25 - 06 - 2026

بين الحلم والتحدي.. رحلة نحو المستقبل

بين الحلم والتحدي.. رحلة نحو المستقبل

"ده بكره جايب نهار.. يستاهل المشوار.. وحلمنا لو ينضرب هنصد ونرد.. ولا بُدّ يبقى المصير في اليد..." بهذه الكلمات التي ألّفها الشاعر سامح القدوسي وغنّاها الكينج محمد منير، ظلت هذه العبارات تتردد في ذهني كلما تأملت رحلة العمر، وما بين الأمس واليوم من محطات صنعت التجربة، وشكّلت الوعي، ورسّخت القناعة بأن المستقبل لا يفتح أبوابه إلا لمن يملكون الجرأة على الحلم والإصرار على الوصول.

عندما يبدأ الإنسان رحلته، لا يدرك حجم التحديات التي تنتظره على الطريق، لكنه يحمل بداخله يقينًا خفيًا بأن لكل جهد ثمرة، ولكل خطوة معنى. ومنذ سنوات الشباب الأولى، كان الطموح هو البوصلة التي تحدد الاتجاه، وكانت المعرفة هي السلاح الذي أواجه به أسئلة الحياة ومتغيراتها المتسارعة.

وُلدتُ في الثالث والعشرين من يونيو عام 1971، في زمن كانت فيه الأحلام أكبر من الإمكانات، لكن الأمل كان حاضرًا بقوة. ومع الدراسة الأكاديمية في كلية الإعلام بجامعة القاهرة، بدأت تتشكل ملامح مشروع مهني قائم على الإيمان بقيمة الكلمة ودورها في بناء الوعي وصناعة التأثير.

لم تكن الصحافة بالنسبة لي مجرد مهنة، بل كانت نافذة أطل منها على المجتمع بكل تحولاته وتناقضاته وأحلامه. ومنذ عام 2004، تنقلت بين عدد من الصحف اليومية والأسبوعية المستقلة والحزبية، أتعلم من كل تجربة درسًا جديدًا، وأكتشف في كل محطة أن النجاح ليس نقطة وصول، بل رحلة مستمرة من التعلم والتطوير.

وعلى مدار أكثر من عشرين عامًا في العمل الصحفي والإعلامي، أدركت أن التحدي الحقيقي لا يكمن في كتابة الخبر أو تحرير المقال، بل في القدرة على فهم ما وراء الأحداث وقراءة المشهد بعين ترى الحاضر وتستشرف المستقبل. لذلك كانت التجارب المهنية المتعددة، وما صاحبها من مسؤوليات تحريرية وإشرافية، فرصة لصقل الخبرة وتعميق الفهم لطبيعة التحولات التي يعيشها المجتمع.

ومن المحطات المهمة في هذه الرحلة، تولي مسؤولية رئاسة تحرير برامج الإعلامي الدكتور عبد المجيد خضر، في عِدة قنوات فضائية، وهي تجربة أضافت بُعدًا جديدًا إلى الرؤية المهنية، إذ لم يعد الأمر متعلقًا فقط بصياغة المحتوى، بل بإدارته وتطويره وتوجيهه ليحقق رسالته الإعلامية بأعلى قدر من الكفاءة والتأثير.

وفي الوقت نفسه، أعتز كثيرًا بانتمائي الحالي إلى جريدة «المشهد» الأسبوعية وموقعها الإلكتروني برئاسة صديقي الأعز الأستاذ مجدي شندي، تلك المؤسسة الصحفية التي أواصل من خلالها أداء رسالتي المهنية، وأجد فيها مساحة حقيقية للتعبير المسؤول والعمل الجاد. كما أكنّ كل التقدير والاحترام لإدارة الجريدة وزملائي فيها، الذين يساهمون في تقديم محتوى صحفي يليق بالقارئ المصري والعربي. فالمؤسسات الناجحة لا تُبنى فقط بالمباني والإمكانات، وإنما تُبنى بالإنسان المؤمن برسالته، وبروح الفريق التي تجعل النجاح هدفًا مشتركًا للجميع.

ومع اتساع دائرة الخبرة، ازداد الاهتمام بالدراسات المستقبلية وأساليب التفكير الاستراتيجي، إدراكًا بأن العالم لم يعد يتحرك بالوتيرة التقليدية نفسها. ومن هنا جاءت أهمية الحصول على شهادة متخصصة من الأكاديمية العسكرية العليا في أساليب التفكير والدراسات المستقبلية، وهي تجربة علمية عززت القناعة بأن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع بالمعرفة والتخطيط والاستعداد.

لقد علمتني الحياة أن الأحلام الكبيرة لا تخلو من العثرات، وأن الطريق نحو الأهداف محفوف دائمًا بالتحديات. لكن الإيمان بالفكرة والتمسك بالهدف يمنحان الإنسان القدرة على الصمود. ولهذا أجد في كلمات الشاعر سامح القدوسي: «وحلمنا لو ينضرب هنصد ونرد» تعبيرًا صادقًا عن فلسفة حياة كاملة، عنوانها عدم الاستسلام مهما كانت الظروف.

إن المستقبل سيظل دائمًا مساحة مفتوحة للأمل والعمل. وقد تتغير الأدوات وتتبدل الظروف، لكن تبقى الإرادة هي العامل الحاسم في صناعة المصير. وبين ما تحقق بالأمس وما نطمح إليه غدًا، تظل الرحلة مستمرة، ويظل الإيمان بالحلم هو القوة التي تدفعنا إلى الأمام.

فالغد، مهما حمل من تحديات، يظل جديرًا بالمشوار، لأن الإنسان الذي يمتلك رؤية واضحة وإرادة صلبة يستطيع أن يحول الصعاب إلى فرص، والتحديات إلى نجاحات، والأحلام إلى واقع يروي للأجيال القادمة أن الطريق لم يكن سهلًا، لكنه كان يستحق العناء.

ولعل أجمل ما تعلمته من رحلة العمر والعمل أن المستقبل لا يُهدى لأحد، بل يكتبه الذين يؤمنون بأن مصيرهم بأيديهم، ويواصلون السير مهما طال الطريق. لذلك سيبقى الأمل حاضرًا، وسيبقى الحلم مشروعًا مفتوحًا للحياة، ما دام في القلب يقين بأن «بكره جايب نهار.. يستاهل المشوار».
------------------------------------
بقلم: إبراهيم خالد


مقالات اخرى للكاتب

بين الحلم والتحدي.. رحلة نحو المستقبل