اعتمد مؤتمر العمل الدولي في دورته الرابعة عشرة بعد المائة، الاتفاقية الدولية رقم 193 بشأن العمل اللائق في اقتصاد المنصات بعد جدال واسع استمر عامين حول أوضاع عمال المنصات حول العالم، والذي تراوحت أعدادهم وفق بينات البنك الدولي ما بين 150 مليون الي 435 مليون عامل على مستوي العالم. وتمثل هذه الاتفاقية أول إطار دولي ملزم ينظم العمل عبر المنصات الرقمية بشكل مباشر ويضع مجموعة من المبادئ المتعلقة بالأجور والحماية الاجتماعية والسلامة والصحة المهنية وشفافية الإدارة الخوارزمية وحماية البيانات وحقوق التنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية.
ويخضع عمال المنصات، في مصر، إلى أحكام متفرقة داخل قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 وقانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019 وقانون التنظيمات النقابية رقم 213 لسنة 2017 وقانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020، ورغم إدخال بعض الإشارات إلى أنماط العمل الحديثة بقانون العمل إلا أنه ومع إقرار الاتفاقية أصبح هناك حاجة لإعادة النظر في الإطار القانوني المصري الذي يقوم على نموذج العلاقة التقليدية للعمل دون تنظيم تفصيلي للعلاقة بين العامل والمنصة الرقمية أو الإدارة الخوارزمية
قانون العمل المصري واختبار اقتصاد المنصات
يستند قانون العمل المصري رقم 14 على تصور تقليدي لعلاقة العمل يفترض وجود عامل يؤدي عملا تحت إدارة وإشراف صاحب عمل داخل إطار تنظيمي، غير أن التوسع في العمل عبر المنصات الرقمية كشف صعوبات متزايدة في تطبيق هذه المفاهيم على أنماط تشغيل لا تعتمد على الإشراف البشري المباشر وإنما على الإدارة الرقمية.
وهنا تظهر إحدى القضايا المركزية التي تناولتها الاتفاقية الدولية رقم 193 وهي مسألة التبعية الفعلية فالعديد من المنصات الرقمية تصف العاملين لديها بأنهم متعاقدون مستقلون أو شركاء أو مقدمو خدمات غير أن طبيعة العلاقة العملية قد تكشف عن وجود مستويات مرتفعة من التحكم والإدارة تجعل العامل في وضع يختلف كثيرا عن أوضاع العامل الحر التقليدي.
وتدعم الوقائع الميدانية هذا الاتجاه. فقد أظهرت التحقيقات الميدانية التي أجرتها شبكة أريج حول أوضاع عمال التوصيل في مصر أن العاملين يخضعون لمجموعة واسعة من القواعد التي تضعها المنصات وتتعلق بسرعة الاستجابة للطلبات ومعدلات القبول والتقييم وآليات توزيع المهام، رغم استمرار تصنيفهم رسميا باعتبارهم متعاقدين مستقلين وتكشف هذه الممارسات عن وجود شكل من أشكال الإدارة والتنظيم يتجاوز مجرد الوساطة التقنية بين مقدم الخدمة والعميل وتظهر الإشكالية نفسها في موضوع الأجر ,فالقانون المصري ينظم الأجر باعتباره المقابل الذي يحصل عليه العامل مقابل عمله ,أما في اقتصاد المنصات فإن الدخل غالبا ما يتم احتسابه بواسطة معادلات رقمية معقدة تتغير بصورة مستمرة وفقا لعوامل متعددة مثل عدد الطلبات وموقع العامل والوقت والتقييمات ومعدلات الطلب.
وقد أشار تقرير لمشروع العمل العادل في مصر "Fairwork Egypt" إلى أن الشفافية في احتساب الدخل ما زالت تمثل إحدى القضايا الرئيسية التي يثيرها العاملون عبر المنصات في مصر. فالعامل لا يكون قادرا دائما على معرفة الأسباب التي أدت إلى زيادة دخله أو انخفاضه أو كيفية احتساب بعض الخصومات والحوافز. ولهذا أكدت الاتفاقية الدولية رقم 193 على حق العامل في معرفة المعايير المستخدمة في تحديد المقابل المالي وفي الحصول على معلومات واضحة بشأن آليات احتساب الدخل.
