21 - 06 - 2026

أنقرة علي طاولة الإبتزاز الأمريكي: إما لبنان أو الرميلان

أنقرة علي طاولة الإبتزاز الأمريكي: إما لبنان أو الرميلان

في المشهد المتشابك بين سوريا ولبنان، يعيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طرح سيناريو خطير، للمرة الثانية، يحاول من خلاله دفع نظام أحمد الشرع (الجولاني) إلى التورط في مواجهة ميدانية جنوب لبنان، مستغلاً الجماعات المسلحة التي يسيطر عليها تحت ذريعة "إجراء جراحة أكثر إيلاماً لحزب الله"، وهي إشارة واضحة إلى توظيف العناصر الجهادية كوقود لحرب طائفية سنية - شيعية تعيد إنتاج سيناريوهات الفتنة الدموية التي أرهقت المنطقة لعقود، دون أن يكلف الصهاينة عناء الاشتباك المباشر.

غير أن الجولاني، الذي يبدو أنه استوعب اللعبة حتى الآن، خرج بتصريح حاسم يرفض فيه أي تدخل في الشأن اللبناني، سياسياً أو عسكرياً، في موقف يُقرأ بوضوح بأنه صادر بتوجيهات تركية، إذ تدرك أنقرة أن أي انزلاق نحو لبنان سيفتح أبواب جهنم على سوريا ذاتها، وسيجر جيشها إلى مستنقع لا تحمد عقباه، خاصة وأن تركيا ليست في صراع مع حزب الله، بل على العكس تماماً، فهي تتعامل معه كحليف إقليمي ووسيط فاعل، وتستضيف اجتماعات سرية بين مسؤوليه والنظام السوري الجديد، وتوفر قنوات مالية ولوجستية تتجاوز العقوبات الدولية، بل وتتقاطع معه في ملفات استراتيجية كقبرص والضغط على ترسيم الحدود البحرية، مما يجعل إرسال الجيش التركي لقتال الحزب في لبنان أمراً مستحيلاً، لأنه يعني مهاجمة حليفها بدلاً من حمايته، وهو ما يتناقض مع كل تحركات أنقرة الإقليمية.

لكن ما يثير الانتباه حقاً، وما قد يكون الهدف الخفي لكامل هذه المناورة، هو تركيا نفسها، فترامب يدرك أن العلاقة التركية - الحزبية أصبحت تهدد المشروع الأمريكي في المنطقة، ويسعى لكشف هذه الشراكة وعرقلتها عبر ضرب مصالح أنقرة في الشمال السوري، حيث ظهر الحاكم الفعلي للمشهد، توم براك، ليعلن فجأة عن إسناد حقل الرميلان النفطي في الحسكة لشركة HKN-Energy الأمريكية، بأمر مباشر، بدلاً من الشركة السورية الوطنية للبترول، مع تخصيص نسبة 30% من عائداته لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) الكردية، التي تعتبر العدو اللدود لأردوغان وتركيا.

وهنا تتكشف الخيوط: الصفقة ليست اقتصادية بقدر ما هي رسالة تحذير مسبق لواشنطن لأنقرة تقول فيها: "نعلم بعلاقاتكم مع حزب الله، ونحن نملك أداة الضغط الأقوى عليكم من خلال تعزيز الأكراد على حدودكم وسلبكم ثروات الشمال السوري، فإما أن تضغطوا على الجولاني للتدخل في لبنان كما نريد، أو ستخسرون حصتكم النفطية لصالح عدوكم الأكبر"، وهنا تكمن المفارقة، فتركيا التي تدعم حزب الله وتنسق معه، تجد نفسها اليوم أمام فخ أمريكي مزدوج: إشعال حرب طائفية في لبنان يستنزف حليفها الحزب ويُضعف المحور الإيراني بالكامل، وفي المقابل قطع إمدادات النفط عن مناطق نفوذها في سوريا لصالح الأكراد إذا تمسكت بموقفها الرافض لإقحام الجولاني.

والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: كيف سيرد أردوغان على هذا الابتزاز المزدوج؟ هل بتصعيد عسكري شمال سوريا لاستعادة الرميلان، أم بفتح قنوات خلفية مع الأكراد لفك الارتباط مع واشنطن، أم بالتراجع عن موقفه وإجبار الجولاني على الانزلاق إلى لبنان، وهو ما سيكون كارثة بمعنى الكلمة لأنه سيُضعف حليفه الحزب ويفكك تحالفاته الإقليمية؟ المؤكد أن الجولاني يظل في هذه المعادلة أداة وليس فاعلاً، وأن الأيام المقبلة ستحمل إجابات قد تقلب الموازين، لكن الثابت حتى اللحظة أن تركيا تفهمت اللعبة وتحاول التمهل، وأن أمريكا تمضي في مخططها لإشعال المنطقة من دون عناء مباشر، مستخدمة النفط كرافعة لإجبار أنقرة على اختيار بين خيارين لا ثالث لهما: إما التورط في فتنة لبنانية تُضعف حليفها الحزب وتُحرق ورقته الإقليمية، أو خسارة النفوذ في الشمال السوري لصالح الأكراد، ولبنان قد يدفع الثمن غالياً إذا انفلتت الخيوط، لكن الثابت حتى اللحظة أن الجولاني متمسك بموقفه الحكيم بعدم التدخل، وأن بقاءه على هذا النهج مرهون بقدرة أنقرة على تحمل ضغوط واشنطن النفطية والعسكرية، وفي النهاية يبقى الجميع يترقبون الرد التركي المحتوم، الذي سيكون بلا شك مفصلياً في تحديد ملامح المرحلة القادمة، سواء على جبهة النفط في الحسكة، أو على حدود لبنان المشتعلة بالتوتر، أو في غرف الاجتماعات السرية التي تجمع الأتراك بحزب الله لإعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط.
--------------------------------------
بقلم: د. أحمد عبدالعزيز بكير


مقالات اخرى للكاتب

أنقرة علي طاولة الإبتزاز الأمريكي: إما لبنان أو الرميلان