23 - 06 - 2026

قلة رباية أم غياب عدالة

قلة رباية أم غياب عدالة

لم تكن مجرد حادثة.. لم تكن جريمة قتل خطأ. جاء مقتل الشابة هدير بائعة الشاى بعد أن صدمتها فتاة صغيرة لم نتجاوز خمسة عشر عاما تتعلم قيادة السيارات. جاءت النهاية الصادمة لتكشف ما نعانيه من خلل أخلاقي وقيمى وإنسانى واجتماعي.

خلل جعل ميزان العدالة مختلا لصالح طبقة بعينها.. نصبت نفسها فوق كل من هو أدنى منها ماديا واجتماعيا.

ساهم فى دعم ركيزتها المتعالية مناخ يعلى من قيمة أصحاب السلطة والمال والنفوذ، بغض النظر عما يمكن أن يرتكبه بعضهم من جرائم تزكم رائحتها العطنة الأنوف وتكتم بشاعتها على الأرواح والنفوس.

كشف واقعنا البائس بقسوة رد فعل الفتاة المدللة بعدما دهست بسيارتها بائعة الشاى وحولت جسدها الى أشلاء. لم ترتجف الفتاة .. لم يهتز لها جفن .. لم تشفق على مصير الفتاة الأخرى التى دفعت حياتها ثمنا لرعونة الطفلة المدللة.. لم يكن رد فعل عكسى لكنه ثبات متبجح. نظرت بلا مبالاة وتحدى لمن يسجل الواقعة.. أخرجت لسانها استهزاء واشارت ببذاءة للجميع.

إستهتار وبجاحة وتحدى رسالة واضحة ويقين أن أحدا لن يستطيع محاسبتها. وأنها فوق المحاسبة ولن يطولها اى عقاب.

أمنت العقاب فأساءت ليس فقط للأدب ولكن للإنسانية والأخلاق أيضا.

انت عارف انت بتكلم مين .. ربما لم تنطقها تلك العبارة المتعالية التى كرست الطبقية ووطدت الشعور بالظلم، بأن الفقير المهمش لاظهر له ولاسند يحميه ولا يد تنتزع حقوقه وتعيد له كرامته المنتهكة.

لا أعتقد أن سلوك المدللة الصغيرة ليس نتاج تربية خاطئة فقط. بل الأخطر وراءه مناخ فاسد. تتكشف تداعياته يوم بعد آخر، لتزيد الإحساس بالضعف والعجز والظلم. ويوقن الجميع أن هناك من هم فوق القانون لا أحد يحاسبهم ولا أحد يعاقبهم وإن حدث فيكون عقابا شكليا حتى تهدأ العاصفة ويمر الحدث وتنسى الجريمة ليس بالطبع لتنمية المناخ وتحقيق العدالة، وإنما بحادثة أخرى وجريمة أبشع لها وقع أكبر وصدى أشد وأرواح أكثر تزهقا.

تتوالى مصائر المهمشين الحزينة .. من أطفال يدفعوا أعمارهم وأرواح فى أعمال شاقة لا تتناسب مع سنهم الصغيرة .. تضيع طفولتهم وسط ظروف قاسية غير عابئين بالعادة والاستغلال عدوا لإجبار على عمل يفوق قدرتهم ولا تحتمله أعمارهم الصغيرة .. يفعلون ذلك بلا مظلة حماية تضمن لهم أبسط الحقوق.

الى فتيات يخرجن للعمل فى حقول بعيدة مستخدمين وسائل مواصلات غير آدمية ولا آمنة أو عاملات المصانع لاتتوفر لهن أدنى مقومات السلامة  

الى شباب ينحتون الصخر يعانون الحرمان بلا أدنى أمل فى تغيير حالهم للأفضل.

فقر وتهميش ومعاناة لملايين بينما صفوة مرفهة الى حد السفه .. متعتها تصل لحد الجنون ومفتقدة للقيم حد الانفلات، للأسف يتزايد تفوذها وتتوطد مكانتها وتكرس تكبرها وتعاليها وغطرستها يوما بعد آخر لتصبح كلمتها قانون وأحلامها أمر ورغباتها فرض.

أما جرائمها فهى تفاهات لا يجب الوقوف عندها بل الأسلم أن تمر بهدوء وبلا صخب ولا إزعاج  

يدفع المهمشون الثمن .. لا أحد يهتم بوجودهم ولا يلتفت لمعاناتهم ولا يتغب نفسه لحل أزماتهم والتخفيف عن كاهلهم رغم ثقل الهموم والحمول.

ربما تعافب الفتاة المدللة التي دهست بائعة الشاى، ربما نشعر بقدر من أمل لو نالت العقاب الذى تستحقه. لكن لن نشعر أبدا بالراحة طالما ظلت أرواح المهمشين فى خطر وبلا حماية وبلا أدنى حياة آدمية.

سيظل ميزان العدل مختلا وتظل الأرواح المرهقة رخيصة ما دامت أيادى أصحاب المال والسلطة والنفوذ مطلقة لا يطولها عقاب او مساءلة فيزداد تبجحها وغطرستها ويقينها بأن المهمشين والفقراء والضعفاء لا ثمن لأرواحهم وهم فقط من يستحقون العقاب.
-------------------------------------
بقلم: هالة فؤاد


مقالات اخرى للكاتب

قلة رباية أم غياب عدالة