23 - 06 - 2026

عاصفة في إسرائيل.. وزلزال في واشنطن.. وتصريحات ترامب تؤكد مصداقية طهران

عاصفة في إسرائيل.. وزلزال في واشنطن.. وتصريحات ترامب تؤكد مصداقية طهران

فاجأ الرئيس الأمريكي العالم بالتوقيع الإلكتروني على مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية مع الساعات الأولى ليوم الخميس (18 يونيو 2026) في قصر فرساي بفرنسا خلال عشاء أقامه نظيره إيمانويل ماكرون مساء الأربعاء في ختام اجتماع قادة مجموعة السبع، وفي الجهة المقابلة قام الرئيس الإيراني مسعود بزكشيان بالتوقيع إلكترونياً عقب توقيع ترامب.

وأعقب توقيع ترامب وبزشكيان، وقع رئيس وزراء باكستان شهباز شريف الذي قادت بلاده جهود الوساطة بين الطرفين، ونشرت تصريحات منسوبة لشهباز شريف أكد خلالها أن توقيع رئيسا الولايات المتحدة وإيران على مذكرة التفاهم قد تم كما أقرها هو شخصيا بصفته الوسيط، وأن مذكرة إسلام آباد دخلت حيز التنفيذ الفوري بمجرد التوقيع عليها.  

** قطر اللاعب الخفي

ولم يفت رئيس الوزراء الباكستاني التنويه بالدور القطري للمساعدة على الوصول لهذه المرحلة.. وفي ذلك السياق ذكرت تسريبات أن الدوحة نجحت خلال تواجد وفدها المفاوض في طهران يوم الأحد 14 يونيو 2026، في كبح جماح الهجوم الإيراني على إسرائيل رداً على هجوم الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت، وقد أدت الجهود القطرية لتضمين لبنان ضمن بنود مذكرة التفاهم باقناع ترامب الذي كان يرفض ذلك مسبقا، وبالخلاف لرغبة رئيس الوزراء الإسرائيلي، وقد كشفت التسريبات ـ أيضاً ـ أن الدوحة دفعت 300 مليون دولار من الأموال الإيرانية المجمدة، لإبداء حسن النية وضمانة للتعهدات الأمريكية برفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية، ورفع الحظر عن النفط الإيراني، ورفع الحظر عن 12 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة (مع عدم الإعلان عن تلك الجزئية) وتثبيت وقف إطلاق النار على كافة الجبهات بما فيها لبنان، بمجرد إعلان إيران موافقتها على مذكرة التفاهم بعد إضافة التعديلات التي طلبتها ووافق عليها ترامب.

** أسباب التوقيع الإلكتروني

رئيس الوزراء الباكستاني، بعد توقيعه على مذكرة التفاهم، أعلن أن المذكرة ستدخل التنفيذ فورا، وكخطوة أولى ستعيد إيران فتح مضيق هرمز فيما ترفع الولايات المتحدة الحصار البحري، وأن المذكرة تنص على وقف الحرب في الشرق الأوسط في كافة جبهاتها ومنها لبنان، وأن يبدأ البلدان في سويسرا (الجمعة 19 يونيو 2026) مفاوضات بشأن ملف إيران النووي والعقوبات المرتبطة به.

ومن طهران أعلن المتحدث باسم الخارجية الايرانية اسماعيل بقائي عن التوقيع الكترونيا على مذكرة تفاهم إسلام آباد بين الرئيسين الإيراني والأميركي ودخولها حيز التنفيذ.. وفي تصريحات نشرتها وكالات الأنباء الإيرانية (إرنا وفارس ومهر وتسنيم) أوضح بقائي الأسباب التي دعت للتوقيع الإلكتروني دون الانتظار للقاء سويسرا (المقرر الجمعة 19 يونيو 2026) ومن بينها أن توقيع كبار المسؤولين بالبلدين على النص، يجعل لانتهاكه عواقب وخيمة، وإقامة حفل كبير للتوقيع ليس له مكان كبير في خطتنا.

