21 - 06 - 2026

فى ذكرى الهجرة النبوية المطهرة | قراءة تاريخية فى الجانب السياسى عند النبى ﷺ

فى ذكرى الهجرة النبوية المطهرة | قراءة تاريخية فى الجانب السياسى عند النبى ﷺ

استقبلت الأمة الاسلامية أول أمس الثلاثاء عاماً هجرياً جديداً هو العام 1448 هـ ، ويبدأ العام الهجرى أو السنة الهجرية فى الأول من شهر "محرم" من كل عام ، وتاريخياً ؛ تأتى تلك المناسبة تخليداً لذكرى هجرة النبى الكريم ﷺ من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة ، وهى ذكرى عزيزة ومحببة إلى قلب كل مسلم . وبمناسبتها يتحدث العلماء والخطباء ورجال الدين فى كل أنحاء العالم الاسلامى عما قدمه النبى صلى الله عليه وسلم خلال رحلة الهجرة من "صبر وشجاعة وحكمة وقوة تحمل وحسن تدبير .... الخ" ، كما يتحدثون عن تأييد الله تبارك وتعالى لنبيه الكريم خلال تلك الرحلة بالكثير من الـــ "معجزات والآيات الربانية" ، وعن البركات التى حلت بكل من مر به النبى صلى الله عليه وسلم وصاحبة، سواء أكان من مروا به أو قابلوه أو تعاملوا معه أو سخره الله لهما من البشر أو الحيوان، أو الطير...الخ ، ويتحدثون كذلك عن البشريات التى بشر بها النبى الكريم كل من قابلوه أو تعقبوه أو تعامل معهم خلال تلك الرحلة.

لكن الباحث فى التاريخ، عليه أن يتعامل مع ذلك التراث التاريخى الدينى بطريقة مختلفة؛ إذ عليه أن يتعامل مع السيرة النبوية من كل جوانبها (ككل) باعتبارها مصدراً لفهم حركة التاريخ الإسلامي، كما أن عليه مراعاة ما يتطلبه ذلك التعامل من تطبيق قواعد صارمة تمزج بين المنهجية التاريخية العلمية، والضوابط العقدية لاستنباط الحقائق وتحليلها، معتمداً فى ذلك على تدرج منهجي دقيق يأخذ من المصادر التاريخية بداية من نصوص "القرآن الكريم" الذى يعد أصدق مرجع تاريخي، ومروراً بــ "الحديث" و"السنة " النبوية، اللتين يطبق عليهما قواعد الجرح والتعديل لتمييز الروايات الصحيحة من الضعيفة، ووصولاً إلى كتب المغازي والسير التى يتعامل معها بروح نقدية، كما أن عليه أن يعى ضوابط ذلك التعامل مع السيرة النبوية من خلال: مراعاة السياق الزماني والمكاني، والنظر الشامل للإنسان النبوي، ودراسة شخصية النبي ﷺ بشمولية متكاملة "كقائد" ، و"مشرع"، و"مصلح" ، و"مربٍ"، بعيداً عن اختزالها في جانب واحد، كما أن عليه أن يعمل على استبعاد الأساطير، وتنقية السيرة من الروايات الدخيلة والمبالغات والخوارق التي لا تثبت بنص صحيح.

ولابد للباحث فى التاريخ – أيضاً - أن يتعامل مع الجانب السياسي في حياة النبي ﷺ وفق منهج علمى يجمع بين التحليل الدقيق للنصوص، ومراعاة السياق الحضاري والاجتماعي، ويجب أن يرتكز ذلك المنهج لديه على بعض المحاور الأساسية ومنها: المنهج التحليلي والإستراتيجي الذى يدرس فيه الباحث تصرفات النبي ﷺ بوصفه "رئيس دولة" و"قائدا سياسيا"، وليس مجرد ناقل للوحي؛ وبالتالى يستطيع تحليل الوثيقة التى دشنها النبى صلى الله عليه وسلم فى المدينة كــــ "نواة للــتعددية السياسية والاجتماعية"، وكـــ "نواة أيضاً لإدارة التحالفات الإقليمية" و"تخطيط السياسات الدفاعية والاقتصادية" ،

