"كلام كلام بس.. ماباخدش منك غير كلام".. لعل هذه الكلمات الشهيرة للفنانة الراحلة صباح هي أبلغ تعبير وأبسط تعليق يمكن أن يخرج به أي مراقب لنتائج اجتماع اللواء جمال عوض مع لجنة القوى العاملة بمجلس النواب.
ولكن، مع الاعتذار للفنانة الكبيرة، فإن "صاحب المعاش" أو "الأرملة" أو "اليتيم" أو الإبن العاجز أو الابنة المطلقة أو الورثة المستحقين لن يصرفوا مستحقاتهم من "شيكات الاعتذارات" والوعود البراقة! ما ينفع الناس في بيوتها هو الحل الملموس، وليس مطالبتهم بالانتظار لشهرين آخرين وسط معاناة يومية يعلم الله مداها، مع يقين كامل - مبني على شواهد الواقع - أن الأزمة لن تُحل بعد الشهرين، بل سنستمع مجدداً لمعزوفة (Never Ending Story) والقول بأننا "أنجزنا نسبة مئوية ومحتاجين فرصة ثانية!".
إن ما يحدث في دهاليز الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي يتجاوز مجرد عطل فني أو أزمة عابرة؛ نحن أمام "كوارث ممتدة" ضربت مفاصل المنظومة؛ فكيف يمر مرور الكرام انخفاض المتحصلات التأمينية اليومية من مليار جنيه إلى 250 مليون جنيه فقط؟! أين ذهبت فوائد استثمار هذه المليارات الضائعة؟ وما هو ذنب شركات المقاولات والسيارات وغيرها من القطاعات الحيوية التي تعطلت أعمالها وتوقفت مصالحها بسبب هذا الارتباك؟
لذلك، فإن تقييمي لهذا الاجتماع البرلماني جاء "بالسالب" وبامتياز. لقد شهدنا تراجعاً غريباً من بعض النواب المعروفين عن مواقفهم الحادة المعلنة بمجرد وصول مشروع الحكومة للجنة، وتدخل زعيم الأغلبية في البرلمان لتأييد مشروع لم يقدم أي حلول حقيقية للمتضررين عدا نواب التجمع باللجنة الذين بقوا على العهد أوفياء وتمسكوا بمواقفهم المعلنة وزادوا بضرورة تغيير رئيس الصندوق كما أعلن النائب احمد بلال باللجنة حسب ماتسرب عن اجتماع اللجنة حتى الآن والفيديوهات التى نشرت، مما يفتح الباب واسعاً أمام تساؤل أخطر: هل هناك رغبة مبطنة في عودة فكرة "خصخصة التأمينات الاجتماعية"؟
ليست هذه المرة الأولى التي يلوح فيها هذا الشبح؛ فقد سبق وأن طرح صندوق النقد الدولي هذا التوجه، وقدمت أمريكا منحاً مخصصة لهذا الغرض. وللأمانة التاريخية، أستعيد هنا موقفاً وطنياً لا يُنسى، حين كنا في إحدى جلسات المجالس القومية المتخصصة - حيث كنت وقتها ممثلاً لهيئة التأمينات الاجتماعية فى اللجنة الاجتماعية - وفي جلسة جانبية قال لي الأستاذ محمد حنفي (رئيس صندوق قطاع الأعمال العام والخاص) والأستاذ حمدي عبد الغني (رئيس الصندوق الحكومي) بكل حسم: "على جثتينا أن تحدث خصخصة للصندوقين أو يتم ضرب أهدافهما الاجتماعية" وزاد الأستاذ محمد حنفى وكان موجها فى منظمة الشباب الاشتراكى أنه عندما اقتنع بأن هدف المنحة الأمريكية خصخصة التأمينات الاجتكاعية لم يستخدمها وقام بإعادتها .
إن ما نراه اليوم يُذكرنا بذات الأساليب والسياسات التي اتبعتها "لجنة السياسات" بالحزب الوطني المنحل برئاسة جمال مبارك للترويج لبيع القطاع العام؛ حيث كانت السياسة تعتمد على "تخسير" الشركات عمداً وتخفيض كفاءتها حتى تضعف مقاومة العمال والشارع لفكرة الخصخصة وتصبح أمراً واقعاً. فهل يتم اليوم تعجيز هيئة التأمينات الاجتماعية عن القيام بدورها على الوجه الأكمل، وتعمّد سوء تقديم الخدمات، لتسهيل ذات السيناريو؟
نعلم جميعاً أن مستثمراً سعودياً قد تقدم في وقت سابق لشراء هذا المشروع ورفضته الحكومة؛ لأن هيئة التأمينات كانت ولاتزال "دجاجة تبيض ذهباً" للحكومات، حيث تُستغل أموالها في خدمة الدين الحكومي وتستولى الحكومة عليها كدبن لمدة ٥٥ سنة وعلى نسبة ٧٥% بفوائد أقل من البنوك وتحرم الهيئة من استثمارها بما يحقق عوائد أعلى تستخدم فى تحسين أحوال أصحاب المعاشات وذويهم بدلا من قول رئيس الهيئة أجيب لكم من أين وتستخدم أيضا فى تخفيض اشتراكات المؤمن عليهم .
المعاشات ليست منحة، بل هي شقاء عمر كدّ فيه الملايين ليؤمنوا خريف عمرهم. وإضعاف الهيئة أو التمهيد للتخلي عن دورها الاجتماعي هو خط أحمر يمس بالأمن القومي والاجتماعي لمصر.
لكِ الله يا مصر.. وربنا يحفظ مصر من بعض أبنائها!
---------------------------------
بقلم: كامل السيد
* خبير التأمينات الاجتماعية والمعاشات






