28 - 06 - 2026

إسرائيل ضد إسرائيل: قراءة في أحدث المؤشرات

إسرائيل ضد إسرائيل: قراءة في أحدث المؤشرات

لطالما قامت العقيدة الأمنية الإسرائيلية على افتراض أن التهديدات الوجودية تأتي من الخارج؛ من الجيوش العربية في العقود الأولى لتأسيس الدولة، ومن الحركات الفلسطينية المسلحة لاحقاً، ثم من البرنامج النووي الإيراني خلال العقدين الأخيرين. غير أن نتائج التقرير السنوي الصادر عن "معهد الدراسات اليهودية" تكشف تحولاً لافتاً في إدراك الإسرائيليين لمصادر الخطر التي تواجه دولتهم. فوفقاً لنتائج الاستطلاع، لم يعد الإيرانيون أو الفلسطينيون يمثلون التهديد الأكثر إثارة للقلق لدى قطاعات واسعة من الإسرائيليين، بل بات الانقسام الداخلي والاستقطاب المجتمعي يتصدران قائمة المخاوف. فقد رأى 55% من المشاركين أن الانقسام الداخلي يشكل التهديد الأكبر لإسرائيل، مقابل 23% فقط اعتبروا أن الخطر الرئيسي يتمثل في البرنامج النووي الإيراني، و18% رأوا أن الصراع مع الفلسطينيين هو التهديد الأبرز. كما أقرّ 60% من المستطلعين بوجود خطر حقيقي يتمثل في احتمال انزلاق المجتمع الإسرائيلي إلى مواجهات داخلية عنيفة. وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة لأنها لا تعكس مجرد تراجع في الثقة السياسية أو ارتفاعاً في حدة الخلافات الاجتماعية، بل تشير إلى أزمة أعمق تتعلق بطبيعة العقد الاجتماعي الذي قام عليه المشروع الصهيوني منذ تأسيس الدولة عام 1948.

تكمن أهمية هذه النتائج في أنها تعكس تحولاً في الوعي الجمعي الإسرائيلي؛ فحين يرى أكثر من نصف الإسرائيليين أن الانقسام الداخلي أخطر من البرنامج النووي الإيراني أو الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فإن ذلك يعني أن المجتمع الإسرائيلي بدأ ينظر إلى التحديات الداخلية باعتبارها تهديداً مباشراً لاستقرار الدولة وقدرتها على الاستمرار. ولا تبدو هذه المخاوف وليدة اللحظة، فمنذ سنوات تتصاعد حدة الانقسامات بين التيارات السياسية المختلفة، وبين المتدينين والعلمانيين، وبين المركز والأطراف، وبين اليهود الشرقيين والغربيين، فضلاً عن التوتر المستمر بين الدولة ومواطنيها الفلسطينيين. إلا أن الحرب التي اندلعت بعد السابع من أكتوبر 2023 وما تبعها من أزمات سياسية وأمنية أعادت هذه التناقضات إلى الواجهة بصورة أكثر حدة.

وتنسجم نتائج التقرير مع مؤشرات أخرى صادرة عن مؤسسات بحثية إسرائيلية مرموقة، من بينها «المعهد الإسرائيلي للديمقراطية»، التي أظهرت خلال السنوات الأخيرة تراجع مستويات الثقة بالمؤسسات السياسية، وارتفاع الشعور بالاستقطاب بين المعسكرات المتنافسة. كما أظهرت استطلاعات متكررة أن قطاعات واسعة من الإسرائيليين باتت ترى أن الانقسامات الداخلية تشكل تهديداً لا يقل خطورة عن التهديدات الأمنية الخارجية، وهو تطور لافت في دولة اعتادت تاريخياً توظيف المخاطر الخارجية لتعزيز تماسكها الداخلي.

الانقسام الذي تكشف عنه نتائج التقرير تكشف أن المسألة لم تعد خلافاً بين أحزاب أو رؤى سياسية متنافسة، بل تحولت إلى حالة استقطاب هوياتي باتت تحدد شكل العلاقات بين الأفراد والجماعات. وتبرز خطورة هذا الواقع في أن الانتماء إلى معسكر اليمين أو اليسار أصبح أكثر تأثيراً في تشكيل المواقف الاجتماعية والسياسية من الانتماءات العرقية أو الثقافية التقليدية. فتشير نتائج التقرير إلى أن أنصار اليسار يقيّمون مستوى قربهم الاجتماعي من أنصار اليمين بدرجة متدنية للغاية، فيما يظهر أنصار اليمين بدورهم مستويات متواضعة من الشعور بالتقارب مع خصومهم السياسيين.

