ليست كل الهزائم تُقاس بخسارة أرض، ولا كل الكوارث تُرى في صورة دمار المباني أو سقوط المدن، فهناك هزائم أشد فتكًا من احتلال جزء من الوطن، لأنها تستهدف روحه قبل حدوده، وتضرب مستقبله قبل حاضره، وتهدم ضمير أجياله قبل أن تهدم مؤسساته. ومن أخطر هذه الهزائم وأكثرها قسوة ما نشهده من تسريب امتحانات الثانوية العامة؛ تلك الجريمة التي لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد مخالفة تعليمية أو خلل إداري عابر، بل بوصفها كارثة وطنية وقومية تمس كيان الدولة في صميمه، وتفتح في جدار الثقة العام ثغرة واسعة تهدد المجتمع كله.
إن الامتحان في أي دولة محترمة ليس مجرد أوراق تُوزَّع على الطلاب ثم تُسحب بعد ساعات، بل هو عقد أخلاقي وقانوني بين الدولة وأبنائها، ورسالة واضحة مفادها أن الجهد له قيمة، وأن الاستحقاق له مكان، وأن العدالة ليست شعارًا يرفع في المناسبات، بل قاعدة تُبنى عليها حياة الناس ومستقبلهم. وعندما يُسرَّب الامتحان، فإن ما يُسرَّب في الحقيقة ليس أسئلة مادة دراسية، بل هيبة الدولة نفسها، ومصداقية مؤسساتها، وثقة المواطنين في قدرتها على حماية أبسط صور العدالة بين أبنائهم.
تسريب امتحانات الثانوية العامة ليس اعتداءً على ورقة امتحان، بل اعتداء على معنى التعليم ذاته. إنه إهدار فادح لمجهود آلاف الطلاب الذين سهروا الليالي، وكافحوا القلق، وصبروا على ضغوط الدراسة، مؤمنين بأن ما يبذلونه من تعب سيجد في النهاية ميزانًا عادلًا يزنهم بالحق لا بالمجاملة، وبالاجتهاد لا بالغش، وبالاستحقاق لا بالحيلة. ثم يفاجأ هؤلاء بأن هناك من حصل على ما لم يتعب فيه، ونال ما لم يسهر من أجله، وقفز فوق القانون والضمير والمساواة ليختطف ثمرة غيره. هنا لا يشعر الطالب المجتهد بالظلم فحسب، بل يشعر بأن العالم من حوله قد اختل، وأن القيم التي تربى عليها قد صارت موضع سخرية، وأن الفضيلة نفسها قد أُهينت على مرأى ومسمع من الجميع.
إن أخطر ما في هذه الجريمة أنها لا تسرق درجات، بل تسرق المعنى. تسرق من الطالب المجتهد يقينه بأن الجد والاجتهاد طريقان حقيقيان للنجاح، وتزرع في نفس غيره أن الغش أقصر من الشرف، وأن التحايل أذكى من العمل، وأن من يعرف طريق التسريب يسبق من يعرف طريق الكتاب. وهنا تتحول المدرسة من فضاء لبناء الإنسان إلى ساحة لتكريس الانتهازية، ويتحول الامتحان من معيار للعلم إلى اختبار لقوة النفوذ ومهارة الاحتيال. وحين تصل الأمة إلى هذه المرحلة، فإنها لا تخسر موسم امتحانات، بل تخسر معيارًا أخلاقيًا كاملًا كانت تقيس به أبناءها.
والدولة التي تعجز عن حماية امتحان، تضع نفسها في موضع سؤال قاسٍ أمام مواطنيها: كيف نأتمنها على المستقبل وهي لا تستطيع تأمين ورقة؟ وكيف نثق في عدالة الفرص وهي تعجز عن منع الغش المنظم أو التسريب الممنهج؟ إن هيبة الدولة لا تُصنع فقط في الحدود والثكنات والمحاكم، بل تُصنع أيضًا داخل لجان الامتحان، وفي نزاهة النتائج، وفي شعور الطالب البسيط أن حقه محفوظ، وأن تعبه لن يضيع بين أيدي العابثين والفاسدين. فإذا سقط هذا الشعور، سقط معه جزء كبير من صورة الدولة في الوجدان العام، واهتزت شرعية مؤسساتها في أعين أبنائها، لا لأن الامتحان أهم من الوطن، بل لأن الامتحان هو أحد الاختبارات اليومية التي يختبر فيها المواطن صدق الدولة وعدلها وكفاءتها.