ولا تقل قضية الإدارة الخوارزمية أهمية عن قضية الأجور وتشير الدراسات الدولية إلى أن الإدارة الخوارزمية أصبحت السمة الأساسية للعمل عبر المنصات وقد انعكس هذا الإدراك في الاتفاقية رقم 193 التي خصصت مجموعة من المبادئ لضمان الشفافية في القرارات الآلية وحق العامل في معرفة أسسها وحقه في الاعتراض عليها ومراجعتها، أما في التشريع المصري فلا يوجد حتى الآن تنظيم قانوني مباشر للإدارة الخوارزمية داخل علاقات العمل وتبرز هذه المسألة بصورة أكثر وضوحا عند النظر إلى إنهاء العلاقة بين العامل والمنصة، وقد وثقت تقارير صحفية وشهادات لعمال منصات النقل والتوصيل حالات من تعليق الحسابات أو إيقافها بسبب التقييمات أو النزاعات مع العملاء أو أسباب لا تكون معلنة بصورة كافية للعامل وتكتسب هذه الوقائع أهمية خاصة في ضوء ما نصت عليه الاتفاقية من ضرورة توفير ضمانات إجرائية ووسائل مراجعة فعالة للقرارات المؤثرة على استمرار العمل وتقود هذه المعطيات إلى نتيجة أساسية مفادها أن التشريع المصري ما زال يعتمد على مفاهيم تشكلت في ظل نمط مختلف من علاقات العمل. ولذلك فإن التحدي الرئيسي لا يتعلق بغياب الحماية القانونية من حيث المبدأ، وإنما بقدرة هذه الحماية على الوصول إلى العاملين في اقتصاد المنصات
قانون التأمينات الاجتماعية وعمال المنصات
ينظم قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019 منظومة الحماية التأمينية للعمال وقد مثل القانون خطوة نحو توحيد نظم التأمين الاجتماعي وتوسيع نطاق التغطية لفئات مختلفة من العاملين، غير أن البناء الأساسي للقانون ما زال يستند إلى تقسيمات تقليدية تقوم على التمييز بين العاملين لدى الغير والعاملين لحساب أنفسهم وبعض الفئات المهنية الأخرى وتبرز المشكلة عند محاولة تحديد الموقع القانوني للعامل عبر المنصة داخل هذه التصنيفات فإذا اعتبر عاملا لدى الغير ترتبت على جهة العمل التزامات تتعلق بالتسجيل التأميني وسداد الاشتراكات والمساهمة في تحمل تكاليف الحماية الاجتماعية أما إذا اعتبر عاملا لحساب نفسه فإن مسؤولية الاشتراك والانتظام في السداد تصبح مرتبطة بالعامل بصورة أساسية وبين هذين التصنيفين تقع أعداد متزايدة من العاملين الذين يعتمدون اقتصاديا على المنصات دون أن يندرجوا بصورة واضحة تحت أي منهما.
ولقد شهد مجلس النواب مناقشات تتعلق بأوضاع العاملين في خدمات التوصيل والنقل عبر التطبيقات الرقمية، وتضمنت هذه المناقشات إشارات متكررة إلى محدودية التغطية التأمينية داخل القطاع واتساع نطاق العمل غير المؤمن عليه كما أثارت طلبات إحاطة برلمانية قضية غياب الحماية التأمينية لقطاعات واسعة من العاملين الذين يعتمدون على تطبيقات التوصيل والنقل كمصدر رئيسي للدخل.
وتتفق هذه المؤشرات مع ما ورد في عدد من التقارير البحثية الدولية فقد أشار تقرير لمشروع العمل العادل في مصر "فير وورك ايجيبت"، إلى أن الحماية الاجتماعية ما زالت تمثل إحدى نقاط الضعف الرئيسية في قطاع العمل عبر المنصات في مصر، وأن جزءا كبيرا من العاملين لا يحصل على تغطية تأمينية ترتبط مباشرة بطبيعة النشاط الذي يمارسه عبر المنصة.