وقد تفاقمت هذه الظاهرة بصورة ملحوظة خلال أزمة "الإصلاح القضائي" التي طرحتها حكومة بنيامين نتنياهو مطلع عام 2023، حين شهدت إسرائيل واحدة من أكبر موجات الاحتجاج في تاريخها الحديث. يومها حذر مسؤولون أمنيون وعسكريون سابقون من أن الأزمة لم تعد خلافاً سياسياً عادياً، بل تحولت إلى تهديد مباشر لوحدة المجتمع ومؤسسات الدولة، ثم جاءت الحرب اللاحقة لتؤجل الانفجار السياسي، لكنها لم تعالج أسبابه البنيوية.

في قلب ذلك يبرز ملف تجنيد اليهود المتدينين (الحريديم) كأحد أبرز تجليات الأزمة البنيوية التي تواجهها إسرائيل حالياً. فمنذ قيام الدولة تمتع الحريديم بإعفاءات واسعة من الخدمة العسكرية مقابل ترتيبات سياسية حافظت لعقود على استقرار الائتلافات الحكومية. غير أن التحولات الديموغرافية جعلت هذه الصيغة أكثر صعوبة للاستمرار. فوفقاً للبيانات الإحصائية الإسرائيلية الرسمية، بلغ عدد الحريديم نحو 1.39 مليون نسمة عام 2024، أي ما يقارب 14% من إجمالي سكان إسرائيل، مقارنة بنحو 750 ألفاً فقط عام 2009. وتشير التوقعات الديموغرافية إلى أن نسبتهم قد ترتفع إلى نحو 16% بحلول عام 2030، مع استمرار معدلات النمو السكاني المرتفعة داخل هذه الفئة. كما أن ما يقرب من نصف المجتمع الحريدي دون سن السادسة عشرة، ما يعني أن تأثير هذه التحولات على سوق العمل والخدمة العسكرية والإنفاق العام سيتزايد بصورة ملحوظة خلال السنوات المقبلة.

وفي ظل استمرار الحرب واستنزاف جيش الاحتلال على أكثر من جبهة، أصبح مطلب «تقاسم الأعباء» أكثر حضوراً في الخطاب العام الإسرائيلي، وهو ما يفسر تأييد نحو 80% من الجمهور الإسرائيلي لفكرة تجنيد الحريديم. غير أن معارضة 79% من الحريديم لهذه الخطوة تكشف أن الخلاف لم يعد قانونياً أو إدارياً فحسب، بل بات يتعلق بتصورات متناقضة حول طبيعة الدولة نفسها؛ هل هي دولة قومية حديثة تقوم على المساواة في الواجبات، أم دولة ذات طابع ديني تمنح امتيازات خاصة لبعض الجماعات؟

وإلى جانب الانقسامات السياسية والدينية، لعبت الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023 دوراً محورياً في تعميق التوترات الداخلية، فإسرائيل تخوض واحدة من أطول وأكلف الحروب في تاريخها الحديث، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد والمجتمع. فقد أعلنت وزارة المالية الإسرائيلية أن الإنفاق العسكري المرتبط بالحرب ارتفع بصورة غير مسبوقة، فيما توسع عجز الموازنة العامة وازدادت الضغوط على المالية الحكومية. كما تراجعت معدلات النمو الاقتصادي بصورة ملحوظة مقارنة بالسنوات السابقة، في حين اضطرت الحكومة إلى تخصيص عشرات المليارات الإضافية للأمن والدفاع على حساب قطاعات أخرى. وقد أدى استدعاء مئات آلاف جنود الاحتياط لفترات طويلة إلى اضطرابات في سوق العمل والإنتاج، بينما تضررت قطاعات السياحة والاستثمار والتجارة نتيجة حالة عدم اليقين الأمني المستمرة.

