في الدول التي تحترم تعهداتها لمواطنيها، لا يفترض أن يتحول التعويض إلى معركة تمتد سنوات، ولا أن يصبح انتظار الحقوق رحلة مفتوحة بلا نهاية. لكن ما يعيشه عدد من أهالي القرنة القديمة بمحافظة الأقصر يطرح سؤالاً مشروعاً حول مصير وعود ظلت معلقة لما يقرب من ثمانية عشر عاماً، دون أن تجد طريقها الكامل إلى التنفيذ.
القصة ليست جديدة، لكنها تتجدد مع كل مسؤول يتولى منصبه، ومع كل وعد جديد يمنح الأهالي أملاً سرعان ما يتبخر. فمنذ عملية التهجير التي جرت في القرنة القديمة خلال فترة تولي اللواء الدكتور سمير فرج مسؤولية المحافظة، ينتظر المواطنون الحصول على التعويضات التي أقرتها الدولة آنذاك، سواء في صورة وحدات سكنية أو قطع أراضٍ بالمساحات التي تم الإعلان عنها وقت التنفيذ.
وخلال هذه السنوات الطويلة، ظل الأهالي يتمسكون بالصبر والثقة في مؤسسات الدولة، ويعرضون مطالبهم على المحافظين المتعاقبين، فيتلقون الوعود ذاتها: "الحل قريب"، و"التسليم خلال أشهر"، و"الملف قيد الدراسة". لكن الأعوام تمضي، ويبقى أصحاب الحقوق في المكان نفسه، بينما تتغير الوجوه والمناصب.
المشكلة اليوم لا تتعلق فقط بتأخر التعويضات، بل بما يتردد عن تغيير جوهري في طبيعتها. فبدلاً من الوحدات السكنية المخصصة لبعض المستحقين، أصبح الحديث عن منح قطع أراضٍ، وبدلاً من المساحة التي كانت مقررة سابقاً وتبلغ 170 متراً، يجري التخطيط لمساحات أصغر تصل إلى 120 متراً فقط. والأخطر من ذلك أن هذه الأراضي، وفقاً لما يطرحه الأهالي، تفتقر إلى المرافق الأساسية.
هنا يبرز التساؤل المنطقي: كيف يمكن لمواطن ينتظر تعويضه منذ ما يقرب من عقدين أن يتحمل أيضاً تكلفة إدخال المرافق إلى عشرات الأفدنة؟ وهل من العدالة أن يتحول التعويض من حق واجب النفاذ إلى عبء مالي جديد يضاف إلى معاناة سنوات الانتظار؟
لا أحد ينكر حجم التحديات الاقتصادية التي تواجهها الدولة، ولا الضغوط الواقعة على الموازنات المحلية، لكن ذلك لا ينبغي أن يكون مبرراً لإعادة صياغة الحقوق المقررة أو تحميل المواطنين تكلفة ما كان يفترض أن يكون جزءاً من مشروع التعويض نفسه. فالقضية هنا ليست مجرد أمتار زائدة أو ناقصة، بل تتعلق بمبدأ الثقة بين المواطن والدولة، وبمدى الالتزام بما تم الاتفاق عليه منذ البداية.
ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى تدخل جاد من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ بمحافظة الأقصر، ليس فقط للاستماع إلى شكاوى الأهالي، بل لعقد لقاء مباشر يجمع جميع الأطراف المعنية للوصول إلى حل واضح وعادل وملزم. فالمواطنون لا يطالبون بامتيازات جديدة، وإنما يطالبون بتنفيذ ما تم إقراره لهم منذ سنوات طويلة.
إن ملف مهجري القرنة القديمة لم يعد مجرد قضية تعويضات مؤجلة، بل أصبح اختباراً حقيقياً لقدرة المؤسسات على إنصاف المواطنين وإغلاق أحد الملفات التي طال انتظار حلها. فالعدالة لا تقاس بحجم الوعود التي تُطلق، وإنما بقدرة الدولة على الوفاء بها، خاصة عندما يكون أصحاب الحق قد انتظروا ثمانية عشر عاماً كاملة أملاً في أن يروا نهاية عادلة لقضيتهم.
--------------------------------
بقلم: إبراهيم خالد







