنع صاحبه من الظلم، ويزجره عن الغدر، ويجعله يحفظ حقوق الناس حتى في غياب القانون.

فإذا غاب هذا الرقيب، اتسعت دائرة الخوف، وأصبح الإنسان لا يطمئن إلى أحد، ولا يأمن على نفسه أو ماله أو حتى مشاعره، ورسولنا الكريم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لخص مقومات الحياة السعيدة في حديث بليغ، فقال عليه الصلاة والسلام : «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا في سِرْبِهِ، مُعَافًى في جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا». رواه الترمذي.

تأمل ترتيب النعم في الحديث الشريف؛ فقد بدأ رسول الله صلي الله عليه وسلم بالأمن قبل الصحة، وقبل الرزق، وكأنه يقرر حقيقة إنسانية خالدة، وهي أن الإنسان لا يستطيع أن يستمتع بصحته أو ماله إذا كان يعيش خائفًا، قلقًا، فاقدًا للثقة بمن حوله. فالأمان هو الأساس الذي تستند إليه كل نعم الحياة، وإذا انهار هذا الأساس، فقدت النعم الأخرى كثيرًا من قيمتها.

ولم يكن علماء النفس والاجتماع بعيدين عن هذا المعنى ، فقد  رأى عالم الاجتماع الفرنسي واحد مؤسسي علم الاجتماع الحديث إميل دوركايم أن المجتمعات لا تستقر بالقوانين وحدها، وإنما بمنظومة من القيم التي تجعل الناس يثقون في بعضهم بعضًا، فإذا ضعفت هذه القيم، تفككت الروابط الاجتماعية، وحل الشك محل الطمأنينة.

وربما اختصرت الحكمة الشعبية هذه الفلسفة كلها في مثل بسيط يقول: "من أمَّنك لا تخنه ولو كنت خائنًا." وهو مثل بالغ العمق؛ لأنه لا يخاطب الإنسان الشريف فقط، بل يخاطب حتى من اعتاد الخيانة، فيقول له: إذا منحك إنسان ثقته وأشعرك بأنه آمن معك، فلا تجعل ثقته سببًا لطعنه. فالثقة التي يمنحها لك الآخر ليست ضعفًا، وإنما أمانة في عنقك، وخيانتها ليست جريمة في حق فرد، بل طعنة في قلب المجتمع كله .

لكن، ماذا حدث لنا حتى أصبح الأمان هو أكثر ما نفتقده؟ لقد أصبح الأمان عملة نادرة في زمن كثرت فيه الأقنعة، حتى صرنا نفتقده في أدق تفاصيل حياتنا، نفتقده في علاقات العمل، حين تقضي سنوات طويلة بين زملاء تظن أنهم أقرب الناس إليك، فإذا أول خلاف أو أول منافسة يكشف وجوهًا لم تكن تراها، وتسقط الأقنعة، ويتحول الود إلى خصومة، ويصبح النجاح سببًا للحسد، وكأن سنوات الزمالة لم تكن سوى هدنة مؤقتة.

ونفتقده داخل الأسرة، التي يفترض أن تكون الحصن الأخير للإنسان. فكم من علاقات أصبحت تحكمها المصالح أكثر مما تحكمها المحبة، فإذا حضرت المصلحة حضر الاهتمام، وإذا انتهت، انقطعت الزيارات، واختفت الاتصالات، وخفتت المودة، ولا يمكن بالطبع تعميم ذلك على جميع الأسر، فما زالت هناك بيوت عامرة بالرحمة وصلة الرحم .

والمؤلم حقا أن صور الجفاء أصبحت أكثر حضورًا مما كانت عليه، بل إننا نفتقد الأمان حتى في أبسط تفاصيل الحياة اليومية، فعندما نبحث عن سباك، أو كهربائي، أو نجار، أو عامل صيانة، لا يكون السؤال الأول: من هو الأكثر مهارة؟ وإنما: من هو الأمين؟ من الذي أستطيع أن أفتح له باب بيتي وأنا مطمئن؟ من الذي لن يستغل غيابي؟ ومن الذي سيؤدي عمله بإخلاص دون غش أو استغلال؟ وعندما يرشح لك أحدهم عاملة منزل أو مربية أطفال، فإن أول ما يقوله هو: "اطمئن... إنها أمينة." قبل أن يحدثك عن خبرتها أو مهارتها، لأن المهارة يمكن اكتسابها، أما الأمانة فإذا ضاعت، ضاع معها كل شيء.

أيضا نفتقد الأمان في العلاقات الإنسانية شاب او حتي رجل كبير يستغل مشاعر فتاة او سيدة حتى يبتزها أو يستولي على أموالها، وبالعكس نجد من تخدع رجلا لتحقيق مصلحة، وشريكا يغدر بشريكه، وصديقا يفشي الأسرار، وإنسانا يستغل ضعف إنسان آخر ليحقق مكسبًا مؤقتًا.