وفي هذا السياق، يمكن قراءة تصريحات رئيس الوزراء السابق نفتالي بنيت بوصفها جزءاً من معركة سياسية تتجاوز المنافسة الانتخابية التقليدية، إذ تعكس مخاوف متزايدة داخل النخب الإسرائيلية من أن استمرار الحرب المفتوحة على جبهات متعددة قد يؤدي إلى استنزاف طويل الأمد للمجتمع والاقتصاد معاً. والمتأمل في تصريحات بنيت يجد أنها تكشف عن إدراك متزايد داخل النخب السياسية الإسرائيلية بأن الأزمة الحالية تتجاوز شخص بنيامين نتنياهو، لكنها ترتبط في الوقت نفسه بالنموذج السياسي الذي تكرس خلال سنوات حكمه الطويلة. فالمعارضة ترى أن سياسات نتنياهو أسهمت في تعميق الاستقطاب المجتمعي وإضعاف المؤسسات الوسيطة التي كانت تلعب دوراً في إدارة التناقضات الداخلية. كما أن اعتماده المتزايد على الأحزاب الدينية والقومية المتشددة جعل من الصعب بناء توافقات وطنية واسعة في لحظات الأزمات.

وفي المقابل، لا يزال نتنياهو يحتفظ بقاعدة شعبية معتبرة ترى فيه القائد الأكثر قدرة على التعامل مع التحديات الأمنية التي تواجهها إسرائيل. غير أن استمرار الانقسام الحاد حول شخصه يعكس في جوهره انقساماً أعمق حول مستقبل الدولة واتجاهها السياسي والاجتماعي. لاسيما وأن العديد من استطلاعات الرأي تشير إلى تراجع مستويات الثقة بالحكومة مقارنة بمؤسسات أخرى، لا سيما المؤسسة العسكرية، كما تؤيد غالبية من الإسرائيليين إجراء تحقيقات موسعة بشأن الإخفاقات المرتبطة بأحداث السابع من أكتوبر وما تلاها، وهو ما يعكس اتساع الفجوة بين قطاعات من المجتمع والقيادة السياسية.

الأزمة السابقة تؤكدا مؤشرات الهجرة العكسية وتراجع الثقة بالمستقبل، فمن بين هذه المؤشرات ما شهدته السنوات الأخيرة من نقاش متزايد داخل إسرائيل بشأن ظاهرة الهجرة المعاكسة، أي مغادرة بعض الإسرائيليين إلى الخارج بحثاً عن فرص اقتصادية أو بيئة اجتماعية أكثر استقراراً. ورغم أن هذه الظاهرة لا تزال محدودة مقارنة بحجم السكان، فإن أهميتها تكمن في طبيعة الفئات التي تشملها، إذ ترتبط غالباً بشرائح متعلمة ومهنية كانت تاريخياً من أكثر الفئات اندماجاً في المشروع الصهيوني الحديث. كما أن اعتراف نحو نصف الجمهور العلماني، وفق نتائج التقرير، بأنهم لم يعودوا مقتنعين بأن إسرائيل هي المكان الأكثر أمناً أو ملاءمة لأبنائهم وأحفادهم، يعكس تراجعاً في مستوى الثقة بالمستقبل لم يكن مألوفاً في العقود السابقة.

بشكل عام، تكشف المؤشرات الديموغرافية والسياسية والاجتماعية المتراكمة أن إسرائيل تواجه أزمة تتجاوز تداعيات الحرب أو الخلافات الحزبية التقليدية، لتطال الأسس التي قام عليها المشروع الصهيوني نفسه. فتصاعد الاستقطاب الهوياتي والديني، وتراجع الثقة بالمؤسسات، واتساع الفجوة بين مكونات المجتمع، إلى جانب تنامي الهجرة العكسية وتراجع الشعور بالأمن لدى قطاعات من الإسرائيليين، تعكس جميعها تآكلاً متدرجاً في عناصر التماسك التي شكلت تاريخياً أحد أهم مصادر قوة الدولة العبرية. وإذا كانت إسرائيل قد نجحت لعقود في توظيف التهديدات الخارجية لتعزيز وحدتها الداخلية، فإن نتائج التقرير تشير إلى أن الانقسام الداخلي بات يُنظر إليه باعتباره الخطر الأكبر على مستقبلها. ومن ثم، فإن الأزمة الراهنة لا تبدو مجرد أزمة سياسات أو قيادات، بل أزمة بنيوية تمس قدرة المشروع الصهيوني على إعادة إنتاج هوية جامعة والحفاظ على تماسكه، بما يجعل المؤشرات السابقة دليلا على تراجع طويل الأمد يلوح في الأفق بما يفضي إلى إضعاف مرتكزات الاستقرار والاستمرار التي قامت عليها الدولة الصهيونية، إن لم يكن كشفا صارخا على اقتراب نهاية المشروع الصهيوني برمته.
-----------------------------------
بقلم : د. طه علي أحمد


مقالات اخرى للكاتب

كيف كشفت حروب الشرق الأوسط حدود منظومة الدفاع الصاروخي الأمريكية؟