كما يرتكز ذلك المنهج – كذلك - على مراعاة قواعد ومناهج البحث العلمية؛ إذ يجب على الباحث فحص نصوص السيرة وتمحيصها بدقة، نظراً لحساسية الحدث السياسي وارتباطه بتشريعات وسلوكيات الأمة ، وعليه – أيضاً - وفقاً لذلك المنهج أن يستنبط الفكر السياسي المعاصر متجاوزاً سرد الأحداث الزمنية إلى استلهام منظومة الحكم النبوية في تعزيز التماسك المجتمعي، ومكافحة الفقر ، وبناء شراكات مجتمعية ناجحة، وتأصيل قواعد المساواة، ومثاله فى ذلك "المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار"،

وهنا سيصل الباحث إلى نتائج مفادها؛ أن للجانب السياسي في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم عدة محاور أساسية:

- أولاً: الدبلوماسية وإدارة العلاقات؛ إذ اعتمد عليه الصلاة والسلام سياسة إبرام المعاهدات لحماية الدولة الناشئة وإدارة الصراعات، ويعد "صلح الحديبية" بينه وبين قريش ذروة "الدهاء الدبلوماسي" الذي حقق مكاسب استراتيجية وسياسية كبرى دون حرب، كما أرسل السفراء والرسائل لملوك وقادة العالم آنذاك.

- ثانياً: بناء مؤسسات الدولة؛ إذ أسس علية الصلاة والسلام  النواة الأولى للدولة بتوحيد القبائل المختلفة عبر "دستور / وثيقة المدينة التى نظمت "الحقوق" و"الواجبات" و"المواطنة"، كما جعل صلى الله عليه وسلم من المسجد مركزاً لإدارة الحكم.

- ثالثاً: التخطيط الاستراتيجي؛ إذ خطط للهجرة (مرة إلى الحبشة "أصحابه فقط "، والأخرى إلى المدينة "هاجر إليها بنفسه " بعد أن سبقه الكثيرون) كخطوة سياسية لحفظ كيان المسلمين ونشر الدعوة في بيئة آمنة، وتكملة للتخطيط الاستراتيجى؛ نجد أنه صلى الله عليه وسلم قد أرسى قوانين صارمة لحماية المدنيين، وضبط مسار الصراع في الحروب، ومنها كذلك الشورى وإدارة القرار؛ إذ كان قائداً يعزز المشاركة، كما أسس لمبدأ الشورى في اتخاذ القرارات السياسية والعسكرية.

- رابعاً: مثل النبي ﷺ نموذجاً فريداً فى القيادة؛ إذ أسس دولة إسلامية متماسكة، و شملت سياسته إرساء قواعد الحكم، وتوطيد التحالفات، وإدارة الأزمات، وحكمة التفاوض، ومن هنا مكن الله تبارك وتعالى له فى المدينة بعد فترة تحدى الصعاب التى عاشها فى مكة المكرمة لمدة 53 سنة منذ مولده وحتى هجرته، وفيها أى المدينة عاش 10 سنوات أرسى فيها قواعد بناء الدولة الإسلامية.

- خامساً: أسس النبى صلى الله عليه وسلم لوثيقة "دستور" المدينة المنورة أكد من خلالها على التعايش السلمى بين المسلميين وبعضهم البعض وبين المسلمين واليهود وغيرهم؛ وبذلك وفر لسكان المدينة "الأمن الغذائى والاجتماعى" عن طريق (المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار) من ناحية، وإقرار التعايش بين سكان المدينة جميعاً من ناحية آخرى؛ ذلك أن معظم المهاجرين كانوا عند هجرتهم إلى المدينة قد تركوا أموالهم وديارهم وحاجاتهم فى مكة؛ فعمل النبى من خلال تلك المؤاخاة على تأمين الحياة اليومية والإجتماعية لهؤلاء المهاجربن، وبمقتضى تلك المؤاخاة ايضاً وضعت العصبية القبلية وأصبح المسلمون جماعة واحدة، كما أنه بمقتضى "إقرار التعايش" اصبحت المدينة كلها وحدة واحدة، ورسمت خطوط الدفاع عن المدينة فى حالة وقوع اعتداء عليها.