بل إن غياب الأمان تسلل أحيانًا إلى أكثر العلاقات قدسية.. العلاقة بين الزوجين. فكم من زوجة أصبحت تخشى أن تأتمن زوجها على مالها أو أسرارها، وكم من زوج أصبح يعيش في دوامة من الشك والريبة. وتحولت العلاقة التي يفترض أن تكون سكنًا ورحمة إلى ساحة من القلق، يراقب فيها كل طرف الآخر، ويبحث عن دليل يدين به شريك حياته.

ولا نزعم أن الغدر أو الخيانة أو الطمع لم تكن موجودة في الماضي، فهي قديمة قدم الإنسان، لكن المؤلم أنها أصبحت أكثر ظهورًا، وأكثر انتشارًا، حتى صارت أخبارها تحاصرنا في المحاكم، وعلى صفحات الحوادث، وفي مواقع التواصل الاجتماعي، وفي الأحاديث اليومية.

لقد أصبحت قضايا خيانة الأمانة، والنصب، والاحتيال، والعنف الأسري، والغدر بين الأصدقاء، جزءًا من المشهد اليومي، حتى كدنا نتعامل معها باعتبارها أمرًا عاديًا، بينما هي في حقيقتها ناقوس خطر ينذر بتحول عميق في منظومة القيم.

إن أخطر ما يعيشه الإنسان ليس الخوف من المستقبل، بل أن يفقد ثقته في الحاضر، أن يراجع كلماته قبل أن يتحدث، وأن يتردد قبل أن يأتمن أحدًا على ماله، أو بيته، أو سره، أو حتى قلبه.

وحين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، تصبح الحياة أكثر قسوة، لأن انعدام الثقة يستهلك طاقة البشر، ويضعف التعاون، ويقتل روح المبادرة، ويزرع الشك في كل علاقة.

وهنا تبرز أسئلة لا ينبغي أن تبقى بلا إجابة، ما الذي أوصلنا إلى هذه المساحة الواسعة من الخوف والترقب؟ هل هي الضغوط الاقتصادية التي دفعت البعض إلى تبرير كل وسيلة لتحقيق المكاسب؟ أم هي التحولات الاجتماعية المتسارعة التي غيرت منظومة القيم؟ أم تأثير وسائل التواصل الاجتماعي التي صنعت علاقات سريعة وهشة، يسهل بناؤها ويسهل هدمها؟ أم تراجع دور الأسرة، والمدرسة، ودور العبادة، والإعلام في غرس قيم الأمانة والصدق والوفاء؟

وأين يقف علماء النفس، وعلماء الاجتماع، وخبراء السلوك الإنساني من كل هذه التحولات؟

هل توجد دراسات علمية رصدت ما أصاب المجتمع من تغيرات في منظومة القيم؟ وهل شخصت أسبابها، وقدمت حلولًا واستراتيجيات عملية لاستعادة الثقة بين الناس؟ أم أن هذه الدراسات موجودة بالفعل، لكنها حبيسة رفوف الجامعات ومراكز الأبحاث، ولم تجد طريقها إلى الإعلام، ولا إلى صناع القرار، ولا إلى المجتمع الذي هو في أمسّ الحاجة إليها؟

إننا بحاجة إلى مشروع وطني تشارك فيه الجامعات، ومراكز البحوث، والمؤسسات الدينية، والإعلام، والمدرسة، والأسرة، من أجل إعادة بناء الإنسان قبل أي شيء آخر.

فالقانون يعاقب المجرم، لكنه لا يخلق إنسانًا أمينًا، والعقوبات تردع، لكنها لا تزرع الضمير، فالأمان لا تصنعه الكاميرات، ولا نقاط التفتيش، ولا النصوص القانونية وحدها، وإنما تصنعه القلوب التي امتلأت بالإيمان، والعقول التي تربت على احترام الإنسان، والضمائر التي تعلم أن الله يراها قبل أن يراها الناس.

ولعل هذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه مجتمعاتنا اليوم؛ ليس فقط أن نبحث عن وسائل لحماية الناس، بل أن نعيد صناعة الإنسان الذي يكون هو نفسه مصدرًا للأمان، فالأمم لا تنهض بالاقتصاد وحده، ولا بالعلم وحده، وإنما تنهض عندما يشعر الإنسان أنه آمن في بيته، وآمن في عمله، وآمن على ماله، وآمن على أسراره، وآمن على قلبه. فالأمان ليس رفاهية... بل هو نعمة إذا فقدها الإنسان، فقد معها جزءًا كبيرًا من الحياة.
------------------------------------
بقلم: سحر الببلاوي

مقالات اخرى للكاتب

الأمان.. النعمة التي غابت فضاقت بنا الحياة