29 - 06 - 2026

من استبعاد الطبيب القبطي إلى الوصاية على جسد المرأة.. كيف تسللت ثقافة التشدد إلى غرفة العلاج؟

من استبعاد الطبيب القبطي إلى الوصاية على جسد المرأة.. كيف تسللت ثقافة التشدد إلى غرفة العلاج؟

لم يكن الجدل الذي أثير لسنوات حول منع تعيين الطبيب المسيحي في تخصص النساء والتوليد، بحجة اعتبارات شرعية، مجرد نقاش مهني أو ديني، بل كان مؤشرًا على أزمة أعمق تتعلق بكيفية النظر إلى المرأة وإلى الجسد وإلى مهنة الطب نفسها.

واليوم، ومع تكرار الشهادات والوقائع التي تتحدث عن انتهاكات لفظية وجسدية، وإهانات أخلاقية، وإفشاء لأسرار المريضات داخل بعض المؤسسات الطبية، يفرض سؤال نفسه بقوة: هل أنتج هذا الخطاب مجتمعًا أكثر أخلاقًا، أم مجتمعًا أكثر تشددًا وأكثر قابلية لانتهاك كرامة الإنسان؟

إن أخطر ما تكشفه هذه الوقائع ليس مجرد وجود طبيب أساء استخدام سلطته، وإنما تحول بعض العاملين في المجال الطبي من مقدمي رعاية إلى أوصياء أخلاقيين على حياة المريضات. فبدلًا من أن تكون غرفة الكشف مساحة آمنة للعلاج، أصبحت في بعض الحالات مكانًا للمحاسبة والإدانة وإطلاق الأحكام. فأي سلطة يمتلكها طبيب تسمح له بإهانة امرأة تعرضت لاعتداء جنسي، أو بإطلاق أوصاف مهينة بحقها، أو بمعاقبتها بسبب اختياراتها الشخصية؟ منذ متى أصبح الطبيب قاضيًا شرعيًا يصدر الأحكام بدلًا من أداء واجبه المهني؟

ولم يكن الحديث عن التمييز في تخصص النساء والتوليد مجرد انطباعات أو روايات متداولة، بل وصل إلى ساحات القضاء. ففي عام 2015 أقام المحامي سمير صبري دعوى أمام محكمة القضاء الإداري طالب فيها بإلزام الدولة ووزير التعليم العالي بتعيين الأطباء المسيحيين في أقسام النساء والتوليد بالجامعات المصرية، معتبرًا أن استبعادهم يمثل مخالفة صريحة للدستور ولمبدأ المساواة بين المواطنين.

وعادت القضية إلى الواجهة مرة أخرى في عام 2019، عندما نظرت محكمة القضاء الإداري الدعوى رقم 53335، والتي طالبت بإلزام وزير التعليم العالي بتعيين الأطباء المسيحيين في أقسام النساء والتوليد، بعدما أكدت الدعوى وجود عرف غير مكتوب يمنع تعيينهم ويجهض المسار الأكاديمي للطبيب القبطي مهما بلغت كفاءته. واستندت الدعوى إلى مخالفة هذا الواقع للمادتين 53 و93 من الدستور اللتين تحظران التمييز وتلزمان الدولة باحترام مبادئ حقوق الإنسان.

ولم يكن الجدل نظريًا، فقد خرج الدكتور جابر جاد نصار، رئيس جامعة القاهرة الأسبق، في لقاءات إعلامية ليتحدث صراحة عن وجود هذا العرف داخل بعض أقسام النساء والتوليد، وأن الطبيب المسيحي كان يواجه صعوبة شديدة في الوصول إلى مواقع التدريس والتعيين داخل هذا التخصص، وهو اعتراف أعاد فتح النقاش حول تأثير الاعتبارات الدينية على القرارات الأكاديمية والمهنية.