وتظهر هذه الفجوة بصورة أكثر وضوحا في مجال إصابات العمل. فالعاملون في خدمات التوصيل والنقل يقضون فترات طويلة على الطرق ويواجهون بصورة يومية مخاطر الحوادث والإصابات. وقد وثقت تقارير صحفية عديدة حالات تعرض عمال توصيل لإصابات أثناء العمل ترتب عليها توقفهم عن النشاط وفقدان مصدر الدخل دون وجود آليات واضحة للتعويض أو الحماية، وقد تنبهت الاتفاقية الدولية إلى هذه المسألة، حيث دعت إلى تطوير آليات مرنة تسمح بربط الحماية الاجتماعية بالواقع الفعلي للعمل والدخل بدلا من الاقتصار على النماذج التقليدية المصممة لعلاقات العمل المستقرة من زاوية أخرى تطرح الاتفاقية فكرة توزيع المسؤولية الاجتماعية بين مختلف الأطراف المستفيدة من النشاط الاقتصادي، أما في الحالة المصرية فما زالت هذه المسألة تحتاج إلى معالجة تشريعية أكثر وضوحا للتعامل مع اقتصاد يعتمد على الإدارة الرقمية والعلاقات المرنة ومتغيرة الدخل والتحدي يكمن في كيفية تكييف هذا النظام مع واقع جديد لم يكن قائما عند بناء الكثير من مفاهيمه التقليدية.
قانون التنظيمات النقابية وحق عمال المنصات في التنظيم
يمثل الحق في التنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية أحد المبادئ الأساسية في منظومة العمل الدولية وقد ارتبطت نشأة التنظيم النقابي تاريخي بالحاجة إلى تحقيق قدر من التوازن في علاقات العمل من خلال تمكين العمال من التعبير الجماعي عن مصالحهم والدفاع عن حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والمهنية ، ولهذا احتلت حرية التنظيم والمفاوضة الجماعية موقعا مهما في الاتفاقية الدولية رقم 193 باعتبارها أحد الضمانات الرئيسية لحماية العاملين في اقتصاد المنصات.
وينظم قانون التنظيمات النقابية العمالية رقم 213 لسنة 2017 حق العمال في إنشاء التنظيمات النقابية والانضمام إليها وممارسة النشاط النقابي وقد جاء القانون في إطار تطوير البيئة التشريعية المنظمة للعمل النقابي في مصر، متضمنا الاعتراف بالتعددية النقابية ووضع قواعد لتأسيس المنظمات النقابية وإدارتها , غير أن القانون صيغ في الأساس في ظل نموذج تقليدي لسوق العمل يقوم على وجود منشآت وأماكن عمل محددة يمكن من خلالها تجميع العمال وتنظيمهم داخل هياكل نقابية معروفة أما اقتصاد المنصات فيقوم على نموذج مختلف، حيث يعمل الأفراد في مواقع متفرقة ولا تجمعهم بالضرورة منشأة واحدة أو مكان عمل ثابت كما أن التواصل بينهم يتم في كثير من الأحيان من خلال التطبيقات الرقمية نفسها.
ويترتب على ذلك عدد من التحديات العملية، فالعاملون عبر التطبيقات قد يعملون لصالح منصة واحدة أو أكثر في الوقت نفسه وقد ينتقلون بين المنصات وفقا لظروف السوق ومستويات الدخل , كما أن نسبة كبيرة منهم لا ترتبط بعقود عمل تقليدية يمكن الاستناد إليها في تحديد الانتماء المهني أو التنظيمي بصورة واضحة وأن كثيرا من العاملين يفتقرون إلى قنوات مؤسسية للتعبير عن مطالبهم أو التفاوض بشأن شروط العمل وعندما تنشأ مشكلات تتعلق بتغيير سياسات التسعير أو نسب العمولات أو آليات التقييم، فإن قدرة العاملين على التفاوض الجماعي تكون محدودة مقارنة بالنماذج التقليدية لعلاقات العمل.
وتظهر هذه المشكلة بوضوح في عدد من الوقائع التي شهدتها منصات النقل والتوصيل خلال السنوات الأخيرة. فقد تداولت وسائل الإعلام تقارير عن احتجاجات أو شكاوى جماعية من جانب العاملين اعتراضا على تعديلات في سياسات التشغيل أو نسب العمولات أو أنظمة الحوافز
ومن هنا تأتي أهمية ما ذهبت إليه الاتفاقية الدولية فالمنطلق الأساسي للاتفاقية هو أن العامل لا يفقد حقه في التنظيم النقابي بسبب الطبيعة الرقمية للعمل أو بسبب الجدل القائم حول تصنيفه القانوني. ولذلك أكدت الاتفاقية على حق العاملين عبر المنصات في إنشاء منظماتهم والانضمام إليها والمشاركة في المفاوضة الجماعية والدفاع عن مصالحهم المهنية.