ووفقاً للمذكرة يجب أن تبدأ المرحلة الثانية باجتماع سويسرا، وهو لازال مدرجاً على جدول الأعمال، وفقا لتصريحات بقائي الذي قال "علينا أن نرى ما إذا كان الطرفان سيتوصلان إلى نتيجة عبر الوسطاء في الساعات القادمة بشأن ذلك"، خاصة وأن طهران ـ وفقاً لتصريحات مسؤولين نشرتها وكالات الأنباء الإيرانيةـ تنتظر تنفيذ الشروط الخمسة الواردة في مذكرة التفاهم، وهي: "الإنهاء الكامل للعمليات العسكرية في لبنان.. الإفراج عن ما لا يقل عن نصف الأصول الإيرانية المجمدة، تعليق العقوبات النفطية.. الرفع الكامل للحصار. قبول الترتيبات الإيرانية في مضيق هرمز"، وعليه لن تُجرى مفاوضات التوصل لاتفاق نهائي حتى يتم تنفيذ الالتزامات والتحقق منها.

** واشنطن تؤكد مصداقية طهران

وفي الوقت الذي قال فيه رئيس مجلس الشورى والوفد المفاوض الإيراني محمد باقر قاليباف، "إن البند 14 من مذكرة التفاهم ينص على أن الاتفاق النهائي بين طهران وواشنطن سيعتمد من قبل مجلس الأمن"، وهو ما أكده مسؤول بالبيت الأبيض لوسائل الإعلام الأمريكية من خلال إحاطة صحفية عبر الهاتف، قام خلالها بإملاء وقراءة البنود الـ 14 المشكلة للمذكرة حرفياً على الصحفيين، ومنها البند الـ 14، الذي ينص على اعتماد الاتفاق النهائي عبر قرار ملزم من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

ويذكر أن البند الـ 14، كان محل خلاف بين طهران وواشنطن، وفي أواخر مايو 2026، عندما سرب التليفزيون الإيراني البنود، وصفها البيت الأبيض حينها بـ "المفبركة وغير الدقيقة"، لتفادي الضغوط السياسية قبل إنضاج الطبخة، ليأتي الإيجاز الرسمي الأخير للبيت الأبيض ويؤكد إدراجها رسمياً كبند رابع عشر وأخير في المذكرة الموقعة.

وفي الوقت ذاته جاءت تصريحات الرئيس الأمريكي عقب التوقيع لتؤكد مصداقية ما وصف في السباق بإدعاءات إيرانية بقوله"احتجزنا أموالا إيرانية وهي ليست لنا وسنضطر لإعادتها، وإلا لن يستثمر أحد في الدولار مجددا.. إذا كانت دول أخرى تمتلك صواريخ باليستية فمن غير العادل ألا تمتلك إيران أي صواريخ باليستية.. لن تتمكن إيران من الوصول إلى صندوق بقيمة 300 مليار دولار، إلا إذا أحسنت التصرف"، وكانت طهران قد أعلنت في وقت سابق عدم إدراج صواريخها الباليستية ومسيراتها ضمن المفاوضات، وتم نفيه من قبل واشنطن.

** زلزال الغضب في واشنطن وتل أبيب

قبل أن يجف الحبر الإلكتروني لمذكرة إسلام آباد، اندلعت عاصفة شعواء من النقد والاتهامات للرئيس الأمريكي بسبب التوقيع على مذكرة التفاهم وتصريحاته عقب التوقيع.

في إسرائيل، سادت حالة من الذهول والغضب العارم؛ حيث نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مصادر مقربة من رئيس الوزراء الإسرائيلي قوله إن "ترامب وقع على صك استسلام، وتجاهل أمن إسرائيل بالتراجع عن تفكيك ترسانة إيران الصاروخية ومسيراتها". وترى إسرائيل أن اعتراف ترامب "بعدم عدالة حرمان إيران من الصواريخ الباليستية طالما أن دولاً أخرى تمتلكها"، يمثل نسفاً لعقود من العقوبات، وضوءاً أخضر أمريكياً يشرعن السلاح الأخطر الذي يهدد العمق الإسرائيلي، فضلاً عن أن الإفراج عن المليارات المجمعة سيتحول فوراً إلى شريان حياة مالي للفصائل الحليفة لطهران في المنطقة.

