25 - 06 - 2026

التفاهم الأمريكي الإيراني يؤسس لواقع جديد في الشرق الأوسط

التفاهم الأمريكي الإيراني يؤسس لواقع جديد في الشرق الأوسط

بعيدًا عن ادعاءات النصر الأمريكية أو الإيرانية التي رافقت الإعلان عن توصل الطرفين إلى مذكرة تفاهم جديدة، فإن البنود الأربعة عشر الواردة في الاتفاق الذي وقعه الرئيسان الأمريكي دونالد ترامب في قصر فرساي في باريس والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان فجر الخميس، تشير إلى أننا بصدد مسار قد يؤسس لواقع جديد في الشرق الأوسط، وأن إيران أصبحت لاعبًا رئيسيًا قادراً على التأثير على جبهات أخرى، وهو أمر لم يتحقق لأي قوة إقليمية أخرى. من المبكر معرفة ما إذا كان هذا الوضع سيستقر أم لا، إذ أن المسار التفاوضي الذي تحدده مذكرة التفاهم للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب بين البلدين، مرهون أيضا بقدرة الولايات المتحدة على ضبط سلوك إسرائيل في القتال ضد حزب الله على الجبهة اللبنانية، ولا يمكن كذلك التعويل على قدرة إيران على التأثير في ردود فعل الجماعة اللبنانية، في ظل وضع إقليمي معقد ومتشابك. من الواضح في ضوء التطورات التي سبقت التوصل إلى مذكرة تفاهم متفق عليها من الطرفين أن إيران متمسكة بربط موافقتها والتزامها بتنفيذ بنود الاتفاق بتوقف الحرب التي تشنها إسرائيل على حزب الله وعلى لبنان، فيما تشير تقارير إلى إصرار إسرائيلي على مواصلة الحرب في لبنان رغم الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة على إسرائيل، والتي تؤكد حرص واشنطن على التهدئة وتجنب التصعيد. 

تنص البنود التي وردت في "مذكرة تفاهم إسلام آباد بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية"، التي أعلنت يوم الخميس والمؤلفة من 14 بندًا، على "وقف فوري ودائم للحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان"، وتضمنت تعهدات متبادلة بوقف العمليات العسكرية، والتزام كل طرف باحترام سيادة ووحدة أراضي و"الامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية للطرف الآخر"، ونصت على رفع الحصار البحري الأمريكي عن إيران، وفتح مضيق هرمز للملاحة أمام السفن التجارية، وإصدار إعفاءات تسمح باستئناف صادرات النفط الإيرانية، والإفراج عن الأصول المجمدة، على أن يجري البت في الملفات النووية الأكثر تعقيدا خلال المفاوضات المقبلة، وأشير إلى إطلاق المفاوضات بشأن البرنامج النووي ورفع العقوبات، خلال الستين يومًا، فترة سريان الاتفاق. فيما اتفق الطرفان على" إنشاء آلية مشتركة للإشراف على تنفيذ المذكرة وضمان الالتزام بالاتفاق النهائي"، واتفقا على اعتماد الاتفاق النهائي بموجب قرار ملزم يصدر عن مجلس الأمن الدولي.