أما في التشريع المصري فلا توجد حتى الآن أحكام خاصة تنظم بصورة مباشرة أوضاع التنظيم النقابي للعاملين عبر المنصات الرقمية. ولا يعني ذلك حرمانهم من الحق في التنظيم، لكنه يعني أن ممارسته تتم في إطار قانوني وضع أساسا للتعامل مع أنماط عمل تقليدية تختلف في كثير من خصائصها عن اقتصاد المنصات ومن ثم فإن التحدي الرئيسي بمدى قدرة الآليات القائمة على تمكين العاملين في المنصات من ممارسة هذا الحق بصورة فعالة .
أجندة تشريعية لمواءمة قوانين سوق العمل مع الاتفاقية الدولية رقم 193
إن مواءمة التشريع المصري مع الاتفاقية تستلزم بالضرورة إدخال تعديلات محددة على القوانين القائمة، تسمح بتمديد الحماية القانونية والاجتماعية إلى العاملين في هذا القطاع، وتبدأ هذه المراجعة من-
أولاً: قانون العمل رقم 14 حيث أن الاعتماد الحصري على الشكل التعاقدي لم يعد كافيا لتحديد طبيعة علاقة العمل ولذلك تبدو الحاجة قائمة إلى تبني معايير تستند إلى الواقع الفعلي للعلاقة المهنية بما يشمل درجة التبعية الاقتصادية والتنظيمية ومدى خضوع العامل لسياسات التشغيل والتقييم والتسعير التي تفرضها المنصة ومن شأن هذا التوجه أن يحد من حالات الاستبعاد القانوني التي قد تنتج عن استخدام أوصاف تعاقدية لا تعكس حقيقة العلاقة القائمة. كما تبرز الحاجة إلى وضع إطار قانوني ينظم الإدارة الخوارزمية داخل علاقات العمل.
وثانيًا: الحماية الاجتماعية المجال الأكثر إلحاحا في عملية المواءمة. فالتوسع في اقتصاد المنصات أدى إلى ظهور أعداد متزايدة من العاملين الذين يعتمدون على هذا النشاط كمصدر رئيسي للدخل ولذلك تبرز الحاجة إلى تطوير آليات تسمح بدمج العاملين عبر المنصات داخل نظم التأمين الاجتماعي بصورة أكثر مرونة مع مراعاة طبيعة الدخل المتغير وتعدد أنماط التشغيل , كما تستدعي المواءمة مراجعة القواعد المرتبطة بإصابات العمل. فالعمل في خدمات التوصيل والنقل يرتبط بمخاطر مهنية يومية تتطلب وجود حماية واضحة وآليات تعويض فعالة.
ثالثًا: في المجال النقابي تبرز الحاجة إلى تطوير أدوات التمثيل الجماعي بما يتناسب مع طبيعة العمل الرقمي فالنموذج التقليدي للتنظيم النقابي نشأ في بيئة تعتمد على المنشآت وأماكن العمل الثابتة بينما يقوم اقتصاد المنصات على التشتت الجغرافي واعتماد التواصل على الوسائط الرقمية ولذلك فإن ضمان الحق في التنظيم والمفاوضة الجماعية قد يتطلب استحداث آليات أكثر مرونة تسمح بتمثيل العاملين في المنصات والدفاع عن مصالحهم المهنية بصورة فعالة.
كما تفرض التحولات الرقمية ضرورة الربط بين حماية البيانات والحقوق المهنية. فالبيانات التي تجمعها المنصات عن العاملين أصبحت أحد العناصر الأساسية في إدارة العمل واتخاذ القرارات الاقتصادية. ولذلك ينبغي أن تمتد الحماية القانونية إلى ضمان حق العامل في معرفة البيانات التي تجمع عنه وكيفية استخدامها والجهات التي يمكن أن تصل إليها، مع وضع ضوابط تمنع استخدام هذه البيانات بصورة تضر بحقوقه أو تؤثر على فرصه المهنية دون مبرر مشروع.
من ثم فإن مواءمة القوانين المصرية مع الاتفاقية الدولية رقم 193 والاستجابة للتطور في معايير العمل الدولية جزء من عملية أوسع لتحديث منظومة سوق العمل بما يتناسب مع التحولات التكنولوجية والاقتصادية الجارية. فالتحدي الذي تطرحه المنصات الرقمية لا يتعلق بمستقبل هذا القطاع وحده، بل بمستقبل علاقة العمل ذاتها وكيفية ضمان استمرار الحماية القانونية والاجتماعية في بيئة عمل تتغير بصورة متسارعة.
--------------------------------
بقلم: حسن البربري






