بدأت ساعة الحقيقية، وتأكدت الدول العربية والإسلامية أنه لم يعد أمامها سوى التلاحم لحماية أمنها القومي وصيانة مصالحها التي تعبث بها القوى الاستعمارية عبر التخطيط للاستيلاء على أراضيها و ثرواتها البترولية والمعدنية، ولذا تجئ الاجتماعات الرباعية المتكررة بين وزراء خارجية مصرو السعودية وتركيا وباكستان، لتمثل نواة حقيقية لتشكيل تحالف أو إطار عمل استراتيجي عربي- إسلامي صاعد بين هذه الدول الأربع التي تمتلك المقومات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تجعلها قادرة على إعادة التوازن للمنطقة، خاصة في ظل استمرار التنسيق واللقاءات المكثفة بينها، ويمثل قوة الإطار الرباعي ثقلا إقليميا وعالميا يجمع بين أكبر دولتين عربيتين من حيث الثقل السكاني والعسكري وهما مصر والسعودية، إلى جانب قوتين إسلاميتين رئيسيتين وهما تركيا وباكستان التي تعتبر القوة النووية الإسلامية والعربية الوحيدة عبر تكامل القدرات بين الدول الأربع.
تتمتع الدول الأربع بأدوار إقليمية مهمة تمكنها من قيادة المنطقة مستقبلاً، إذ تسهم تركيا بتقدمها في الصناعات الدفاعية، وتتسم مصر بثقلها الاستراتيجي والعسكري وقدراتها البشرية الهائلة، بينما تلعب السعودية دوراً قيادياً واقتصادياً محورياً في المنطقة خصوصاً بين دول الخليج، وتمتلك باكستان قدرات نووية وعسكرية هائلة، ولذا جاء احتضان وزارة الخارجية المصرية بقيادة بدر عبدالعاطي، لنظرائه من السعودية وباكستان وتركيا في مدينة العلمين على البحر المتوسط، في اجتماع ضم كل من الأمير فيصل بن فرحان، وزير خارجية السعودية، وهاكان فيدان، وزير خارجية تركيا، ومحمد إسحاق دار، وزير خارجية باكستان، بهدف احتواء التصعيد في الشرق الأوسط، عقب توقيع واشنطن وطهران مذكرة تفاهم بينهما من أجل وقف الحرب التي تفجرت في 28 فبراير الماضي، بعد أن انطلقت مباحثات المرحلة الثانية بين أمريكا وإيران في سويسرا للتوصل إلى اتفاق نهائي خلال 60 يوماً.
جاء هذا التحرك من الوزراء الأربعة في وقت تشهد فيه المنطقة تحديات أمنية متسارعة لإنهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، إذ تسعى لتوحيد جهود الوساطة وخفض التصعيد بهدف التوافق على ملفات الأمن القومي وتأمين الملاحة البحرية، ومواجهة التهديدات العابرة، في حين أعلن وزراء خارجية الدول الأربع، دعم المفاوضات الإيرانية الأميركية وتنفيذ مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب على إيران وإحلال السلام في منطقة الشرق الأوسط بعد انطلاق مفاوضات سويسرا، فضلاً عن مناقشة عدد من القضايا الإقليمية الأخرى، من ضمنها لبنان، والقضية الفلسطينية، واتفاق غزة، كما ناقش الاجتماع، آلية التعاون على المستوى الرباعي بين الدول بشقيها السياسي والاقتصادي، إذ بحث الوزراء سبل تعزيز الشراكة بين الدول الأربع، والتنسيق المشترك في قضايا المنطقة، كذلك تدشين آلية رباعية ربما تتسع لما بعد الملف الإيراني، إذ لفتت إلى وضع خطة لاستمرارية عمل تلك الآلية في ملفات أخرى، على ان تُعقد اجتماعات على المستوى الفني بين الدول الأربع، وتحديد موعد الانعقاد القادم لهذه الآلية، واستقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي، في أعقاب الاجتماع الرباعي، وزراء الخارجية الأربعة، إذ كشفت التطورات الإقليمية الأخيرة محورية هذه الدول كركائز أساسية للاستقرار والأمن الإقليميين، بما يعزز أهمية استمرار هذه الآلية التشاورية وتطويرها لتصبح إطاراً مؤسسياً فاعلاً قادراً على صياغة حلول شاملة ومستدامة لأزمات المنطقة.