هناك تحديات على ما يبدو لا تزال قائمة فيما يخص تنفيذ بنود هذا الاتفاق، الذي يتعرض لانتقادات شديدة من قبل أطراف عديدة في الولايات المتحدة وفي إسرائيل وأوروبا، تشير إلى أن واشنطن لم تحقق شيئا من الأهداف التي أعلنتها في بداية الحرب، وتجمع تحليلات نشرتها صحف أمريكية وأوروبية على أن مذكرة التفاهم منحت متنفسًا اقتصاديًا واسعًا دون تقديم تنازلات جوهرية وفورية بشأن برنامجها النووي أو نفوذها الإقليمي، وأن إدارة ترامب تراجعت بصورة كبيرة عن أهدافها المعلنة. وتدفع هذه الانتقادات ترامب إلى إظهار استعداده للجوء لاستخدام القوة العسكرية ضد إيران، بما يتعارض مع أحد البنود الواردة في مذكرة التفاهم، إذ قال خلال قمة مجموعة السبع قبل توقيع مذكرة التفاهم، "إنها مذكرة تفاهم، وإذا لم تعجبني فسنعود إلى إطلاق النار عليهم وإلقاء القنابل على رؤوسهم. إذا لم يلتزموا بما ينبغي، فسوف نعود مباشرة إلى قصفهم في قلب مواقعهم"، مما يرجح أننا سنكون أمام تمديد أطول للهدنة القائمة منذ الثامن من أبريل التي تشهد اشتباكات من حين لآخر يجري احتواؤها، ويزيد من هذا الاحتمال، إصرار إيران على التزام الولايات المتحدة بوقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان، وهو أمر يبدو مستبعدا في ظل التعقيدات على الجبهة اللبنانية التي أكدتها التطورات في الساعات الفاصلة بين توقيع الرئيسين على مذكرة التفاهم واللقاء الذي كان مقرر للتوقيع الرسمي في جنيف والذي جرى تعليقه. 

اختبار مبكر للوضع الإقليمي الجديد 

وتعرض الاتفاق لاختبار مبكر، قبل التوقيع عليه. ففي صباح الأربعاء، شنت إسرائيل هجمات على مواقع قرب النبطية في جنوب لبنان، وتكررت هذه الغارات على جنوب لبنان فجر يوم الجمعة بعد دقائق من إعلان الجيش الإسرائيلي مقتل أربعة  من جنوده خلال معارك ضارية في جنوب لبنان، وجاء الاشتباك بعد إعلان إسرائيل لن تنسحب من جنوب لبنان وإعلان الجيش الإسرائيلي خريطة انتشار جديدة تتجاوز الخط الأصفر في جنوب لبنان، وأعلن أنه لن يوقف عملياته لاستهداف مقاتلي حزب الله وتفكيك البنية التحتية العسكرية. وأدت هذه التطورات إلى إعلان إيران تعليق تنفيذ الاتفاق وإلغاء اجتماع جنيف، الذي كان مقررا عقده يوم الجمعة لتوقيع الاتفاق رسميًا، والذي كان من المقرر أن يحضره نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، الذي أبدى غضبه خلال مؤتمر صحفي من بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن جفير، بينما صرّح الرئيس ترامب بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتصرف "بشكل غير مسؤول" في لبنان. 

من زاوية ما، يمكن اعتبار مذكرة التفاهم التي كان من المقرر أن يبدأ سريانها بعد توقيعها رسميًا في جنيف يوم الجمعة، تمديدًا رسميًا لاتفاق أبريل، والذي جرى تمديده أكثر من مرة دون اتفاق، لفترة أطول (60 يومًا)، ولكن وفق شروط جديدة، يعتمد بعضها على إيران والولايات المتحدة، مثل إعادة فتح مضيق هرمز أمام السفن التجارية مقابل إنهاء الحصار البحري الأمريكي المفروض على إيران، في حين أن بعضها الآخر، لاسيما وقف في لبنان، يعتمد على إرادة الأطراف المنخرطة مباشرة في الحرب، أي إسرائيل وحزب الله، ويمكن القول إن نجاح المسار الجديد الذي تسعى مذكرة التفاهم إلى بدئه يتوقف على قدرة الولايات المتحدة وإيران، وربما على قدرة أطراف إقليمية ودولية أخرى على احتواء آثار التصعيد على الجبهة اللبنانية وربما على جبهات أخرى، والمضي قدمًا في سلسلة من الخطوات التي تدعم المسار التفاوضي حول النقاط الأخرى الشائكة في ملف إيران، لاسيما الملف النووي وقدرات إيران العسكرية التقليدية، لاسيما قدراتها من الصواريخ الباليستية، ودعم إيران لوكلائها في المنطقة. وتتضمن مذكرة التفاهم آليات تسمح باستمرارها، من بينها فتح الباب أمام احتمال تمديد سريان بنودها بعد انقضاء مدة الستين يومًا، إذا لم يتم التوصل لاتفاق نهائي. وبالتالي يمكن النظر إلى المذكرة على أنها اتفاق جديد قد يعيد المنطقة إلى وضع ما قبل الحرب الأخيرة، مع اتخاذ بعض الخطوات التي تدفع في اتجاه تحسين الوضع وتخفيف حدة التوتر، مثل الرفع التدريجي للعقوبات المفروضة على إيران، والإفراج عن أموال مجمدة، وضخ استثمارات لإعادة الإعمار في إيران، في محاولة لمنع تجدد الحرب، ومنح مزيدا من الوقت لمواصلة التفاوض حول الملفات الشائكة.

