يفصل بين الاثنين أكثر من 80 عاما، فالأولى حدثت عام 1939 والثانية حدثت ولاتزال تحدث منذ 2023. الأولى قامت بها الحكومة الألمانية وقيل يومها أن المواطنين الألمان اليهود الذين قدموا إلى المحرقة كانوا جواسيس للحلفاء ضد ألمانيا. أما ضحايا الثانية فهم فلسطينييون استولت إسرائيل بالخديعة والقوة على أرضهم واستعبدتهم ورفضت أن يقيم صاحب البيت بجانب اللص فى بيته. وتواطأ هتلر مع الصهاينة و الأمريكان رعاة الصهاينة وطرد الصهاينة الألمان وهجرهم لإنشاء إسرائيل علما بأن الفلسطينيين ليس لهم علاقة بالجرائم التى ارتكبها هتلر مع مواطنيه.
والطريف انه بدلا من أن يقدم هتلر تعويضات عن تعذيب مواطنيه قدم التعويضات إلى إسرائيل وهذا له تفسير واحد وهو أن إسرائيل ليست الطرف المتضرر وأن الضحايا لم يكونوا رعايا لإسرائيل.
والغالب أن ألمانيا قدمت رشوة لإسرائيل حتى لا تفضح هتلر ولم تأت حكومة تجرؤ على قول الحقيقة.
وتنوعت الرشوة عبر السنين ولم يجرؤ برلمان فى ألمانيا على أن يحاسب الحكومة ويناقش هذه الرشوة. ولم تقتصر الرشوة على المال وإنما بالسلاح والمشاركة الفعلية فى عملية إبادة غزة حتى أن نيكاراجوا قدمت عريضة اتهام ضد ألمانيا أمام محكمة العدل الدولية، فأصبحت إسرائيل مدعى عليها والمدعى جنوب إفريقيا، كما أن ألمانيا متهمة من جانب نيكاراجوا ولم تجرؤ أى دولة عربية أو إسلامية على الانضمام إلى جنوب إفريقيا أو نيكاراجوا.
وأملى أن تجر ألمانيا إلى المحكمة الجنائية الدولية. إذا كانت إسرائيل حملت ألمانيا مسؤولية تعذيب المواطنين الألمان، فالعادة أن تدفع الحكومة التعويضات إلى المواطنين الألمان فما هى صفة إسرائيل حتى تتلقى تعويضات المواطنين الألمان الصهاينة؟
فى الإبادة الثانية فى غزة تحالف الغرب مع إسرائيل ومن بينها ألمانيا وأمريكا فى التنفيذ المباشر وسط عالم عربى وإسلامى يتفرج على المأساة وفى وسعه إنقاذ غزة من الجرائم الإرهابية.
والغريب أن عددا كبيرا من الصهاينة المشاركين فى إبادة غزة هم أحفاد الناجين من المحرقة ضحايا التضليل الصهيونى.
جمعت إسرائيل كثيرا من الأموال رشوة من الحكومات الألمانية. وإذا صح أن تعذيب الضمير الألمانى من جراء جرائم إبادة هتلر هو الذى دفع ألمانيا إلى دفع هذه التعويضات فما هى صفة إسرائيل.؟
ثم أن ألمانيا وإسرائيل تواطأوا على نقل أحكام محاكم نورمبرج فى اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة إبادة العرق البشرى، فكيف نفسر التقارب الحميم بين ألمانيا وإسرائيل؟
أحد عناصر التفسير أن ألمانيا لما هزمت فى الحرب العالمية الثانية واحتلتها القوات الأمريكية كنت أظن أن ألمانيا تدفع مقابل هزيمتها، ولكن العملية استمرت منذ المحرقة الألمانية. وتآمرت الأمم المتحدة مع إسرائيل، ومن مظاهر المؤامرة أن اتفاقية منع إبادة العرق البشرى أبرمت عام 1948 بعد قيام إسرائيل وهى أول دولة انضمت إليها. ولكن المعاهدة موضوعها جنائي تنظر أمام محكمة العدل الدولية،وهي محكمة مدنية لأن القضاء المدنى لايمكن أن ينظر القضايا الجنائية، وتأخر القضاء الجنائى كثيرا حتى عام 2002 حين نشأت المحكمة الجنائية الدولية وهى المختصة بالفصل فى المسائل الجنائية.
ومن صور التآمر فى الأمم المتحدة هى أن الجمعية العامة قررت تذكير العالم بمحرقة ألمانيا. ليتعاطف العالم مع هؤلاء الصهاينة ، علما بأن الهولوكوست فى غزة أولى بالتذكير.
من المقبول أن تقوم حكومة وطنية بتعذيب بعض المواطنين، لكن مرتكبى الابادة الثانية فى غزة قادتها إسرائيل التى انقضت على فلسطين، وهدف الإبادة إفراغ فلسطين من أهلها خلاف الحالة الألمانية.
الدول الأوروبية تواطأت مع ألمانيا فساعدت إسرائيل على التوحش وامتهان القانون الدولى، وأصدرت تشريعات حظرت دراسة الهولوكوست الألمانى بينما الهولوكوست الصهيونى رفضه شباب الجامعات الأوروبية، والشوارع السياسية فى أوروبا بينما الغرب هو المسؤول عن جمود الدول العربية والإسلامية التى وقفت متفرجة على أعمال إبادة غزة ولم تجرؤ دولة عربية أو إسلامية على إنقاذ غزة.
ونستطيع أن نقول أن العالم الغربي كله تواطأ مع الهولوكوست الألمانى ضد مواطنى ألمانيا الصهاينة. بينما الشوارع الغربية هى التى احتجت علي إبادة غزة ثم كان العدوان الصهيونى الأمريكى على إيران مما ينذر بزوال إسرائيل وأمريكا كدولة عظمى وانتصار الإسلام .
وإيران فى هذه المعركة التى أفصح وزير الحرب الأمريكى أنها حرب هدفها اقتلاع الإسلام من إيران. ولذلك لا أطالب بموقف متوازن عالمى تجاه نوعى الإبادة لكن للتاريخ أن الغرب فقد مصداقية شعاراته حول الديمقراطية وحقوق الإنسان.
ومادامت فلسطين سوف تتحرر ويزول السرطان الصهيونى فإن المنطقة مقبلة على تغيير عميق فى خرائطها.
---------------------------------------
بقلم: السفير د. عبدالله الأشعل






