25 - 06 - 2026

إبداعات | الفصل الرابع والخامس من رواية مايا (ج2) لمحمد مصطفى الخياط

إبداعات | الفصل الرابع والخامس من رواية مايا (ج2) لمحمد مصطفى الخياط

4

سانتياجو، صيف  2024

حل موسم الصيف في تشيلي وبدأت درجة الحرارة تعاود ارتفاعها على خجل، لتصل في المتوسط إلى خمس وعشرين درجة مئوية، طقس أقرب للشتوي منه إلى الصيفي بمقاييس القاهرة، يلازمني مع تبدل الفصول شعور بأن ثمة متغيرات توشك أن تقع، تتجاوز حدود الطقس ويعززها ذلك التفاوت المناخي الذي يميز سانتياجو وينعكس – رغم أنفي - على مزاجي الشخصي، فأجد نفسي بين الحنين إلى دفء الشرق ودهشة الاعتدال اللاتيني، وكأن الطبيعة هنا تذكرنا دائمًا بأحد حقائق الوجود الكامنة في الاختلاف والتنوع.

كثيرًا ما يتسلل التغيير إلينا دون أن نشعر به، تمامًا كما تخدعنا المرآة وتقنعنا بأن ملامحنا ثابتة لا تتغير، يغافلنا الزمن كل يوم وبخفة يمرر فرشاة لا تُرى بالعين على ملامحنا دون أن ننتبه لتلك اللمسات الخفيفة، ربما أثناء نومنا، وربما خلال اندماجنا في أمور حياتنا. ويومًا بعد يوم نعتاد وجوهنا ولا نشعر بأي تغير، حتى إذا ما جمعتنا الصدفة وبعض من غابوا عنا وغبنا عنهم، اكتشفنا الفارق، وفداحة ما سُرق من العمر على غفلة. 

مع كل صباح جديد، أترقب تفتح الزهور البرية في القصاري المرصوصة على النافذة وفي الحدائق، أتأملها وأشعر أنها تبعث بحركاتها المتمايلة رسائل في حب الحياة؛ تتمايل يمينًا ويسارًا مع إيقاعات النسيم، وعندما تتماس أشعر بقبلاتها على خدي، فأفرح بيوم جديد تطل فيه الشمس وتملأ الدنيا بأشعة التفاؤل.


في الوحدة نميل كثيرًا إلى الحكي والرغبة الملحة في استدعاء تفاصيل الماضي بطقوسه وشخوصه وخاصة في المساء حين تنشر الوحدة خيمتها الضيقة فلا أجد مفرًا من الغرق في بحر الذكريات، على خلاف ما سبق ها أنا مقبل على القفز في محيط لا أعرف حدوده ولا طباع موجه، أهو هادئ أم ثائر، أحنون هو أم قاسٍ.

فتحت شباك غرفة المعيشة لتدخل نسمات الليل وأعددت كوب قهوة تصاعدت خيوط نكهته السحرية في تلافيف رأسي فأسكرتني لاح طيف خيال مايا وأنفها الدقيق تقربه إلى حافة الفنجان وتسحب مغمضة العينين نفسًا، عميقًا ضمن طقوس تحافظ عليها عند شرب القهوة، نفسًا تستنشقه وتتركه يتجول بحرية في رأسها، حتى لتوشك أن تسكر.

ثمة رهبة أخذتني وعصرت قلبي عندما فتحت الملف الذي أرسله زياد، كأنني مُقبِلٌ على كشف سرٍ كبير طال إخفاؤه وكثرت حوله الظنون والأقاويل.

لعله بسبب أثر حديث زياد معي، وما تركه في نفسي من وجدٍ وحيرة تضاربت معها التساؤلات والاحتمالات. يقتلنا الفضول حتى ونحن نقف أمام الحقيقة الكاملة، لا نملك صبرالانتظار لكشف التفاصيل، نريد اختزالها في كلمة كي يهدأ شغف الفضول.

توجست من الأوراق، وشُغِلتُ بها حتى تصل، فلما وصلت ولم يعد مطلوبًا مني سوى قراءتها وفض أسرارها مارس الفضول عاداته السيئة وراح يرشقني بسهام الظنون، وما الظنون بالأمر اليسير، حتى مع ما أخبرني به زياد عن مضمونها، تظل لقراءتي الشخصية نظرتها الخاصة. ثم إنها ليست أية أوراق، ولا أية مذكرات، إنها عن مايا، وبخط مايا، دونتها على فترات متفاوتة وفي حالات نفسية ومزاجية مختلفة بلغتها الخاصة، وما أدراك ما كلماتها وحروفها ومفرداتها وتراكيبها، بمعانيها الظاهرة والباطنة، برسائلها الخفية والصريحة، هناك كلمات لم تكن تقولها لسواي، تخصني بها كما كنت أخصها أنا أيضًا بصباحات ومساءات لا يشاركها أحدٌ فيها، وهذا أقل حقوق المحبوب، أن تجعل له مساحة ولغة لا يشاركه فيهما أحد قط.

