24 - 06 - 2026

هل يُدفع نظام التأمينات الاجتماعية نحو الخصخصة؟

هل يُدفع نظام التأمينات الاجتماعية نحو الخصخصة؟

- أعطال السيستم وتراجع الإيرادات ومخاطر المساس بأحد أهم ركائز العدالة الاجتماعية

ليست المشكلة الحقيقية في هيئة التأمينات الاجتماعية مجرد تأخر خدمة أو تعطل إجراء، وإنما في التداعيات الاقتصادية والاجتماعية الخطيرة التي قد تترتب على استمرار الأزمة الحالية دون مصارحة أو معالجة جذرية.

فمنذ تشغيل النظام الجديد (CRM) في 24 فبراير 2026، وإيقاف النظام القديم (CICS)، تعاني الهيئة من تراجع ملحوظ في جودة الخدمات التأمينية، وعجز النظام الجديد عن أداء المهام التي كان يقوم بها النظام القديم بكفاءة واستقرار، الأمر الذي ترتب عليه حرمان أعداد كبيرة من المؤمن عليهم وأصحاب المعاشات من الحصول على حقوقهم أو الوفاء بالتزاماتهم القانونية، بما أدى إلى حالة من الاستياء المتزايد وفقدان الثقة في المنظومة التأمينية.

والأخطر من ذلك أن الإيرادات اليومية لصندوق العاملين بقطاع الأعمال العام والخاص تراجعت - وفق المعلومات المتداولة - من نحو مليار جنيه يومياً إلى ما يقرب من 250 مليون جنيه فقط، وهو ما قد يضطر الهيئة إلى فك بعض الودائع لتوفير السيولة اللازمة لصرف المعاشات، بما يضعف قدراتها المالية ويزيد من الأعباء الواقعة على الدولة باعتبارها الضامن القانوني للمعاشات والممولة للعجز الاكتواري.

هل يتكرر سيناريو شركات قطاع الأعمال؟

المتأمل لما يحدث يلاحظ تشابهاً بين ما يجري الآن وبين المنهج الذي سبق اتباعه مع كثير من شركات قطاع الأعمال العام؛ إذ يبدأ الأمر بتراجع الأداء والخدمات، ثم ضعف الموارد والقدرات المالية، ثم تتصاعد الشكاوى المجتمعية، حتى تصبح الخصخصة في نظر البعض الحل الوحيد للخروج من الأزمة.

وهنا يبرز سؤال مشروع:

هل يجري تهيئة الرأي العام لقبول خصخصة نظام التأمين الاجتماعي؟

سؤال يفرض نفسه خاصة مع اتجاهات تشريعية ظهرت أخيراً، ومع الضغوط المالية التي تواجه الموازنة العامة بسبب تضخم الديون وأعباء الإنفاق.

لماذا قد تميل الحكومة إلى الخصخصة؟

قد يرى البعض داخل دوائر صنع القرار أن الخصخصة تحقق عدة أهداف، منها:

أولاً: تخفيف الالتزامات القانونية التي تتحملها الدولة بموجب قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019، والتي تجعل الخزانة العامة ضامنة للمعاشات وممولة للعجز الاكتواري.

ثانياً: التخلص من أعباء سداد الأقساط السنوية المستحقة على الخزانة العامة لصالح الهيئة على مدار عقود طويلة، بما يوفر موارد للموازنة العامة في ظل الضغوط المالية الحالية.

لكن هل المكاسب المالية قصيرة الأجل تبرر المخاطرة بأهم نظام للحماية الاجتماعية في مصر؟

مخاطر الخصخصة أكبر من فوائدها

التأمينات الاجتماعية ليست شركة استثمارية، بل عقد اجتماعي بين الدولة والمواطنين، وأموالها ليست ملكاً للحكومة، وإنما مدخرات وحقوق لأكثر من أربعين مليون مواطن بين مؤمن عليه وصاحب معاش ومستفيد.

ومن أخطر السيناريوهات التي قد تترتب على الخصخصة:

توجيه استثمارات أموال التأمينات إلى الخارج بحثاً عن عوائد أعلى، بما يفقد الاقتصاد الوطني مورداً مالياً ضخماً.

تعرض المستثمر أو الجهة المديرة للتعثر أو سوء الإدارة.

تحول أصحاب المعاشات إلى رهائن لاعتبارات السوق والربح والخسارة.

تراجع الضمانات السيادية التي توفرها الدولة حالياً.

المساس بالسلم الاجتماعي وإثارة مشاعر القلق وعدم الاستقرار لدى ملايين الأسر المصرية.

فتح الباب أمام أزمات مجتمعية قد تستغلها قوى داخلية أو خارجية معادية للدولة.

العدالة الاجتماعية ليست عبئاً على الدولة

لقد قامت نظم التأمينات الاجتماعية في العالم كله على مبدأ التضامن المجتمعي، ولم تنشأ لتحقيق الربح، وإنما لضمان حياة كريمة للمواطن بعد انتهاء سنوات عمله.

ومن ثم، فإن حماية نظام التأمين الاجتماعي ليست مجرد التزام قانوني، بل واجب وطني ودستوري، وجزء أصيل من مفهوم العدالة الاجتماعية التي قامت عليها الدولة المصرية الحديثة.

المطلوب الآن

المطلوب ليس الخصخصة، بل:

إعلان حكومي واضح وشفاف حول مستقبل نظام التأمين الاجتماعي.

إجراء تقييم فني مستقل لتجربة النظام الجديد (CRM).

إعادة تشغيل النظام القديم أو العمل بالنظامين بالتوازي حتى استقرار الخدمات.

مساءلة المسؤولين عن أوجه القصور إن ثبت وجودها.

إشراك الخبراء والنقابات ومنظمات أصحاب المعاشات في أي قرارات تتعلق بمستقبل التأمينات.

التأكيد على استمرار التزام الدولة بضمان المعاشات وتمويل العجز الاكتواري.

إن التأمينات الاجتماعية ليست مجرد أرقام وحسابات، وإنما صمام أمان للمجتمع كله، وأحد أهم إنجازات الدولة الحديثة. وأي مساس بها أو تحويلها إلى سلعة تخضع لمنطق الربح والخسارة، ستكون له تكلفة اجتماعية وسياسية واقتصادية تفوق كثيراً أي وفورات مالية مؤقتة.

ولهذا، فإن بياناً حكومياً واضحاً لا لبس فيه أصبح ضرورة وطنية، حتى لا تتحول المخاوف إلى يقين، والشكوك إلى أزمة ثقة تمس أحد أهم أعمدة الأمن الاجتماعي في مصر.
--------------------------------
بقلم: كامل السيد
* خبير التأمينات والمعاشات


مقالات اخرى للكاتب

استثمار أموال التأمين الاجتماعى والحد الأدنى للمعاشات