ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع .. قول مأثور دارج وشائع ينطبق بالدرجة الأولى على رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر وهو يودع مقر 10 داوننج ستريت، وينهي مشواره السياسي عندما أعلن من أمام شرفة مكتبه استقالته من منصبه، رضوخا لأسابيع من الضغوط التي واجهها، وبعد عامين أمضاهما ستارمر كرئيس للحكومة ورئيس لحزب العمال.
طوال فترة بقائه في السلطة، قضى ستارمر أياما في انتعاش ونشوة لأنه قاد حزب العمال إلى ثاني أكبر انتصار انتخابي في تاريخه، وذلك في الانتخابات العامة التي جرت قبل عامين فقط من الآن، إلا أن شعبية الحكومة وحزب العمال سرعان ما انهارت، وتجسد المشهد بوضوح في الانتخابات البلدية التي جرت قبل أسابيع وأظهرت تراجعا كبيرا في شعبية حزب العمال ليجد ستارمر نفسه مضطرا للاستقالة.
وكشف تقرير نشرته صحيفة "مترو" البريطانية عن سلسلة أخطاء ارتكبتها حكومة ستارمر في 13 قضية جوهرية ورئيسية، لتفقد رصيدها الشعبي في الشارع البريطاني .. وظهرت عدة أسباب كانت كافية لسقوط جواد العمال وخروجه مبكرا من سباق الحكم .. وبداية الانهيار فجرها إعلان وزيرة المالية راشيل ريفز إلغاء مدفوعات وقود الشتاء للمتقاعدين الذين لا يتلقون إعانات ورفع اشتراكات التأمين الوطني على أصحاب العمل على الرغم من أن برنامج حزب العمال الانتخابي كان يدرجها ضمن الضرائب الثلاثة التي رفض الحزب رفعها.
وطاردت قضايا تربح وفساد سمعة رئيس الوزراء، حيث خضع للتدقيق بعد الكشف عن تلقيه هدايا تزيد قيمتها عن 100 ألف جنيه إسترليني، من بينها تذاكر مباريات كرة قدم، بالإضافة إلى عدم إفصاحه عن ملابس فاخرة اشتراها أحد المتبرعين لحزب العمال لزوجته .. ثم جاءت الضربة القاضية في الفضيحة التي اندلعت بسبب قرار ستارمر تعيين بيتر ماندلسون سفيرا على الرغم من علاقة الأخير بالمدان بالاعتداء الجنسي على الأطفال جيفري إبستين .. واكتملت اللكمات السياسية بالهزيمة الساحقة التي لحقت بحزب العمال في الانتخابات المحلية في مايو الماضي، حيث خسر 1400 مقعد في المجالس المحلية، وصارت القشة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة للعديد من نواب حزب العمال الذين التفوا منذ ذلك الحين حول الوجه اليساري الجديد آندي بورنهام لتولي زمام الأمور.
ويرى مقربون من المستقيل ستارمر أن بورنهام يمتلك قدرة أكبر على وقف النزيف الانتخابي الذي يعاني منه الحزب، مستفيدا من كاريزمته الشخصية وقدرته على ترسيخ مكانته كأحد أكثر السياسيين شعبية في بريطانيا، فبعد مسيرة طويلة بدأت باحثا برلمانيا في سن الرابعة والعشرين، ثم مستشارا خاصا في الثامنة والعشرين، وعضواً في البرلمان في الحادية والثلاثين، ثم شغل مناصب وزارية في حكومتي توني بلير وجوردون براون، قبل أن يصبح وزيرا للصحة .. وقد يراهن حزب العمال على بورنهام لتصحيح المسار وعلاج التشوهات الحكومية والمالية التي تورطت فيها حكومة العمال في عهد ستارمر!.
----------------------------------
بقلم: شريف سمير
* نائب رئيس تحرير الأهرام