أمام وهج لهفي لقراءة رسائلها، عذرت كل من فاض به نهر الشغف وتجاوز حدود صخور الصبر مدفوعًا محمومًا برغبة الوصول للمعرفة، وفهمت مغزى كلمات الخضر لموسى عليهما السلام؛ (وكيف تصبر على ما لم تحط به خُبَرا)، كان يعلم أن نار الشغف سوف تحرق أعواد حقل انتظار موسى عليه السلام الجافة، وأن سد انتظاره لن يصمد أمام شلالات الرغبة في المعرفة، كان يعلم ويوقن أن الاختبار صعب ومع هذا حاول كبح جماح نفسه قدر طاقته، لهذا لم تفاجئه النهاية، فسلم.


أجلس أمام المظروف كأثري يتعبد أمام خبيئة حفظت أسرارها لآلاف السنوات، انطوت على نفسها وانشغلت بها عن كل ما في العالم. صَدَفة تَظُنها ملقاة في قاع بحر النسيان من غير اهتمام، وفي جوفها تكمن الجوهرة ساكنة آمنة، لا تهزها الحوادث ولا اضطراب البحر، يطمئنها يقين سري أن أوان فض أسرارها تسبقه بشارات ودلالات لم تأت بعد.

وها هي قد هلت وأقبلت، وها هو الأوان قد حل، واسترخت أوراقها واستراحت بين يدي، وأنا غارق في تأملها ظاهرًا وباطنا، وعن يمين وشمال، وأوشكت أن أقرأ عليها شطرًا من تعاويذ سحرة فرعون، وتراتيل كهنة معبد حتشبسوت، حتى لاح غير بعيد، وعلى ضوء المشاعل صفَّان من رجال سمر أشداء يتقدمون في صمت مهيب، أقرب لمشهد جنائزي مقدس، حاملين فوق أكتافهم أوراق مايا، وسمعت أصوات أقدامهم الحافية وهم يخوضون في الماء قاصدين معبد فيلة حيث مسكنها ومستقرها بين يدي الكاهن الأكبر المتحرق شوقًا كتلك المشاعل المصفوفة حوله تداعبها ريح الحياة، بينما يغالب صبره، ويتلو صلواتٍ خاصة تأهبًا لفتح الوصول.


* * *

5

سانتياجو، صيف 2024

الصفحة الأولى. ناصعة البياض تتوسطها كلمة واحدة بخط نسائي حالك السواد (مذكرات)، وفي السطر التالي (بيروت – مارس 2015). 

الصفحة الثانية: تتصدرها فقرة من عدة سطور:

(لا أدري كيف طاوعني القلم في كل هذه الصفحات، ولا أعرف من أي نهر استمد حبره. ولا من أي معجم اشتق كلماته.

مثل كل عادة كررناها ما لا يحصى من المرات، كانت هناك دائمًا المرة الأولى، والخطوة الأولى في الألف ميل، والليلة الأولى في ليالي العمر. وفي هذه المذكرات كانت الكلمة الأولى كالنقطة الأولى في بحر المذكرات، لا تكاد تُلقي لها بالاً!

ربما يكون لنا حق تحديد البدايات.. أما النهايات فلا.. لسبب بسيط هو أننا لا نملكها.

بدأت هذه المذكرات دون أن أعرف نهايتها.

كل ما فعلته أنني جلست إلى أوراقي أفيضُ عليها ولا تفيض علي.. أحكي لها ولا تحكي معي.. أُفضي إليها بأسراري ولا تفضي لي بسر واحد من أسرارها..

الأوراق صديق صموت كتوم!

اعتاد لغة الصمت.. فأغلقت فمها وألقت بالمفتاح في قاع محيط عميق، فما كادت تلك السمكة الكبيرة تبتلعه حتى ابتلعها حوت أبيض ومضى يكمل سباحته

يجري حبر القلم فلا أعرف أهو دمي أم دموع الأوراق.. نحكي ونحكي ولا نَمَلُ الحكي.. وتسمع الأوراق دون أن تمل من الحفظ

أوراق مذكراتي زورقي الذي لا أعرف إلى أين يمضي ولا إلى أين يسير.. وكيف لي أن أعرف والريح تأتي من كل اتجاه.. ريح الفِكِرِ والانشغال وحش هائل يدوس في طريقه حشائش الذكريات ويحني أشجارها العالية.. 