لا نعرف بعد ما إذ كان الاتفاق الجديد سيغير من الوضع الذي ساد في أعقاب اتفاق أبريل، حيث استمرت الحرب، ولكن بصورة متقطعة، وبمستويات أقل من الشدة، وهل ستصمد الإجراءات المتبادلة المتفق عليها بين الطرفين أمام تدهور الوضع الأمني على الجبهة اللبنانية؟ ولا يزال الانتقال من حالة الهدنة الهشة والمسلحة، التي صمدت إلى حد كبير، على الرغم من سلسلة الاشتباكات العسكرية المحدودة والإنذارات، إلى حالة الهدنة المستقرة وضبط النفس والحرص على عدم اللجوء إلى القوة المسلحة، لما ينطوي عليه ذلك من احتمالات لتفجير الحرب من جديد. غير أن الانتقال إلى وضع جديد يحدث "تحولًا جذريًا" في الشرق الأوسط، مرهون بالقدرة على ضبط العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، مع الانتباه إلى تأثير ذلك على موازين القوة في المنطقة. وتقييم هذه النقطة، تحديدًا، يتطلب التخلي عن التصورات السائدة الخاصة بتبعية السياسية الإسرائيلية للسياسة الأمريكية أو العكس، وهي تصورات تقودنا في كثير من الأحيان إلى استنتاجات خاطئة فيما يخص فهم الصراعات والأزمات في المنطقة، الحرب مع إيران. 

هناك من يتحدث عن شرخ أصاب العلاقات بين الحليفين الاستراتيجيين - إسرائيل الولايات المتحدة - بسبب الاتفاق، الذي يرى البعض أنه قد يفتح الباب أمام تطبيع للعلاقات بين واشنطن وطهران، دون حدوث أي تغيير جذري في النظام أو توجهاته، وهو ما عبر عنه البند الخاص بالتزام كل طرف بعدم التدخل في شؤون الطرف الآخر. لكن هناك من يرى أن الخلاف بين الحليفين خلاف تكتيكي أو اختلافات سطحية تتعلق بالتوقيت وبالسياسة الداخلية، وأن التنسيق الاستراتيجي الأساسي بينهما مستمر رغم التصريحات العلنية. يرتبط هذا الخلاف في تقدير الموقف الراهن بالاختلافات حول التصورات الخاصة بطبيعة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية. هناك من يرى أن السياسة الأمريكية تعمل في خدمة المصالح الإسرائيلية ومن أجل فرض وضع إقليمي جديد في الشرق الأوسط تكون إسرائيل هي مركزه، فيما يذهب قسم من أنصار هذا الرأي إلى تصور أن إسرائيل نجحت في خداع الرئيس ترامب وتوريطه في الحرب على إيران استناداً إلى معلومات وتقديرات استخباراتية مغلوطة أو مضللة، بخصوص الوضع الداخلي في إيران، أو بخصوص قدراتها العسكرية، أو حتى فيما يخص إمكانية تغيير النظام هناك والدور الذي يمكن أن تلعبه الحرب في هذا الأمر. قد نجد ملامح لهذا التصور في بعض التقارير الأمريكية التي تنتقد ترامب وسياساته. الفريق الآخر يرى أن إسرائيل هي من يعمل في خدمة المصالح الأمريكية وتنفيذ الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة والتي لا تنفصل عن الاستراتيجية العالمية للولايات المتحدة في سياق صراعها مع الصين الصاعدة، أو روسيا التي تطمح لاستعادة تأثيرها في موازين القوى الاستراتيجية في العالم، وأنها لا تتحرك إلا بعد حصولها على ضوء أخضر من واشنطن أو أنها قد تتراجع إذا أضاءت لها الإدارة الأمريكية الضوء الأحمر. 

