في أوقات الهدوء، قد تبدو الحوارات السياسية والإعلامية مجرد مادة إخبارية عابرة. أما في لحظات التوتر والتحولات الكبرى، فإن كل كلمة تصبح جزءًا من معركة الوعي، وكل موقف مُعلن يتحول إلى رسالة تتجاوز حدود الشاشة. لذلك تأتي الحوارات المتلفزة التي يجريها الكاتب الصحفي ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، في توقيت لا يمكن فصله عن المشهد الإقليمي المضطرب الذي تعيشه المنطقة.
يقف الشرق الأوسط اليوم على أرض متحركة، أزمات تتجدد، وحروب لا تتوقف، وتحالفات يُعاد تشكيلها بصورة شبه يومية. وفي قلب هذا المشهد، تبقى مصر حاضرة بوصفها دولة تدرك أن استقرار المنطقة ليس رفاهية سياسية، بل ضرورة استراتيجية تتعلق بأمنها القومي ومستقبل شعوبها. ومن هنا تكتسب مناقشة الدور المصري في جهود تسوية النزاعات أهمية خاصة، لأنها تكشف جانبًا من التحركات التي قد لا تكون ظاهرة للرأي العام بالقدر الكافي.
القضية الفلسطينية، على سبيل المثال، ليست مجرد ملف سياسي تتعامل معه القاهرة ضمن أجندة دبلوماسية واسعة، بل هي اختبار دائم لثبات المواقف وقدرة الدولة المصرية على الحفاظ على توازن دقيق بين الدعم السياسي والإنساني للشعب الفلسطيني، وبين السعي إلى منع انفجار الأوضاع في منطقة تدفع ثمن الصراعات منذ عقود. ولهذا، فإن الحديث عن جهود تثبيت وقف إطلاق النار في قطاع غزة لا ينبغي النظر إليه باعتباره تفصيلًا سياسيًا، بل باعتباره جزءًا من معركة أكبر عنوانها حماية المنطقة من دوائر جديدة من العنف والفوضى.
لكن ما يلفت الانتباه أكثر أن هذه الحوارات لا تتوقف عند حدود السياسة الخارجية، بل تفتح بابًا واسعًا للنقاش حول الإعلام نفسه. وهنا تكمن النقطة الأهم، فالعالم لم يعد كما كان قبل سنوات. لم تعد الحروب تُخاض في الميدان فقط، بل على الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي أيضًا. ولم تعد الشائعة مجرد خبر كاذب، بل أصبحت أداة للتأثير والتوجيه وإرباك المجتمعات.
في هذا السياق، تبدو مهمة تطوير المنظومة الإعلامية المصرية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فالمطلوب ليس إعلامًا يكتفي بنقل الخبر، بل إعلام قادر على تفسيره ووضعه في سياقه الصحيح. إعلام يملك أدوات المنافسة في عصر السرعة الرقمية دون أن يفقد معايير المهنية والمصداقية. إعلام يصنع الوعي بدلًا من أن يطارد "الترند"، ويبني الثقة بدلًا من أن يلهث خلف المشاهدات.
والحقيقة أن أخطر ما تواجهه الدول اليوم ليس نقص المعلومات، وإنما الفوضى الناتجة عن وفرتها. فملايين الرسائل والصور والمقاطع تتدفق كل لحظة، بينما يصبح المواطن العادي مطالبًا بالتمييز بين الحقيقة والتضليل. وهنا يظهر الدور الحقيقي للإعلام الوطني بوصفه خط الدفاع الأول عن الوعي المجتمعي.
لهذا السبب، لا تكمن أهمية هذه الحوارات في اسم وزير الدولة للإعلام فحسب، بل في الأسئلة التي تُطرح عليه والملفات التي يقترب منها. فحين تتحدث الدولة عن رؤيتها للمنطقة، وعن استراتيجيتها الإعلامية، وعن كيفية مواجهة التحديات الراهنة، فإنها لا تقدم روايتها فحسب، بل تفتح نافذة ضرورية للفهم في زمن باتت فيه الحقيقة نفسها ساحةً للصراع.
وفي النهاية، قد تختلف الآراء حول كثير من القضايا، لكن المؤكد أن المجتمعات القوية هي تلك التي تملك القدرة على الحوار والتفسير والمصارحة. أما ترك الساحة للضجيج وحده، فليس خيارًا آمنًا في عالم تتسابق فيه الروايات بقدر ما تتسابق فيه الأحداث.
------------------------------------------
بقلم: إبراهيم خالد