مايا رزق الله)

توقفت أمام الكلمات وعَلِقَت عيناي باسمها، نفخت فيه من وهج خيالي فتوارى الاسم، وتجسدت مايا أمامي بكل تفاصيلها، لا لم تكن أبدًا تلك الهالة كثيفة الضوء التي نطلق عليها (هولوجرام)، كانت مايا أمامي بلحمها وشحمها، بدفئها وبرودها، بضحكها ودموعها، كانت كما عهدتها، مثمرة دومًا.. صيفًا وشتاءً، استحالت مواسمها إلى ربيع خالص، مزهرة، ومثمرة، ويانعة، نخلة تطاول القمر في عليائه، وبشرة ملساء ناعمة كالرخام، لها طراوة الإسفنج وصلابة المحار.


مر شريط ذكرياتنا في صور متتابعة أمام عينيّ، بداية من الاستكشاف المقرون بالخجل إلى صراحة ومكاشفة عيوننا وقلوبنا، حَكيِنا حول فناجين القهوة سويًا في مكاتبنا مع المخبوزات الساخنة، رسائلنا عبر برامج التواصل الاجتماعي، مكالماتنا الطويلة والقصيرة إلى ما بعد منتصف الليل، محاضرة دكتور ستيوارت، أول قبلة على الوجنتين، استقبالها في مطار أبو ظبي عاصفة وغاضبة، سفرنا إلى جبيل، ووو...

رجعت بظهري للخلف ومددت ساقيّ لآخر مدي وتنهدت وأنا أتمتم (يبدو أنها كتبت المقدمة بعد انتهائها من تدوين المذكرات، وبعد أن قررت أن تلقي بها في بحر زياد ليلتقطها بعض السيارة)، زممت شفتيّ توجسًا وخالطني شعور ثقيل أن قراءة هذه المذكرات لن تكون أمرًا سهلاً.

عدت من المطبخ حاملاً صينية صغيرة عليها كوب قهوة وزجاجة ماء وقبل أن أشرع في القراءة، حاكيت طقوسها فقربت الكوب من أرنبة أنفي وسحبت نفسًا عميقًا مُغمض العينين حتى أحسست بعبقها في تلافيف رأسي، وبعد هنيهة لم تطل وقبل أن أفتح عينيّ رشفت رشفة، ثم فتحتهما في هدوء ورحت أقرأ، وبمعنى أدق أُبحر في محيطات المذكرات، أقاوم أمواجها العاتية حين تثور واستسلم لهدهدتها حين تستكين، حتى أنني سمعتها ترد على سؤالي لها: مايا... أحقًا كتبتِ كل هذا؟، نعم. كتبته.. كتبته لي وحدي.. كنت أحتاج أن أفهم نفسي!، وعندما انتهيت من الكتابة اكتشفت أنني كنت أخدع نفسي.. وأنني كنت أكتبه لك .. وصار ثمة صوت داخلي يُلح علي ويسيطر على تفكيري يدعوني لأرسله لك.. كنت محتارة لا أعرف كيف أصل إليك.. مرت قرابة عشر سنوات على آخر تواصل بيننا.. ولا أعرف أين استقر بك المكان.. فكرت أن أرسله على عنوان الأمم المتحدة في سانتياجو، وخشيت أن تكون تركته إلى مكان آخر، فتضيع رسائلي، ثم خطرت في ذهني فكرة أن أرسله إلى زياد، كنت على يقين بأنكما تتواصلان، أو على الأقل يعرف كيف يصل إليك، واستحسنت الفكرة وهدأت نفسي في دلالة داخلية على صواب الفكرة، فجهزت المظروف وأرسلته إليه.. كنت أتعذب كي اطمئن وأعرف أن المظروف قد وصلك.. كنتُ أريدك أن تقرأ.. وأن تراني بعينيك.. لكنني ما أن عُدت من مكتب البريد حتى أحسست بلسع سوط أسئلة تتوالى على عقلي، ماذا بعد أن يقرأ؟ ما رأيه؟ هل تُراه يهتم؟ هل سيبحث عني؟ وأيقنت أن دوامة الأسئلة لن تهدأ حتى أراك.. فوقعت في بئر اليأس السحيق.. حيث لا أعرف من أنا ولا أين أنا!

* * *

يُتبع

---------------------------------- 
بقلم: د. محمد مصطفى الخياط