المشكلة لا تكمن في أي من التصورين وكلاهما ينطلق من فكرة العلاقة الخاصة التي تربط بين واشنطن وتل أبيب، وإنما تكمن في الاعتقاد بأن العلاقات بين البلدين تمضي وفق تصور وحيد، ولا تلتفت إلى حقيقة أنه إلى التقاطعات والتوافقات، هناك أيضا تناقضات وقوى داخلية متصارعة في البلدين، خصوصاً فيما يخص مساحة الاستقلالية التي يتمتع بها كل طرف. الأمر ذاته ينطبق على الحالة الإيرانية، لكن التركيز يكون على التناقضات فيما بين إيران من ناحية، وأمريكا وإسرائيل من ناحية أخرى، وتجاهل لحظات التوافق. مرة أخرى، نحن في حاجة إلى النظر إلى الواقع وتحولاته كأساس للتحليل أو التقييم.     

إيران بين الجغرافيا السياسية والأيديولوجيا

كشفت المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية عددا من الحقائق فيما يخص السياسة الخارجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، أولى هذه الحقائق تتعلق بما يمكن لاستخدام القوة العسكرية تحقيقه في ظل بيئة إقليمية معقدة، وفي ظل وضع دولي يزداد ترابطا وتشابكا. لقد أثبتت الحرب وتداعياتها الإقليمية والعالمية أن وضع مضيق هرمز هو الورقة التي أجبرت الطرفين على الجلوس على طاولة المفاوضات، بعدما أثبتت التجربة أنه لا يمكن حل الخلاف حول المضيق وحرية مرور السفن التجارية عبره، خصوصا بعدما أرهق إغلاقه كاهل الاقتصاد العالمي نتيجة وقف خُمس إمدادات العالم اليومية من الطاقة. لقد كان للحرب تداعيات خطيرة على الاقتصاد العالمي، كذلك فإن استمرار التوتر حول مضيق هرمز على النحو الذي تبين خلال الشهرين الماضيين بسبب الحصار البحري الأمريكي والتهديد الإيراني للملاحة عبره ردا على ذلك، دفع الأطراف المختلفة إلى التفكير في كيفية تقليص المخاطر والعمل على فتح قنوات تفاوض طويلة المدى، في ظل صعوبة التوصل إلى تسوية نهائية، وفي ظل البيئة الإقليمية شديدة وارتفاع تكلفة الحرب أمريكيًا وإقليميًا ودوليًا.

وفي ظل هذا الوضع المعقد قد تزداد المخاطر نتيجة إدراك أن هذا الاتفاق سيتيح فرصة لكل طرف، بما في ذلك إيران، لتثبيت وضعها وتعزيز موقفها في ظل الوضع الإقليمي غير المستقر، وعلى نحو يحرم أمريكا وإسرائيل من الاستفادة من الخسائر التي تكبدتها إيران. وفي كل الأحوال، فإن اتفاق وقف إطلاق النار الأول في أبريل الماضي، والاتفاق الحالي، يشير إلى وصول الأطراف إلى لحظة إدراك عدم جدوى اللجوء إلى القوة العسكرية أو الحرب لتغيير الوضع خصوصًا في ضوء حقيقة عدم القدرة على الحسم، وفي ظل هذا الوضع تزداد قيمة وأهمية المهارة السياسية في توظيف العوامل المختلفة لتحقيق أكبر مكسب ممكن، ومن الواضح هنا أن مهارة المفاوض الإيراني أعلى، ويتعين على الولايات المتحدة وحلفائها تقييم التهديد الإيراني وكيفية التعامل معه. والسؤال الرئيسي فيما يخص التهديد الإيراني المتصور للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، لاسيما إسرائيل ودول الخليج العربية، والأساس الذي يستند إليه هذا التهديد، هل مصدره سياسات النظام الإيراني، أم مصدره الجغرافيا السياسية كمحدد لتوجهات إيران الخارجية؟ 