إن تسريب الامتحانات أخطر من احتلال جزء من الأرض من زاوية المعنى والنتيجة؛ لأن احتلال الأرض قد يوقظ المقاومة، ويستنهض الهمم، ويوحد الشعب خلف هدف التحرير، أما احتلال الضمير وتخريب القيم وتدمير الثقة في العدالة، فذلك احتلال صامت يتسلل إلى العقول بلا ضجيج، ويهدم الداخل بينما تبدو الجدران قائمة. تسريب الامتحانات لا يقتطع قطعة من الخريطة، بل يقتطع قطعة من ضمير الأمة، ويزرع الشك في نفوس أبنائها، ويهز إيمانهم بأن هذا الوطن يحمي المخلصين ويكافئ الشرفاء. ولذلك فإن خطورته لا تكمن في لحظة وقوعه فقط، بل في آثاره الممتدة التي تتسلل إلى وجدان جيل كامل، فينشأ بعضهم على أن القانون يمكن الالتفاف عليه، وأن العدالة قابلة للبيع، وأن النجاح قد يُنال بالخداع لا بالكفاءة.
والنتيجة الطبيعية لمثل هذا المناخ أن تتآكل قيمة التعليم نفسها. فما معنى الكتاب إذا كان التسريب أسرع؟ وما معنى المراجعة إذا كانت الإجابة قد خرجت قبل موعدها؟ وما معنى التفوق إذا كان ميزانه مختلًا؟ إن التعليم لا ينهار فقط عندما تقل الإمكانات أو تتراجع المناهج، بل ينهار حين يفقد المجتمع إيمانه بأن النظام التعليمي عادل ونزيه. فالتعليم في جوهره ليس فصولًا وسبورات وامتحانات، بل منظومة قيم تُعلِّم الطالب أن الاجتهاد طريق، وأن الصبر ثمرة، وأن الحق محفوظ. فإذا تحولت هذه المنظومة إلى مسرح للغش والتسريب، فقد التعليم رسالته وتحول إلى قشرة فارغة لا تنتج علمًا ولا تبني إنسانًا.
ولا تقف الكارثة عند حدود الطلاب وأسرهم، بل تمتد إلى المجتمع كله. فحين تُمنح الدرجات بغير استحقاق، تُفتح أبواب الجامعات لمن لا يستحق، ويُزاح عنها من أفنى عمره في الكد والسهر، وتبدأ سلسلة طويلة من الظلم لا تنتهي عند نتيجة الثانوية العامة، بل تمتد إلى الجامعة وسوق العمل والمهنة ومواقع المسؤولية. وعندها لا يصبح التسريب مجرد حادثة موسمية، بل يصبح مصنعًا لإنتاج الفشل، وممرًا إجباريًا لتخريج أجيال لم تتعلم أن النجاح مسؤولية، بل تعلمت أنه صفقة، وأن الوصول لا يحتاج إلى كفاءة بقدر ما يحتاج إلى منفذ خلفي يمر منه الغشاشون.
لهذا كله، فإن مواجهة تسريب امتحانات الثانوية العامة ليست مهمة تعليمية فحسب، بل معركة وطنية وأخلاقية وأمنية في آن واحد. إنها معركة دفاع عن قيمة الجهد، وعن حق الطالب الشريف، وعن سمعة الدولة، وعن المعنى العميق لفكرة الوطن نفسه. الوطن ليس أرضًا فقط، بل منظومة عدل يشعر فيها أبناؤه أن التعب لا يضيع، وأن القانون لا ينام، وأن الفرص لا تُسرق في الظلام. فإذا فقد الناس هذا الشعور، فلن يكون الخطر في امتحان ضاع، بل في وطن تتسرب من بين أصابعه الثقة، ويهتز في قلوب أبنائه الإيمان بالعدل والفضيلة.
إن المطلوب اليوم ليس مجرد بيانات إدانة، ولا حملات موسمية تنتهي بانتهاء الامتحانات، بل موقف حاسم يعلن أن العبث بمستقبل الأبناء خط أحمر، وأن تسريب الامتحانات خيانة وطنية مكتملة الأركان، لأنها تخون الطالب المجتهد، وتخون الأسرة التي راهنت على الشرف والعمل، وتخون الدولة التي يفترض أن تحرس العدالة، وتخون الوطن الذي لا ينهض إلا بأبنائه المستحقين. إن حماية الامتحان ليست حماية لورقة، بل حماية لفكرة العدالة نفسها، وصون لهيبة الدولة، وإنقاذ لما تبقى من الثقة في أن هذا البلد ما زال قادرًا على أن يقول للمجتهد: تعبتَ، فاستحققت.
وحين تدرك الأمة أن المعركة الحقيقية ليست فقط ضد من سرّب الامتحان، بل ضد كل من هان عليه أن تُذبح العدالة على أبواب اللجان، عندها فقط يمكن أن تبدأ رحلة الإنقاذ. أما إذا استمرت الجريمة، أو جرى التعامل معها باعتبارها تفصيلًا عابرًا في موسم مزدحم، فإن الخسارة لن تكون في درجات طلاب هذا العام وحدهم، بل في ضمير وطن كامل، وفي إيمان جيل بأكمله بأن الشرف ما زال ممكنًا، وأن العدالة ما زالت حية، وأن الدولة ما زالت قادرة على حماية أبسط حقوق أبنائها: أن يتساووا في الامتحان، وأن ينجح من يستحق النجاح.
-------------------------------
بقلم: صلاح العربي