أرى أن هذا التعاون بين الدول الأربع يأخذ في الوقت الحالي شكل إطار تنسيقي للتشاور السياسي وتبادل المعلومات الاستخباراتية، أكثر من كونه تحالفاً دفاعياً ملزماً مثل حلف الناتو، ورغم ذلك فإن نجاح هذا الرباعي في بناء سياسات موحدة يمكن أن يمهد لتحالف عربي إسلامي مستقل لحفظ الأمن الإقليمي، في ظل زعم ترامب حماية أمريكا لمنطقة الشرق الأوسط، بعيداً عن التدخلات الغربية التي ترغب في فرض هيمنتها على المنطقة، بعد أن دخلت في مشاورات لبحث إنشاء إطار تعاون أمني رباعي يهدف إلى تعزيز التنسيق في القضايا الدفاعية والأمنية ومواجهة التحديات الإقليمية المشتركة، وسبق أن عقد وزراء خارجية الدول الأربع اجتماعاً في العاصمة السعودية الرياض على هامش قمة دولية، حيث ناقشوا للمرة الأولى بشكل جماعي إمكانية تطوير صيغة تعاون مؤسسية تشمل مجالات متعددة، من بينها تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتنسيق في مواجهة التهديدات العابرة للحدود، والتعاون في الصناعات الدفاعية، إضافة إلى إنشاء آليات تشاور سياسية مستمرة بين الأطراف، وتشير المعطيات إلى أن هذه المبادرة لا تهدف إلى إنشاء تحالف دفاعي ملزم على غرار نماذج تقليدية، بل إلى تأسيس منصة تعاون مرنة تركز على تنسيق الجهود وتعزيز القدرات الذاتية للدول الأربع، في ظل التحديات الأمنية المتزايدة التي تشهدها المنطقة.
إن هذه التحركات تأتي امتداداً لمسار من التقارب الثنائي بين الدول الأربع خلال الفترة الماضية، والذي شمل توقيع اتفاقيات أمنية وعسكرية بين عدد من هذه الدول، إضافة إلى توسع التعاون في مجالات الصناعات الدفاعية والتبادل التجاري المرتبط بها، خصوصاً أن الحروب التي تشهدها المنطقة ألقت بظلالها على جميع دول الشرق الأوسط العربية والإسلامية، وأصبح لديها يقين بأنها يتعين أن تتلاحم من أجل حماية أمنها القومي لصيانة مقدراتها بعد أن تفاقمت الأوضاع الإقليمية الراهنة، بما في ذلك التوترات المرتبطة بعدة ملفات أمنية والتداعيات الناتجة عن الصراع بين أمريكا وإسرائيل من ناحية وإيران من جهة أخرى للسيطرة على الشرق الأوسط، إذ تسعى الدول الأربع إلى بحث سبل مشتركة للتعامل مع هذه التحديات وتقليل مخاطر التصعيد، ولذا كان من الضروري بناء الثقة المتبادلة وتطوير قنوات اتصال منتظمة، بما يسمح بتنسيق المواقف وتعزيز الاستقرار الإقليمي، مع الإشارة إلى أن أي خطوات مستقبلية ستعتمد على توافق تدريجي بين الدول المشاركة، إذ لا تزال هذه المبادرة في مراحلها الأولية دون إعلان رسمي عن اتفاق نهائي، إلا أنها تعكس توجهاً متزايداً نحو تعزيز التعاون الإقليمي بين قوى رئيسة في العالمين العربي والإسلامي، في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة، والتي تكاد تعصف بالجميع في حال ظلت الخلافات بين الدول العربية مستمرة دون حلول نهائية، خصوصاً أن الثقة بين هذه الدول ستكون منصة انطلاق نحوبناء تحالف إقليمي قادر على حماية المنطقة من المخاطر التي تحيق بها.
