- كتاب عن عوالم خفية تكشف ثراء المخيلة الشعبية
في كتابه الجديد "الأرانب الحجرية.. 70 حكاية خرافية" الصادر حديثاً عن الدار المصرية اللبنانية، يصور عمار علي حسن، جانبًا مهمًا من سحر المخيلة الشعبية المصرية حين تحكي عن عوالم خفية، ما يبين أن هناك واقعية سحرية مبهرة يتداولها أهل مصر على مدار قرون من الزمن، تتشابه مع غيرها لدى أمم أخرى، وتختلف في بعض الحكايات عنها.
جمع الكاتب هذه الحكايات، التي ظهرت في 460 صفحة من القطع فوق المتوسط، من قريته في محافظة المنيا وقرى مجاورة لها، ثم أعاد صياغتها بأسلوبه هو في شكل حكايات أدبية، منحها الكثير من شروط الكتابة القصصية، دون أن يجور على جوهرها المحكي أو الشفاهي.
يضم الكتاب سبعين حكاية خرافية، عمن يستحضرون الجان، أو ما يأتيه السحرة والمشعوذون والعرافون من قارئي الكف والتاروت والفنجان والمندل وضاربي الودع والمهتمين بحسابات النجوم والفلك، والساعين خلف الكنوز المطمورة، والمبالغين في تصوير كرامات الأولياء والقديسين، والمعتقدين في التمائم والحروز والطلاسم، ومن يشغلهم الخوف من الحسد والعفاريت، وتجذبهم حكايات عما بعد الموت، ويصدقون النبوءات القديمة، وأولئك الذين يؤمنون بالفيوضات الروحية التي تجلب الطاقة الإيجابية، ومن يتمسكون بأرقام وأشياء جالبة للحظ.
من أسفار العجائبية
سبعون حكاية عن عوالم خفية، تكشف ثراء مخيلة أهلنا الذين سردوا هذه الحكايات عبر آلاف السنين، فنكتشف في رحابها قدرة جيلنا على الاستفادة منها، وتقديمها سِفرًا من أسفار عجائبيتنا وغرائبيتنا الساحرة.
إننا رغم كل ما نقرأه من قصص وروايات ومسرحيات وأشعار لا يمكننا نسيان الحكايات الهائمة التي كانت تُسرد على مسامعنا في الصغر. بعضها كان يخيفنا، وبعضها كان يسلينا، وكلها كانت تلهب خيالنا الغض، فينطلق مجنحًا، وتُشحذ الذاكرة بصور ومشاهد وعبارات ومجازات، وينطلق الذهن مراوحًا بين التوسمات والتوهمات، وينتقل بنا من الإيهام والإلهام إلى الإفهام، فيتسع عالمنا، حتى لو كان اتساعه هذا من صنع الخيال. لم يكن ما نسمعه سوى حكايات بعيدة عن البرهان، وعما يمكن إثباته علميًا، لكن منذ متى كان البرهان وحده هو المنفذ الوحيد لفهم كل ما يجري في الحياة؟ فالدنيا ليست، بأي حال من الأحوال، معادلة رياضية أو قانون فيزيائي.
إن الجمال، بوصفه أحد الجواهر الأساسية للفن، لا يمكن أن يكون معادلات صماء، ولا يخضع لمنطق، ولا يقف حتى عند حدود الحدس، إن بوسعه أن يسيح في كل ما وراء الطبيعة، وما وراء العقل، وما وراء القدرة التي بوسع الإنسان أن يحصلها في تفاعله مع تصاريف العيش، وكل هذا يعطي للحياة طعمًا، ويجعل قانون "المنفعة الحدية" الذي يتحدث عنه الاقتصاديون واقفًا عند حدود استهلاك الأشياء المادية، بينما تجدد الرغبة في معرفة الغرائب والتسلية والتسرية والتزجية بها، مفتوحة بلا حد ولا سد ولا قيد.
بين الصدق والتهويل
وقد حرص الكاتب على كتابة مقدمة تمهيدية عميقة لحكاياته شرح فيها أهمية الحكاية الخرافية أدبيا واجتماعيا، ووضح فيها كيف جمع الحكايات وصاغها، ولم يهمل ذلك أن هناك جدالا وسجالا دائمين حول مدى صدق أو كذب ما يقال عن العوالم الخفية، وهيمسألة لا تعني الأديب في شيء، فما يلفت انتباهه هو سحر الحكايات حول العوالم الخفية، أو ما وراء الطبيعة، ويجدها فرصة سانحة لالتقاط مادة جيدة لكتابة أدبية قصصية أو روائية أو حكايات تنتمي إلى "الواقعية السحرية" أو إلى "الفانتازيا" وبعضها قد ينتمي إلى "الواقعية الروحانية"، ويطلق على بعضه أيضًا مصطلح "الحكايات الخرافية"، ومنه ما يكتمل وجوده في المخيلات، ويتماسك شيئا فشيئا، فيرسخ مع الزمن من الأساطير، التي لا تخلو أمة منها.
