كان عبد الوهاب المسيري ـ يرحمه الله ـ يرى أن التحالف الأمريكي/الإسرائيلي ليس علاقة أبدية، بل علاقة تحكمها المصالح قبل أي شيء آخر.
الإمبراطوريات، في قراءته، لا تتحرك بدافع الوفاء أو الالتزام الأخلاقي، وإنما وفق حسابات الربح والخسارة. لذلك لم يكن حديثه عن احتمال تراجع هذا التحالف نبوءة غيبية، بل استنتاجاً منطقياً لطبيعة القوة ذاتها.
ربط المسيري بين الدور الوظيفي الذي تؤديه إسرائيل وحدود هذا التحالف. فإسرائيل، من وجهة النظر الأمريكية، كانت أداة لضبط التوازنات الإقليمية وحماية المصالح الاستراتيجية في المنطقة.
لكن الأدوات تحتفظ بقيمتها ما دامت تحقق الغرض الذي أُنشئت من أجله.
أما إذا تحولت إلى مصدر أعباء متزايدة، أو أصبحت سبباً في استنزاف النفوذ الأمريكي وإدخاله في صراعات مكلفة وعزلة دولية غير ضرورية، فإن منطق المصلحة سيدفع واشنطن إلى إعادة النظر في حساباتها.
من هنا جاءت قوة استشراف المسيري؛ إذ رأى أن ما يبدو للكثيرين تحالفاً مقدساً ليس في الحقيقة سوى علاقة سياسية مشروطة.
ويمكن قراءة هذه الفكرة اليوم في ضوء التوترات المتزايدة في بنية العلاقة الأمريكية/الإسرائيلية، والتي لم تعد تُدار بالهدوء نفسه الذي كان يميز مراحل سابقة.
التحولات الكبرى في الإقليم، وعلى رأسها الحرب على غزة وما رافقها من إعادة تشكيل لدوائر الضغط الدولي والإقليمي، إلى جانب الحرب المشتركة على إيران، ساهمت جميعًا في تسريع إظهار التباينات داخل هذه العلاقة، وإعادة فتح النقاش في دوائر القرار الأمريكية حول كلفة الانخراط غير المشروط في دعم إسرائيل، وحدود ما يمكن تحمّله استراتيجياً وسياسياً.
لم تعد المسألة خلافات تكتيكية عابرة، بل مؤشرات على تحولات أعمق في حسابات المصالح والالتزامات، حيث بدأت بعض دوائر التفكير الاستراتيجي في واشنطن تُعيد النظر في طبيعة "التحالف" ذاته، لا في تفاصيله فقط.
وكان المسيري يلمّح مبكرًا إلى أن لحظة الحقيقة ستأتي حين يصبح "الكلب الحارس" عبئاً على سيده، فيبدأ الأخير في التفكير: هل يستحق أن يواصل إطعامه وحمايته بعدما صار نباحه يجرّه إلى معارك لا يريدها ويحمّله أكلافاً تفوق ما يحققه من مكاسب؟
عندئذٍ ستتبدد أوهام الأبدية، ويظهر أن العلاقات الدولية لا تعرف الحلفاء الدائمين بقدر ما تعرف المصالح الدائمة. وحين يصبح التحالف صفقة خاسرة، ستتصرف الولايات المتحدة بمنطق الدولة التي تعيد حساباتها، لا بمنطق العقيدة التي تتمسك بخياراتها مهما كانت الكلفة.
ذلك هو جوهر رؤية المسيري: ليس السؤال متى تختلف أمريكا مع إسرائيل، بل متى تصبح كلفة استمرار العلاقة أكبر من عائدها. ففي عالم الإمبراطوريات لا وجود لتحالفات أبدية، بل لمصالح تتغير، وحين تتغير المصالح تتغير معها كل الحقائق التي ظنها الناس ثابتة.
-------------------------------------
بقلم: محمد حماد