***
على وقع أزيز الطائرات المسيرة والحربية وتفجيرات القنابل والصواريخ والمدافع، انطلقت الجولة الأولى من المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران التي تحدث لأول مرة في تاريخ الصراع بين الدولتين وجهاً لوجه، في منتجع «بورجنستوك» بسويسرا، بعد أيام فقط من توقيع مذكرة التفاهم بوقف النار بين الجانبين، بحضور وساطة قطرية وباكستانية، وتضمنت هذه الجولة مباحثات مكثفة استمرت ساعات وشهدت انسحاباً للوفد الإيراني إثر تهديدات من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بفرض رسوم على مضيق هرمز في حال فشلت المفاوضات، قبل أن يعود الطرفان إلى الطاولة، تركزت المفاوضات حول تنفيذ بنود مذكرة التفاهم، وآليات منع تجدد القتال وضمان وقف إطلاق النار في لبنان، إضافة إلى إعادة مضيق هرمز للعمل مجدداً وإجراءات بناء الثقة بين الدولتين، تمهيداً لطرح الملف النووي الإيراني للنقاش، في حين تحقق تقدم كبير وانتزعت إيران مكاسب تشمل إعفاءات لتصدير النفط الإيراني، والإفراج عن أصول مجمدة، ورفع الحصار، وأعلن الوسطاء عن التوصل لخريطة طريق للاتفاق النهائي مدتها 60 يوماً، في حين غادر الوفد الإيراني المفاوض عائداً إلى طهران، على أن تستمر المشاورات عبر الفرق الفنية وفقاً للوسطاء.
تحت عنوان اجتماع بحيرة لوسيرن، في فندق بورجنشتوك في سويسرا، عقد الاجتماع الرباعي لوفود إيران وأمريكا وقطر وباكستان، وترأس الوفد الإيراني المفاوض محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، بينما ترأس الوفد الأمريكي جيه دي فانس، نائب الرئيس ترامب، كما ترأس كل من شهباز شريف، رئيس وزراء باكستان، وعاصم منير، قائد الجيش الباكستاني، والشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، رئيس وزراء قطر ووزير خارجيتها، وفدين من باكستان وقطر كوسطاء بهذه المفاوضات، وحققت إيران عدداً من المكاسب، ويعتبر التقدم الذي تم إحرازه جيدا وهو نتيجة مفاجئة بعد فترة طويلة من عدم اليقين بين الطرفين.
وتركزت المحادثات على آليات تنفيذ مذكرة التفاهم والملفات العالقة بين الجانبين، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني والعقوبات، إضافة إلى قضايا إقليمية تشمل التهدئة في لبنان وأمن الملاحة في مضيق هرمز، وشهدت المحادثات توتراً أدى إلى توقفها بعد أن هاجم ترامب إيران في مقابلة مع قناة فوكس نيوز، إذ هدد، باستئناف قصف إيران والسيطرة على مضيق هرمز، قائلاً: «إذا لم يتوصلوا إلى اتفاق، فسوف نفرض رسوماً، ما أدى لانسحاب الوفد الإبراني»، وتالياً ارتفاع أسعار النفط، وتتناقض هذه التصريحات مع إصرار الرئيس الأمريكي على عدم السماح لإيران بذلك الأسبوع الماضي، إذ صرّح بأن الاتفاق الأمريكي الإيراني سيضمن أن يكون المضيق مجانياً بشكل دائم، لكن بعد انتهاء المحادثات في سويسرا، أعلنت قطر وباكستان، أن إيران والولايات المتحدة قد أنشأتا "خط اتصال" لمضيق هرمز، ما زاد الآمال في استقرار هذا الممر الحيوي لتجارة النفط، لتجنب الحوادث وسوء الفهم، بهدف ضمان مرور آمن للسفن التجارية خلال فترة الستين يوماً المحددة في الاتفاق الأمريكي الإيراني.
-------------------------------------
بقلم: أحمد الشامي
[email protected]
أقول لكم | «تحالف عربي ـ إسلامي لـحفظ الأمن»: «ندعم مفاوضات أمريكا وإيران للسلام»