صحيفة يديعوت أحرنوت ذكرت أن نتنياهو يسعى للتأثير على الاتفاق النهائي بين أمريكا وإيران. هذا ما صرح به مصدر إسرائيلي لشبكة CNN، مشيراً إلى أن نتنياهو سيفعل ذلك من خلال استخدام شخصيات إعلامية من اليمين المتشدد، وأعضاء في مجلس الشيوخ .. ووفقاً لأحد المصادر التي تحدثت مع الشبكة الأمريكية، فإن تقديرات نتنياهو بأنه لن يكون هناك اتفاق نهائي بين الدولتين، وأن طهران لا تنوي الموافقة بفرض قيود على برنامجها النووي.

في المقابل قال ترامب لهيئة البث الإسرائيلية "لدي علاقة جيدة مع نتنياهو لكنه يحتاج إلى أن يكون أكثر عقلانية وأنا مستعد للقائه.. وهناك احتمال لدعمه في الانتخابات، لكن أنتظر معرفة باقي المرشحين"، وأضاف " قلت لنتنياهو أن أكثر شيء كنت تريده حققته لك من خلال الاتفاق".

ودفاعاً عن ترامب، أدلى نائبه "جيه دي فانس" المنتمي لليمين الإنعزالي الذي يرفع شعار أمريكا أولاً، بتصريحات لوسائل إعلامية أمريكية منها فوكس نيوز، قال خلالها "أقول لأعضاء حكومة إسرائيل المنتقدين للاتفاق وترامب.. إن ترامب هو الرئيس الوحيد في العالم المتعاطف مع إسرائيل حالياً.. وثلثي الأسلحة التي حمتهم الأشهر الماضية صنعتها ومولتها أمريكا".

واتهم فانس إسرائيل بقتل الأبرياء في بيروت وجنوب لبنان، وقال "عليها التوقف عن العربدة هناك، وأيضا على حزب الله الكف عن عملياته"، لافتاً إلى أنه في أكثر من مرة كنا على وشك إنجاز شيء وتفسده إسرائيل بقصف مكان ما في لبنان.

** سخرية وتشكيك في واشنطن

في واشنطن، تلقف معارضو ترامب من الديمقراطيين وكبار المحافظين تصريحاته بشأن "إعادة الأموال لإيران حمايةً لسمعة الاستثمار بالدولار" بكثير من السخرية والتشكيك، واصفين الخطوة بأنها "ابتزاز إيراني نجح في لي ذراع الإدارة الأمريكية"، وأن ترامب الذي انسحب عام 2018 من الاتفاق النووي بحجة أنه سيء، يعود اليوم ليوقع اتفاقاً أكثر سوءاً، يمنح إيران مكافآت مالية وعسكرية دون أي تنازلات حقيقية في ملف نفوذها الإقليمي.. وأن الولايات المتحدة قدمت تنازلات بتخليها عن الأهداف التي وضعتها عند بدء الحرب.. ووصف مشرعون أمريكيون من الديمقراطيين والجمهوريين التوجه الجديد بأنه "خطيئة تاريخية" في مسار السياسة الخارجية الأمريكية، معتبرين إياه تراجعاً غير مقبول عن المبادئ الاستراتيجية للبلاد.

حتى السفير الأمريكي في إسرائيل مايك هاكابي (والمعروف بأنه قس سابق، وهو ينتمي لجناح الصهيونية المسيحية بالحزب الجمهوري) دخل على خط الهجوم، وقال "لولا إسرائيل لما كانت هناك أمريكا.. نحن مدينون بوجودنا ذاته لما حدث في هذه الأرض".

من جانبه هاجم ترامب منتقديه يوم الخميس (18 يونيو 2026) عبر منصة "تروث سوشيال" وكتب"هؤلاء الأغبياء الذين يعتقدون أنني لم أكن قاسيا بما فيه الكفاية حيال إيران، في حين تحقق أسواق الأسهم مستويات قياسية، وتنهار أسعار النفط، هم غيارى، أو أشخاص سيئون، أو حمقى".
--------------------------------------
تقرير: محمد الضبع