أخذت الحكايات السبعين عناوين لافتة مثل "الطمَّاع وحارس الكنز"، و"موتى صغار يخبزون لجوعى"، و"توأم يصير قطًا"، و"القتلى يعودون أشباحًا"، و"حمار الليل"، و"حَضْرة ذِكْر للمِعيز"، و"الأرانب الحجرية" ،و"الراعي والجني الصغير، و"سمكة تحدث صيادها" و"الملبوسة والممسوسة"، و"غرفة السر"، و"عاشقة تشق الجدار، و"قرود تأكل النار" و"بيت من هواء"، و"قزم في ليلة قمرية"، و"رجل يخرج من فم جمل"، و"القرينة العايقة" و"عقرب يضيء ليلًا" و"حدث في بيت مهجور"، و"جني في زجاجة"، و"لعنة فرعونية حمراء" و" وليمة لشبح جائع"، و"ثمن الزئبق الأحمر"، و"ليلة اختناق القمر"، و"عفريتة الساقية"، و" باب لعالم آخر"، و"خروف يبكي جمرًا"، و"الثعلب الدرويش"، و"لص في البلورة"، و"الغائب يعود شيطانًا".. الخ.
استلهام الخرافات
وتعد الحكايات الخرافية لونًا من الأدب السردي القصير المنتمي إلى عالم الوهم، حيث الشخصيات الخيالية والأفعال الخارقة، والذي يتم تداوله شفاهة، ويرسو في القيعان الاجتماعية البعيدة، وقد يصير مع الزمن نمطًا من الأعمال الكلاسيكية، التي تتفاعل وتتشاكل وتنتقل بين الثقافات الإنسانية، لتصبح مصدرًا ثريًا للمعرفة والحكمة والتجربة، ومخزنًا لإنتاج القيم الاجتماعية، وأحد روافد الأدب الذي تبدعه النخبة من قصص وروايات حين تستلهم الخرافات، وتعيد إنتاجها وفق صيغ جديدة، أو تقوم بتبيئتها كي تنصهر في الثقافة المحلية، وربما يتطلب هذا تخليص الحكاية الخرافية مما تنطوي عليه من عنف، أو ما تدعو إليه من علاقات غير مستساغة لأعراف أو تقاليد ما، بحثًا عن تحويلها إلى شيء مفيد.
والحكايات الخرافية موجودة في تراثنا العربي، مثل ما ورد في "ألف ليلة وليلة" من قصص مدهشة، وعند إخوان الصفا في شكوى الحيوانات إلى ملك الجان من الظلم الاجتماعي، ولدى ابن المقفع في كتابه "كليلة ودمنة"، وموجودة كذلك في الآداب الأوروبية عند ماري دي فرانس، وجان دي لافونتين، وإيفان أندريتش كريلوف، وجوتلهد إفرايم لسنج، وكريستيان جليرت، وهانز كريستيان أندرسون، وعند الألماني هيرمان هسة في كتابه "حكايات خرافية". وموجودة أيضًا في الآداب الأسيوية التي تنهل من منابع غنوصية، وروافد ما ورائية، ومناهل يعجز العقل عن إثباتها، لكنها تؤثر على عيش الناس، حين تنعكس على معتقداتهم وتصوراتهم، وتلعب أحيانًا دور الطبابة في مواجهة الشقاء والحيرة وانفساح الغيب بلا حد.
ومن اللافت للانتباه أن كثيرًا من الأعمال السردية العربية، روايات كانت أو قصصًا قصيرة، قد تأثرت بالحكايات الأسطورية والخرافية المتداولة في آداب أخرى، لاسيما في أمريكا اللاتينية، إثر ترجمة الكثير منها إلى لغتنا، دون أن يلتفت مثل هؤلاء الكُتَّاب العرب إلى ثراء التراث المحلي، أو المأثور والموروث الشعبي، في كل مجتمع عربي، بحكايات ملهمة، حتى أننا وجدنا كتبًا تصدر شاملة حكاية مستنبتة من حكايات أوردها كتاب أمريكا اللاتينية، أو تقلدها، مع أن هؤلاء، وفي مقدمتهم بورخيس الأرجنتيني وماركيز الكولومبي وخوان رولفو المكسيكي، اعترفوا بفضل حكايات الشرق الساحرة، خصوصا "ألف ليلة وليلة"، أو "الليالي العربية" حسب العنوان الذي اتخذته الترجمات الغربية لها.
بالطبع هناك من بيننا الذي انتبه إلى ذلك وتأثر بهذا الموروث من الحكايات الشفاهية المتداولة، لكن لم يكن هناك انشغال بجمعها بين دفتي كتاب، سواء كما ترد على الألسنة التي تتداولها، أو بإعادة صياغتها لتأخذ الشكل الكتابي، الذي قد يكون في نهاية المطاف واحدًا من رواياتها المتعددة. من بين هؤلاء طه حسين حين استعاد طرفًا مختلفًا من "ألف ليلة وليلة" في كتابه "أحلام شهرزاد"، ونجيب محفوظ في "ليالي ألف ليلة" وخيري عبد الجواد في بعض أعماله لاسيما "حكاية الديب رماح".
لكن كتاب عمار علي حسن هو الأول من نوعه في الأدب المصري الذي يجمع الحكايات الخرافية ثم يعيد صياغتها بأسلوبه، وهذا ما يعطي الكتاب أهمية، ويجعله قابلا لقراءة متجددة عبر الأجيال.