واليوم، وبعد سنوات من تبرير الإقصاء تحت شعار حماية المرأة أو مراعاة اعتبارات شرعية، نجد أنفسنا أمام وقائع تتحدث عن إهانات وانتهاكات وتجاوزات داخل غرف الكشف نفسها. وهنا يفرض الواقع سؤالًا قاسيًا: إذا كان استبعاد الطبيب المسيحي قُدِّم باعتباره ضمانة للأخلاق، فأين هذه الضمانة اليوم؟ وهل المشكلة كانت يومًا في ديانة الطبيب، أم في غياب الضمير المهني، وضعف الرقابة، وتحول بعض الأطباء إلى أوصياء على أجساد النساء بدلًا من أن يكونوا أمناء على صحتهن وكرامتهن؟

وتكشف المؤشرات المتداولة حول تمثيل الأطباء الأقباط في تخصص النساء والتوليد عن اختلال لافت يستحق التوقف أمامه. ففي المناصب الأكاديمية والقيادية، من معيدين ومدرسين وأساتذة مساعدين وأساتذة، تشير التقديرات إلى أن نسبتهم تقل عن 1%، مع حديث مستمر عن استبعاد شبه كامل من التعيينات الجديدة منذ عقود، رغم أن رائد التخصص في مصر، الدكتور نجيب محفوظ، كان طبيبًا قبطيًا أسس مدرسة علمية خرّجت أجيالًا من أطباء النساء والتوليد.

أما على مستوى الأطباء المقيمين والنواب والأخصائيين العاملين يوميًا داخل المستشفيات الحكومية، فتتراوح التقديرات بين 1% و3% في أفضل الأحوال، وغالبًا ما تكون في حالات فردية أو في محافظات بعينها، وهو ما يعكس محدودية فرص الوجود داخل هذا التخصص.

ويرى كثير من المتابعين أن المشهد كان مختلفًا قبل ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، حيث كان التمثيل القبطي في بعض الأقسام يتراوح بين 5% و10%، قبل أن يتراجع بصورة حادة مع صعود التيارات الدينية وهيمنة اعتبارات غير مهنية على بعض سياسات الاختيار، حتى أصبح الوصول إلى المناصب العليا في كثير من الأحيان أقرب إلى الاستثناء منه إلى القاعدة.وإذا صح هذا الواقع، فإن المفارقة تظل صارخة؛ فالتخصص الذي أسسه طبيب قبطي وانطلقت منه واحدة من أهم المدارس الطبية في الشرق الأوسط، أصبح من أكثر التخصصات التي يثار حولها الجدل بشأن التمييز الديني والإقصاء المهني، في وقت يفترض أن تكون الكفاءة وحدها هي معيار الالتحاق والترقي داخل المؤسسة الطبية.

إن القسم الطبي والمواثيق الدولية لأخلاقيات المهنة تقوم على مبادئ واضحة: احترام كرامة المريض، والحفاظ على السرية، وعدم التمييز، وتقديم العلاج بعيدًا عن المعتقدات الشخصية أو الأحكام الأخلاقية. وكل خروج على هذه المبادئ يمثل خيانة للمهنة قبل أن يكون مخالفة قانونية.

والمشكلة لا تتوقف عند حدود السلوك الفردي، بل تمتد إلى بيئة تسمح بمثل هذه الممارسات أو تتسامح معها. فحين تتكرر وقائع الإهانة، والتحرش اللفظي أو الجسدي، وإفشاء أسرار المرضى، الذي تفجر خلال الساعات الأخيرة علي التواصل الإجتماعي والتمييز على أساس الجنس أو الدين، ثم يغيب الردع والمساءلة، فإن الأزمة تصبح أزمة منظومة لا أزمة أشخاص.

لقد ساهمت سنوات من الخطابات الدينية المتشددة والتفسيرات الاجتماعية التي تنظر إلى المرأة باعتبارها محلًا للوصاية والمراقبة، في خلق مناخ يخلط بين الواجب المهني والقناعة الشخصية، وبين العلاج والعقاب، وبين تقديم الخدمة الطبية وفرض الوصاية الأخلاقية.

