23 - 06 - 2026

ثمن الأمان

ثمن الأمان

اعتادت الحكومات عبر عقود طويلة تبرير استضافة القواعد العسكرية الأجنبية باعتبارها جزءًا من منظومة الحماية والأمن القومي، الرسالة واضحة:

وجود القواعد هو ردع للتهديدات الخارجية، تعزيز للاستقرار، وتوفير مظلة دفاعية للدول الحليفة.

لكن..

الحروب الحديثة فرضت اليوم أسئلة جديدة لم تطرح بالحدة نفسها سابقاً، فمع تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، لا تقتصر المخاطر الأن على الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تستهدف مواقع بعينها، بل امتدت إلى أنظمة الدفاع نفسها، فكل عملية اعتراض، وكل مواجهة في السماء، تحمل خطرا آخر غالبًا ما يغيب عن الخطاب السياسي والإعلامي:

ماذا يحدث إذا أخطأت المنظومات الدفاعية؟ وماذا لو سقطت بقايا الصواريخ أو الاعتراضات فوق مناطق مدنية؟

هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل جزءًا من واقع تعيشه شعوب المنطقة العربية ممن تملك قواعد عسكرية لدول أجنبية على أراضيها، كلما اتسعت رقعة الصراع، اقترب الخطر من المدن والمطارات والمنشآت المدنية، حتى في الدول التي لا تشارك مباشرة في القتال، ليجد المواطن نفسه محاصرًا بين طرفين متصارعين، وهو بلا ناقة أو جمل في الأمر، ولا يملك أي قدرة على التأثير في القرارات التي وضعت بلاده داخل دائرة الخطر.

المفارقة أن القواعد العسكرية التي أُنشئت أساسًا لتوفير الحماية قد تتحول، في نظر بعض المواطنين، إلى غول مرعب، فحين تُستهدف هذه القواعد أو تتحول إلى نقاط اشتباك، تصبح المناطق المحيطة بها أكثر عرضة للمخاطر والتهديدات، حتى لو لم تكن الدولة المضيفة طرفًا مباشرًا في النزاع.

لا يقتصر الأمر على الخطر الأمني وحده، فوجود التوتر العسكري المستمر ينعكس على الاقتصاد والاستثمار والسياحة وحركة النقل والتجارة، وكلما ارتفعت حدة المواجهات، زادت كلفة القلق التي تدفعها المجتمعات المحلية، سواء في صورة خسائر مباشرة أو تراجع في فرص التنمية والاستقرار.

الأخطر من ذلك المدنيون وهم الحلقة الأضعف، فالسياسيون يتفاوضون، والعسكريون يخططون، والقوى الكبرى تتبادل الرسائل الاستراتيجية، بينما يبقى المواطن العادي هو من يتحمل النتائج على الأرض، هو من يخشى على منزله وأسرته ومصدر رزقه، وهو من يدفع ثمن قرارات لم يشارك في اتخاذها.

لهذا فالسؤال المطروح اليوم يتعلق فقط بقدرة القواعد العسكرية على ردع الخصوم، وبقدرتها على حماية المجتمعات التي تستضيفها، فالحماية الحقيقية لا تُقاس بعدد الصواريخ الاعتراضية أو حجم الترسانات العسكرية، بل بمدى شعور الناس بالأمان في حياتهم اليومية.

في النهاية، قد تكون القواعد العسكرية عنصرًا مهمًا في حسابات الدول الاستراتيجية، لكن أي منظومة أمنية تفقد معناها إذا تحولت حياة المدنيين إلى ثمن دائم للصراعات، وفي عالم تزداد فيه الحروب تعقيدًا، ربما حان الوقت لإعادة طرح السؤال الأهم:

هل ما زالت مفاهيم الحماية التقليدية قادرة على حماية الناس فعلًا، أم أن المنطقة تحتاج إلى مقاربة جديدة للأمن، يكون الإنسان فيها هو الأولوية الحقيقية؟
------------------------------
بقلم: إنچي مطاوع

مقالات اخرى للكاتب

ثمن الأمان