يرى أنصار نظرية "تغيير النظام"، أن المشكلة إنما تكمن في النظام الإيراني الحالي وتوجهاته، ولابد وأن تجد هذه النظرية تأييدًا ودعمًا من القوى الإيرانية الداخلية، لاسيما القوى المناوئة والمعارضة للنظام الحالي، وبعضها كان جزءا من القوى التي أطاحت بحكم الشاه في الثورة الإيرانية عام 1979، التي تعرف في أدبيات الثورة الإيرانية بثورة البازار، والتي كان في طليعتها تيارات من اليسار، مثل حزب "توده" الشيوعي ومنظمة مجاهدي خلق، وبعض التيارات القومية الأخرى. وتشمل القوى المناوئة للنظام الحالي، بعض التيارات الليبرالية والعلمانية والنسوية وبعض الأقليات القومية أو العرقية، مثل الأكراد أو العرب أو البلوش والبشتون، التي تعاني من اضطهاد النظام، وقد تشمل أيضا الأحزاب الإصلاحية التي تواجه استبداد النظام الذي يسيطر عليها التيار الأصولي المحافظ، والتيار القومي الإيراني.

يعاني الكثير من هذه التيارات حالة من الضعف الشديد بسبب السياسات الممنهجة التي يتبعها النظام الإيراني، الذي تمكن من إزاحتها وإحكام قبضته على السلطة من خلال بعض الترتيبات المؤسسية والسياسية، أو من خلال بناء تحالفات اجتماعية مع القوى الاجتماعية المحافظة، لاسيما في الريف، على غرار ما حدث في فترة حكم الرئيس محمود أحمدي نجاد، لموازنة القوى الاجتماعية الجديدة الناشئة في المدن الكبرى وفي المراكز الحضرية، لاسيما في طهران وأصفهان والتي شكلت ركيزة اجتماعية للتيار الإصلاحي أو البراجماتيين، مثل الرئيس الراحل هاشمي رافسنجاني. لقد تمكن رجال الدين الشيعة، بزعامة آية الله الخميني من السيطرة على السلطة من بناء نظام سياسي معقد ومتعدد الطبقات، واستفادوا بشدة من النظريات السياسية المختلفة المتعلقة ببناء الدولة وممارسة الحكم، وتمكنوا نتيجة لذلك بتوفير هامش ديمقراطي كبير نسبيًا مقارنة بالدول الأخرى في المنطقة، مع إخضاعه لقدر كبير من سيطرة المؤسسة الدينية الحاكمة والمحصنة من المساءلة أمام المستويات المنتخبة أو من قبل الرأي العام. في هذا السياق يمكن فهم المظاهرات الأخيرة في إيران والتي أساء ترامب فهمها، على نحو عزز من سلطة النظام في مواجهتها، خصوصًا بعد إنذارات ترامب بخصوص قمع المتظاهرين.

إن حالة العداء الواضحة بين النظام الإيراني وبين الولايات المتحدة وإسرائيل، أحد الركائز الأساسية التي يعتمد عليها النظام الإيراني في تثبيت سلطته وفي سياساته الإقليمية، والتي تمكنه من وصم أي قوى مناوئة له في الداخل أو في المنطقة بأنها قوى عميلة تخدم المصالح الأمريكية والصهيونية، والتي مكنته أيضًا من بناء تحالفات إقليمية استنادًا إلى شبكة من المنظمات العقائدية المسلحة، لاسيما الشيعية والتنسيق فيما بينها في سياق ما يعرف باستراتيجية "وحدة الساحات" أو "محور المقاومة". غير أن هذا العداء الظاهر قد يخفي لحظات التوافق أو تلاقي المصالح بين بعض الدوائر السياسية في البلدين. ومثلما قدم القادة الجدد في طهران أكبر خدمة للحزب الجمهوري الأمريكي ومرشحه رونالد ريجان في انتخابات عام 1979، من خلال احتجاز دبلوماسيين أمريكيين رهائن في السفارة في طهران، عن قصد أو بدون قصد، فلا تزال هناك ملفات لم يكشف عنها عن علاقة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وبعض الأجنحة في الثورة الإيرانية على الشاه لاعتبارات استراتيجية، قدمت إدارة ترامب أكبر خدمة للنظام الإيراني وللمرشد الأعلى على خامنئي، الذي كان المحتجون الإيرانيون يهتفون ضده، بتصريحاته وإنذاراته، التي استدعت القوى المناوئة لأمريكا وإسرائيل ومكنت النظام من قمع الاحتجاجات قبل أسابيع من بدء الحرب، من خلال تصوير المحتجين كعملاء لإسرائيل والولايات المتحدة، فيما جرى تصوير الإطاحة بالنظام على أنه مؤامرة أمريكية وإسرائيلية والنتيجة تعزيز سلطة النظام وتمكينه من إحكام قبضته.