- سادساً: كان المسجد مكاناً لإقامة الصلاة، وهو – أيضا - مقر السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية، وقام النبى صلى الله عليه وسلم بمنصب أو بمهام "الرئيس" فى هذا المكان؛ فكان يؤم الناس للصلاة، وكان يستشير أصحابه فى القضايا المهمة فى الدولة، ثم يصدر الرأى أو القرار بناء على ما رجحته تلك المشورة بما يشبه أعمال مجالس النواب أو المجالس التشريعية والبرلمانات الحالية، كما كان يقضى بين الناس فيما اختلفوا فيه كسلطة قضائية، كما كان يقوم بقيادة الحروب أو توجيهها، وفى هذا الصدد يذكر أنه أدار تلك الحروب بمهارة شديدة بما تتطلبة تلك الإدارة من وضع الخطط الحربية، والاستخباراتية، وجمع المعلومات لمعرفة عدة العدو وعتاده، وأماكن تواجده، ونقاط ضعفه وقوته، وتدبير المكائد حتى إيقاع الأعداء فى "الشراك"، وفى هذا الصدد يؤثر عنه قوله بأن "الحرب خدعة " ،

وكما أدار النبى صلى الله عليه وسلم تلك الحروب بحنكة شديدة، أدار المفاوضات التى تلتها بحنكة أشد، وفى هذا الصدد يحضر مشهد "صلح الحديبية" الذى اعترض الصحابة على بعض بنود الاتفاق الخاص به اعتقاداً منهم بأنها لصالح قريش، لكن الأيام ما لبثت أن أثبتت لهم صحة وجهة وبعد نظره فى هذا الاتفاق.

- سابعاً: أرسى النبى صلى الله عليه وسلم قواعد " تمكين الشباب " خاصة فى الأعمال المهمة، والأدلة على ذلك عديدة؛ إلا أن توليته لــ "اسامة بن زيد بن حارثة " وعمره لم يتجاوز الــ 20 سنة لقيادة الجيش رغم اعتراض الصحابة الكبار آنذاك "أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب" على تلك التولية لهو خير دليل على نظرته الثاقبة فى تلك التولية وثقته الكاملة فى إخلاص الشباب وقوة عزمهم وعزيمتهم .

- ثامناً: استخدم النبى صلى الله عليه وسلم العنصر النسائى وأخذ برأى النساء فى بعض الأمور المهمة فى الدول؛ فها هو يأخذ برأى إحدى زوجاته التى أشارت عليه بالخروج وذبح الهدى لينهى الجدال الدائر بين الصحابة حول ما توصل إليه فى صلح الحديبية، وكان رأيها صواباً؛ إذ اقتدى الصحابة رضى الله عنهم بما فعله النبى وفعلوا مثلما فعل من ذبح الهدى وانتهى بذلك هذا النقاش وذلك الجدال، وعاد الجميع إلى المدينة طبقاً لبنود الأتفاق .

- تاسعاً: ضرب النبى صلى الله عليه وسلم المثل والاسوة والقدوة فى العفو عند المقدرة، وفى آداب الحرب وأخلاقياتها عندما دخل مكة فاتحاً وأمن من لم يرفع السلاح فى وجه المسلمين قائلاً: "من دخل المسجد فهو أمن ، ومن دخل داره فهو أمن ، ومن دخل دار أبو سفيان (زعيم قريش آنذاك ) فهو أمن"، ثم عندما دخل مكة منتصراً وجمع قريشاَ وسألهم " ... ماذا تظنون أنى فاعل بكم" فأجابوه مستسلمين بعد أن أدركوا قوة شوكته "...أخ كريم وابن اخ كريم ...." فرد عليهم "أذهبوا فأنتم الطلقاء".

إن القراءة التاريخية المتأنية للجانب السياسى فى شخصية النبى صلى الله عليه وسلم ستكشف الكثير والكثير ؛ فهو المعلم الأول للبشرية ، فما أحوجنا أن نمضى على دربه وأن نسير على منهجه وطريقه .
--------------------------------------
بقلم: د. مصطفى يونس أحمد


مقالات اخرى للكاتب

فى ذكرى الهجرة النبوية المطهرة | قراءة تاريخية فى الجانب السياسى عند النبى ﷺ