وتشير تقارير حقوقية واستقصائية منذ سنوات إلى أن بعض النساء في مصر يواجهن صورًا مختلفة من التمييز في خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، وهو ما يعزز ثقافة التحكم في جسد المرأة بدلًا من احترام حقها في الرعاية الطبية الآمنة والخصوصية والكرامة. ويبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: من يحمي المريضات؟ ولماذا تنتهي كثير من الوقائع بالصمت أو التسوية غير المعلنة، فلا تصل الشكاوى إلى الجهات المختصة ولا تتحول إلى سوابق رادعة؟ وهل يعود ذلك إلى خوف الضحايا، أم إلى ضعف آليات المساءلة، أم إلى رغبة المؤسسات في احتواء الأزمات بعيدًا عن المحاسبة؟

إن اختزال المشكلة في واقعة واحدة أو في مؤسسة بعينها يضيع جوهر القضية. كما أن الاكتفاء بتغيير إدارة منشأة أو بيعها لا يمثل حلًا حقيقيًا إذا بقيت الثقافة نفسها قائمة، ما نواجهه اليوم هو أزمة ثقة في جزء من المنظومة الصحية، عنوانها التمييز، والتشدد الأخلاقي، وضعف الرقابة، وغياب المساءلة. وهي أزمة لا يمكن تجاوزها إلا بإعادة الاعتبار لأخلاقيات المهنة، وترسيخ حقوق المرضى، وتفعيل الرقابة المستقلة، وضمان عدم إفلات أي منتهك من العقاب.

فالمرأة التي تدخل المستشفى الحكومي منهكة و ضعيفة لا تطلب حكمًا على حياتها، ولا تبحث عن وصي على ضميرها، وإنما تلجأ إلى مؤسسة يفترض أن تحمي كرامتها وتصون أسرارها وتعالج آلامها. وحين يتحول الطبيب من أمين على صحة المريض إلى وصي على أخلاقه، فإن الخلل لا يعود فرديًا، بل يصبح مؤشرًا على أزمة مجتمعية ومؤسسية تستحق المواجهة والإصلاح.

والمفارقة الأكثر قسوة أن بعض المتشددين خرجوا من قلب هذه الوقائع ليقدموا الوصفة نفسها التي مهدت لهذا المناخ: "الحل أن تكشف المرأة عند طبيبة فقط، وليس عند طبيب". وكأن المشكلة في جنس الطبيب أو ديانته، لا في ضميره وأخلاقه والتزامه المهني.

هذا المنطق لا يعالج الأزمة، بل يعيد إنتاجها. فهو يؤكد أن الوصاية على المرأة أصبحت جزءًا من التفكير اليومي، وأن الجسد الأنثوي ما زال يُنظر إليه باعتباره ساحة للرقابة والمحاكمة لا إنسانًا يستحق العلاج والاحترام.

إن الطبيب الذي يهين مريضته أو يفشي أسرارها أو يتحرش بها لن يصبح أكثر نزاهة لأنه رجل أو امرأة، متدينًا أو غير متدين. الكفاءة والأمانة والمساءلة هي الضمان الحقيقي، لا الهوية. وإذا كان الرد على كل انتهاك هو المزيد من الفصل والتمييز والمنع، فنحن لا نعالج المرض بل نغذيه. عندها لا يكون الحديث عن التطور العلمي أو حقوق المرضى إلا شعارات فارغة، بينما تتسلل إلى المستشفيات عقلية الوصاية والإقصاء التي تشبه أكثر ما تشبه المجتمعات التي تحكمها الأيديولوجيا المتشددة لا أخلاقيات الطب.

إن المقلق ليس وجود متطرف هنا أو هناك، بل أن تتحول غرفة الكشف إلى مساحة يُفرض فيها على المرأة ما يُفرض عليها في أكثر البيئات انغلاقًا، حتى يبدو وكأن بعض العقول قررت استنساخ قندهار داخل المستشفى، واستبدال سماعة الطبيب بدور المحتسب، وتحويل مؤسسة العلاج إلى ساحة للمحاسبة الأخلاقية بدلًا من حماية الإنسان وكرامته.
---------------------------------------
بقلم: جورجيت شرقاوي


مقالات اخرى للكاتب

«الشبراوي» يهنئ