إن التهديد الإيراني لدول الخليج العربية تهديد جيوسياسي أكثر من كونه تهديدًا سياسيًا، وناجم عن امتلاك إيران لمقومات القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية، التي تمكنها من فرض إرادتها على دول الخليج، مثلما يتضح من احتلالها جزر عربية في الخليج، تعزز من تحكمها منفردة أو بالمشاركة مع سلطنة عمان، في مضيق هرمز، الشريان الرئيسي لصادرات النفط الخليجية للأسواق العالمية في آسيا وفي أوروبا. وإزاء هذه الحقيقة كانت دول الخليج العربية مضطرة إلى مهادنة طهران عبر اتفاقيات للتبادل الاقتصادي والتعاون، وتعظيم المصالح الاقتصادية للتجار ورجال الأعمال الإيرانيين، وما يتنبع ذلك من تعزيز للعلاقات الدبلوماسية والسياسية. هذا الوضع جعل دول الخليج العربية لا تشعر بالارتياح في ظل تحسن العلاقات بين إيران والولايات المتحدة والغرب بشكل عام لأن هذا يمنح الدولة الإيرانية ثقلًا دوليًا سيترجم تلقائيًا إلى نفوذ إقليمي أكبر. هذا العامل كان مكونًا رئيسيًا في المعارضة الخليجية للاتفاق النووي بين إيران والقوى العالمية الست الموقع في عام 2015، والتي تقاطعت مع المعارضة الإسرائيلية، والتي جعلتهم يشعرون بالارتياح بعد انسحاب أمريكا من الاتفاق في فترة الرئاسة الأولى لترامب. فلدول الخليج العربية مصلحة في استمرار التوتر بين واشنطن وطهران وفي استمرار، العقوبات المفروضة على إيران، لكن ليست لديها مصلحة في الانتقال من التوتر إلى الحرب في ظل الوضع المعقد إقليميًا ودوليًا. 

ويضع التفاهم الإيراني الأمريكي الأساس لوضع إقليمي جديد يقوم على اكتشاف إمكانيات للتعاون بين الولايات المتحدة بوصفها القوة الدولية التي تتمتع بوضع فريد في المنطقة بعد انسحاب القوى الدولية الأخرى، وعلى رأسها روسيا، والتي تسعى لاحتواء التوسع الصيني في المنطقة، وبين إيران بوصفها القوة الإقليمية الوحيدة المناوئة بشكل علني للسياسات الأمريكية في المنطقة، وهو أمر قد يضيف تعقيدات أمام واشنطن في إدارة تحالفاتها الإقليمية، فبعد أن كان يتعين عليها حل التناقضات فيما بين الحلفاء، بات عليها التعامل مع الأسباب ذاتها التي جعلت دول الخليج العربية وإسرائيل متفقان على معارضة الاتفاق النووي بين إيران والقوى العالمية الست الذي تم التوصل إليه في عام 2015 وانسحب منه ترامب في عام 2018، هذه القوى ترى الآن أن بنود مذكرة التفاهم الأمريكي الإيراني أسوأ من اتفاق 2015 الذي وصفه بأنه اتفاق سيء، وهنا تكمن المفارقة الأساسية التي يتعين علينا التعامل معها.
-----------------------------------------
بقلم: أشرف راضي

   

مقالات اخرى للكاتب

التفاهم الأمريكي الإيراني يؤسس لواقع جديد في الشرق الأوسط