برزت القاهرة، في السنوات الأخيرة، بوصفها فاعلا إقليميا يعيد تعريف أدوار الدولة المؤثرة والقوية، لا باعتبارها طرفا في صراعات مفتوحة، بل بوصفها بوابة استقرار تسعى إلى إطفاء بؤر التوتر لا إلى إذكائها.
جاءت رسائل القاهرة عبر رؤية سياسية متماسكة للتعامل مع أزمات الشرق الأوسط، في لحظة وصفت بأنها مصيرية وتاريخية، فهي لم تكن رسائل تقليدية أو بروتوكولية؛ بل كانت رسائل حاسمة ومواقف صريحة، تعكس إدراكا عميقا لطبيعة المرحلة، وما تفرضه من تحديات على الأمن القومي والعربي والأفريقي بمفهومه الشامل.
يستند موقف القاهرة من قضايا الاستقرار في الشرق الأوسط على رؤية شاملة تنطلق من مبدأ محوري، مفاده أن الأمن لا يُصان بالقوة المجردة، ولا يُستدام بمنطق التصعيد؛ بل يُبنى بتوازن دقيق بين الردع السياسي، والانفتاح الدبلوماسي، وصناعة المصالح المشتركة التي تحمي الدول من الانزلاق إلى الفوضى، والتنظيمات المسلحة، والأفكار المتطرفة والحروب الأهلية.
رسائل القاهرة في المنطقة والعالم تشير إلى المواقف السياسية والدبلوماسية التي تُطلقها مصر، خاصة من خلال تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي، أو التحركات الرسمية، أو الاستضافات الدولية، والتي تهدف إلى توجيه رسائل واضحة للدول الإقليمية والمجتمع الدولي بشأن قضايا الاستقرار، الأمن القومي، والقضايا العربية والإفريقية الرئيسية.
حشدت القاهرة العالم في الأمم المتحدة ومجلس الأمن من أجل القضية الفلسطينية، فهي لم تكن مجرد وسيط، بل كانت لاعبا استراتيجيا يربط بين الأمن القومي المصري، المصلحة الفلسطينية، والتوازنات الدولية، ونجحت في منع سيناريوهات أسوأ (مثل التهجير الجماعي أو توسع الحرب)، مع الحفاظ على دورها كبوابة غزة الإنسانية والسياسية، وتمتد الجهود الحالية لتثبيت الاتفاق وتنفيذ مراحله اللاحقة.
وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي أول قائد في العالم يحذّر بشكل صريح من اتساع دائرة الصراع في المنطقة، وذلك منذ قمة القاهرة للسلام التي عُقدت بعد أيام قليلة من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، حيث أطلقت مصر حينها صرخة تحذير للعالم من مخططات التهجير القسري التي يسعى الاحتلال الإسرائيلي لتنفيذها بحق سكان القطاع.
وكانت القاهرة أصدرت مؤخرا بيانا قويا وحاسما بشأن التوسع الإسرائيلي في الضفة الغربية، مؤكدة أن مصر تدير الملف الفلسطيني باحترافية عالية، باعتبارها الدولة الوحيدة التي استطاعت فرض شروطها في التعامل مع خطط التسوية المطروحة، ومنها ما عُرف بخطة السلام الأمريكية، فضلا عن دورها المحوري في قمة شرم الشيخ للسلام التي أسفرت عن عشرين بندا عكست رؤية مصرية متكاملة.
وفي لحظة إقليمية تتشابك فيها خطوط الصراع في القرن الإفريقي مع معادلات الملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن، جاءت رسائل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لتعيد تثبيت مقاربة القاهرة تجاه سيادة الدول ووحدة أراضيها ومسؤولية الدول المشاطئة عن أمن الممرات البحرية، رسائل دعم قوية لوحدة الصومال وسيادته، مع رفض أي تدخلات تهدد استقراره (مثل التصعيد الإثيوبي - الإريتري أو الاعترافات الخارجية بأرض الصومال”)، الجيش المصري يُظهر جاهزيته للمشاركة في مهام إقليمية، كرسالة ردع ودعم.
وبينما تظل القضية الفلسطينية الشغل الشاغل للقاهرة، فإن النزاعات المسلحة والصراعات الداخلية في عدد من الدول العربية تمثل خطرا داهما على الأمن القومي العربي، فإن ما يجري في السودان، ليبيا، سوريا، لبنان، اليمن، والصومال يؤكد وجود أجندات ومخططات مشبوهة تستهدف استقرار هذه الدول ووحدتها الترابية، بهدف تقسيمها إلى كيانات متناحرة صغيرة، هذه الكيانات قد تُعيد بصورة حديثة أشكال الاستعمار القديم، حيث يُغلف الدفاع عن أمن وسلام هذه الدويلات وحماية حقوق شعوبها، بينما يخفي في باطنه السيطرة على مقدراتها، وكسر إرادتها، وإخضاعها لمصالح أصحاب هذه الأجندات، حتى لو كان ذلك على حساب الوطن الأم.
ومن منطلق تلك الاستراتيجية يترجم الدور المصري ليشمل القرن الإفريقي، الذي تنظر إليه القاهرة بوصفه امتدادا حيويا لأمن البحر الأحمر، وشريكا طبيعيا في معادلة الاستقرار الإقليمي، فالموقف المصري من قضايا القرن الإفريقي يقوم على دعم سيادة الدول، وتشجيع الحلول السياسية، والمساهمة في مشاريع التنمية، ومواجهة القرصنة والتطرف، بما يحفظ أمن الممرات البحرية، ويعزز الاستقرار الاقتصادي والسياسي في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.
رؤية القاهرة تقوم على احتواء الأزمات عبر الحوار، وإعادة فتح قنوات التواصل، وبناء تفاهمات إقليمية تُخرج المنطقة من دوامة الصدام المستمر، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الدولة المنهكة لا تنتج إلا أزمات عابرة للحدود، وأن دعم الاستقرار هو استثمار طويل الأمد في أمن الجميع.
------------------------------------
بقلم: د. أحمد حساني






